النمو الروحي
الأب شاهين ريشا الكرملي
(دير سيدة الكرمل الحازمية- لبنان)
مقدمة: تجد في هذه الأحاديث محاولة بسيطة لشرح دينامية الحياة الروحية وتطوّرها في الكنيسة وفي حياة المؤمن. وتودّ أن تكون إكمال ما بدأناه في السنة الماضية من عرض بعض الأفكار حول النضوج الإنساني.
النمو:
النموّ كلمة مستقاة من الحياة الطبيعية. كل كائن حيّ يولد ويكبر ويبلغ قامته الملائمة لطبيعته الأصلية، ولا يستطيع الكائن الحيّ أن يسرّع نموّه اصطناعيّاً. بل إنه يخضع لناموس الزمن، والزمن، أو الدورة السنوية للفصول، أو دورة الأرض حول الشمس، كفيلة بإعطاء كل كائن حيّ مادي، الظروف والأطر الحسيّة الملائمة لنموّه.
كذلك الإنسان يخضع في عناصر عدة من كيانه إلى هذا الناموس الكوني : فالنمو البيولوجي ملازم العمر، ويكيّف النمو النفسي. فهل يرتبط بهما النمو الروحي؟ جوابنا منذ البدء هو نعم، ولذلك علامات:
إن وحدة الشخص الإنساني تفترض أن يحصل بين سائر عناصر الإنسان، خاصة البيولوجية والنفسية والروحية تجانس وتناغم؛ وإلاّ وقع الإنسان الفرد في ازدواجية نفسية أوصلته إلى حالة مرضية.
كما أن النمو البيولوجي والنفسي مرتبطان ببطء الزمن وتدرجه عبر السنوات، كذلك يفترض أن يتدرّج النمو الروحي عبر السنوات، ولا يحصل نضوج روحي قبل عمر معيّن أو بعد مضي مدة معيّنة من بدء الحياة الروحية.
وبما أن مفهوم الروح في الإنسان ينمو مع المادة ويستقل عنها، فليس من المستحيل إذاً أن يحصل نضوج روحي قبل وقته. لأن روح الإنسان، وإن بدأ مع المادة، لا ينتهي بها ولا ينحصر فيها بل نؤمن بأنه يتخطّى المادة.
وأهم الأسباب التي تحتم النمو الروحي وتدرّجه عبر ثقل الطبيعة البشرية هو حقيقة التجسّد. فرغم أن الخلاص كان بوسعه أن يتم في ملء الأزمنة وسرعة الأزلية، إلاّ أن الله اختار المادة صورة للتجسد. فلا يعقل أن ينمو الرأس بالحكمة والسن والنعمة، ولا يكون هذا النمو قاعدة لمشاركة المؤمن في حياة الإبن. ولنا على ذلك شواهد، في مثل يسوع المسيح، وأمثاله وحياة بولس الرسول ونمو الكنيسة.
شواهد على النمو الروحي:
مثل يسوع المسيح: يقول لوقا في انجيله مختصراً ثلاثين سنة من حياة يسوع، "انه كان ينمو في الحكمة والسن والنعمة أمام الله والناس"(لوقا 2،52).
ينمو في الحكمة: في الحكمة كلمة مرتبطة بعقل الإنسان ووظائفه الأصلية في جمع المعارف وتنسيقها، وتحليلها وربط الأسباب بالنتائج. ونفهم معناها من خلال أسفار العهد القديم. إنها عقل الإنسان المؤمن الذي يكتشف أسرار معرفة الله وعلاقته بالإنسان. وقد ظهرت هذه الأعمال العقليّة كلّها في تعليم يسوع وتبشيره.
ينمو في السن: لقد صدم سر التجسّد عقلية اليهود وصار حجر عثار لهم، لأنهم انتظروا المسيح آتياً على سحاب السماء ساطعاً كالبرق، فجاءهم إنساناً عادياً خاضعاً لسنة المادة ومقياس الزمن، فالسن أو العمر هو مقياس الإنسان في الجغرافيا وفي التاريخ. وهو ارتباط الشخصية بتعاقب السنين، ليس عدداً متراكماً بل نمواً باطنياً منسّقاً. فعبر السنين ربط الله ظهوره وتجلّيه وتجسّد بتعاقب السنين ونضوجها. لذلك قيل: لما بلغ ملء الزمن، أي أن الزمن أصبح كائناً حيّاً ينمو وينضج، مدفوعاً بقوة سرّية تسري في شرايين التاريخ جيلاً بعد جيل، إلى أن بلغ قامة المسيح (أفس 13،4).
ينمو في النعمة: والنعة هي كلمة تختصر عمل الله الحيّ. لن تفهم إلاّ بعد قراءة الإنجيل وبشارة يسوع ورسائل بولس الرسول. هي عمل الله الخلاصي وتجلّيه وفعاليته في حياة الإنسان. فليس قليلاً أن يقال: إن تجلّي الله وعمله كان ينمو في يسوع، وعبر نموّه الزمني. بذلك يبدو يسوع مثالاً لأي نمو روحي.
أمثال يسوع: يسعنا التذكير بعدة أمثال ضربها يسوع ليوضح أسرار الملكوت:
مثل حبة الخردل. (متى 13، 31-32).
مثل الخميرة في العجين. (متى 33،13).
مثل الزرع الذي ينمو. (مرقس 4، 26-29).
نستنتج من هذه جميعها أن الملكوت الذي يبشر به يسوع يتميز بنمو شبيه بنمو الطبيعة المادي، وبثمار ملائمة وتحوّل يشابه تحوّل المزروعات في تقلّبها من بذار إلى نبات أو شجرة، ثم إلى موت ثم عودة إلى الحياة. فالإنسان الروحي يمر عبر هذه التحولات.
بولس الرسول: يظهر لنا بولس الرسول في اختباره الشخصي وتعليمه أن المسيحي يبدأ بالعماد حياة جديدة شبيهة بالحياة الطبيعية من حيث أنها لها بداية ومراحل نموّ وتتخللها صراع ومجد. تبدأ بالعماد وتستمر في مسيرة إيمان ورجاء ومحبة حتى تجلّي أبناء الله، وبلوغ قامة المسيح. فبعد أن وصل بولس إلى الكمال في حفظ الشريعة يبدأ مع المسيح بالإرتداد حياة مسيحية ورسولية تقوده حتى الإستشهاد في روما. ويقر قبيل استشهاده بأنه لم يصل بعد، ولكنه ينسى ما مضى ويتخطّى إلى الأمام إلى حيث المسيح. (نيلبي 12،3-16).
نمو الكنيسة: منذ أن بدأ يسوع بشارته وأسس جماعة جعلها جماعته تتبعه أينما ذهب، وتشهد لأعماله وتستمع إلى تعاليمه. إليها سلّم مفاتيح الملكوت وغذاءه. ولما قام من الموت جمعها بعد تشتتها، وعند صعوده سلّمها رسالته، ويوم العنصرة ألبسها روحه وقوته. فالخلاص سلّم إلى الكنيسة، وهي توزعه على المؤمنين. لذلك سنرى أولاً نمو الخلاص أو نمو الحياة في الكنيسة وقواعده ومراحله ثم نرى النمو الروحي في المؤمن.
الكنيسة يوم الصعود:متى 16،28-20؛ مرقس 15،16- 20؛ لوقا 44،24-49
ملاحظات: وعد يسوع تلاميذه بانتظارهم في الجليل، ولما حضروا ظهر لهم. ظهر لهم كجماعة الأحد عشر، وككنيسته. طلب إليهم أن ينتظروا موعد الآب في أورشليم، ووعده هو بإرسال الروح. كما أرسلني الآب كذلك ارسلكم : رسالة الكنيسة من رسالة يسوع.
مضمون رسالة الكنيسة: ذهاب إلى أقاصي الأرض، كل الأمم، الخليقة كلها. تلمذوا، عمّدوا، علّموا. كل الناس، كل الأمم، كل الأيام، كل الوصايا. وعد جديد : ها أنا معكم كل الأيام حتى انقضاء الدهر. اللقاء: في أعمال 11،1 : هذا الذي رفع عنكم سيعود كما رأيتموه ذاهباً إلى السماء.
بالإختصار : تلقت الكنيسة يوم الصعود رسالة واضحة: أن تؤمن بحضور الربّ معها كل الأيام وتحفظ هي كلامه فتنطلق إلى الشعوب وأقاصي الأرض وكل الأيام، فتتلمذ وتعمد وتعلّم كل الخليقة وصايا يسوع. في مسيرتها يدفعها حضور الربّ في وسطها إلى ملاقاة الرّب العائد كما ذهب.
من الصعود والعنصرة إلى انقضاء الدهر؛ نمو الكنيسة:
يصف لنا كتاب أعمال الرسل مسيرة الكنيسة في السنين الثلاثين الأولى. الرسل ينتقلون من مكان إلى آخر، ينقلون البشارة من مكان إلى آخر، يعمدون، يتلمذون، ويعلّمون، أي يتمّمون الرسالة التي أوكلها يسوع إلى كنيسته. فنرى التحولات التالية:
- تنطلق من جماعة صغيرة، ثم تضم إليها أعضاء جدداً من اليهود والوثنيين، أي من البشرية الموجودة قبلها. فتكبر بهم، وتختبر حضور الربّ في وسطها بالمعجزات وتدفق المؤمنين عليها. هنا أيضاً نستطيع تمييز نوعين من الولادة: ولادة جماهرية على طريقة بطرس وولادة يتيمة على طريقة بولس في آسيا الصغرى وبلاد اليونان.
- لكنها بدت بعد وقت وجيز كمن يبتلع ابتلاعاً دون هضم. فبدأت أزمة بين الشعبين اليهودي والوثنيين، ثم قصة الشريعة والختان للوثنيين. لقد جمعت الكنيسة في وسطها عناصر غير متجانسة، فاضطرت إلى ابتداع حل لكل أزمة، بالفصل بين خدمة الكلمة وخدمة الموائد؛ وضرورة تبشير الوثنيين (عنصرة كورتيليوس) وضرورة وحدة المسؤولين، لقاء بطرس وبولس (كي لا أكون قد تعبت سدى)، وفهم أعمق لسر الخلاص بالإيمان بالمسيح لا بالشريعة.
- بعد الإضطهاد اليهودي والتشتت المسيحي واليهودي، وخسارة الهيكل والذبائح، ظهرت كتابات الرسل تحرّض المؤمنين على الثبات في الإيمان.
- ظهور الهراطقة والمرتدّين والمتطاولين على صلاحيات الرسل، استدعي ارسال سفراء أو كتابة وسائل توضيحية أو تعليمية.
في هذه الحقبة القصيرة من التاريخ، نجد الكنيسة تجتاز أزمات قاسية، وتبتدع لكل منها حلا لم يكن مذكوراً في الرسالة الأولى؛ بل إنها في كل أزمة رزقت اندفاعاً أقوى للإنطلاق إلى مدى أبعد في رسالتها (رحلات بولس التبشيرية).
ولم تكن هذه الحقبة إلاّ البداية. فإن تابعنا مسيرة الكنيسة في هذه الأماكن نفسها بعد قرنين أو ثلاثة، نرى الفرق الشاسع والنمو السريع رغم الإضطهاد والشهداء، وعوامل الهرطقات والتشرذم.
روحانية سفر الخروج:
هذه المسيرة تشبه من حيث تعرّجها وتقلبها وأزماتها مسيرة شعب الله في سفر الخروج وسفر العدد. كان خروج العبرانيين من مصر اختباراً اساسياً في حياة الشعب اليهودي الروحية والدينية والسياسية. فيه وعى الشعب نفسه أمة مقدسة وشعبا مختاراً وكهنوتاً ملوكياً، مدعواً لحمل رسالة الشهادة للإله الواحد، إله الآباء. نستطيع أن نرى فيه خمس مراحل:
الأولى: لقاء وتحرير: المبادرة من الله على يد موسى الذي اختاره لرسالة خاصة، وزوده بالقوة والدعم والسلطان لإخراج العبرانيين من مصر. وقد صنع لذلك العظائم، "أخرجنا بيد قديرة وذراع مبسوطة". (صار الشعب في حالة حرّية).
الثانية: مسيرة في الصحراء: الشعب يسير خلف قائده، لا يعرف وجهة سفره، لكنه يذكر قدرة الله في تحريره ويذكر العبودية في مصر. لكنه ما لبث أن بدأ التذمر والرغبة في العودة إلى مصر، بسبب العطش والجوع، فسقاه الله ماء وأطعمه خبزاً من السماء إلى أن وصل إلى سيناء.
لقاء وعهد في سيناء: اللقاء في سيناء لقاء عام بين الله وشعبه وجهاً إلى وجه وبكل حرية يقيم الله عهداً مع شعبه، عهد أمانة ووفاء مشترك، ويبنى هذا العهد على دم الذبائح. عندها تكوّن الشعب أمة منظمة لها قائدها، لها شريعتها، لها هدفها، وهو أرض الميعاد، ولها إلهها يسير وسط شعبه، برمز الغمام وتابوت العهد. يرتحل إذا ارتفع ويكون له قوة وحماية ونوراً، ويستقر إذا نزل.
مسيرة في الصحراء طويلة: لكن ما أن يعود الشعب إلى السير حتى يعود إلى التذمر وينسى العهد ويشتاق إلى أرض العبودية، ويعود فيتمرّد على الله. وفي كل مرة يضرب الرّب شعبه ويربّيه أما بالمرض، أو بالنار، أو بالطاعون، أو بالقتل، إلى أن خلق منه جيلاً جديداً لم يعرف عبودية مصر.
لقاء في أرض الميعاد: في نهاية المطاف، يصل الشعب الجديد على يدي يسوع إلى أرض الميعاد، فيبيد أعداءه ويقتسم الأرض، ويجدّد العهد في شكيم ويتم التوافق بين القبائل على حفظ المودة والتضامن وحفظ شرائع الله وعهده.
نرى في اختبار الخروج صورة نموذجية لما يحدث في الكنيسة، ولما يحدث في حياة المؤمن. لا بل أن حياة المؤمن تعيد بشكل ضيّق اختبار الخلاص الجماعي، يشارك فيها ولا يستوعبه كلياً في شخصه. من ينكر أنه في وقت من الأوقات لم يتذمر على الله أو على رئيسه أو على كنيسته، وكاد يعود إلى الوراء؟
نظرة تعاقبية:
وللمساعدة علق فهم نموّ الكنيسة، يرسم لنا الدارسون تصاميم عدة نعتمد أحدها في حديثنا. يمكن أن تمر الكنيسة في أطوار أربعة:
- طور الربيع أو الولادة: يمثل بداية دخول الإيمان في شعب جديد أو حضارة جديدة. وهذا يكلّف تعباً ومشقات أو بمار شهداء.
- طور الإزدهار: يكثر المؤمنون وتنتظم الكنيسة بهيكليتها ونظمها وأسرارها ومعابدها، ويبدأ التأثير في الفكر والثقافة، ثم في النظم والعادات الإجتماعية، وتقدّم للكنيسة تسهيلات كثيرة مادية ومعنوية ويولد انسجام بين رسالة الكنيسة وحياة المجتمع. وتتجسد الكنيسة فعلاً في مؤسسات وخدمات اجتماعية وتصبح الكنيسة ضرورة اجتماعية.
- طور الأزمة: إن الإزدهار الذي يعم الكنيسة، يخلق استقراراً في انتصارات قديمة ويولد الفتور في حياة المؤمنين لم يعتادوا الحرب السابقة، ويدخل المؤسسات الكنسية منطق المؤسسة المدافعة عن مصالحها، ويكثر المستفيدون من ازدهار الكنيسة لتزدهر تجارتهم، فتولد الشكوك حول دورِ الكنيسة، وأمانتها على رسالتها الأولى وتبدأ في قلب الكنيسة أزمة ضمير، أو عدم ارتياح وتشنج ومحاولات إصلاح غير ناضجة وانتقادات للسلطة الكنسية.
وقد تأتي الأزمة من الخارج عندما تظهر في المجتمع البشرى تطلعات مخالفة لرسالة الكنيسة فيحصل طلاق بين المجتمع والكنيسة أو حرب أو صراع مكشوف أو حرب تقضي على ما بناه الإيمان في أجيال.
- طور الإنهيار: إن تجاهلت الكنيسة الأزمة، واستمرت في استقرارها وتعاميمها لن تستطيع فهم زمنها واتخاذ القرارات المناسبة في وقتها، فتعيش على هامش الزمن والأحداث وتخسر التجسّد. لكن إن استطاعت خلق روح جديدة وأطر جديدة تبعث الإيمان في النفوس، يمكنها أن تستبق الإنهيار فتشهد حركة نموّ جديدة خلاّقة تعدّ بازدهار جديد.
مواقف إيمانية وقت ازمة الكنيسة:
الثبات في الإيمان بحضور الرّب كل الأيام وعيش الرسالة الأولى.(متى 16،28-20)
التمسك بحضور الرّب وأمانته لوعوده: "صليت كي لا ينقص إيمانك". (لوقا، 22، 32)
التمسّك بالصبر: "بصبركم تقتنون أنفسكم".
لا هروب بالتباكي على الماضي: أمانة للتجسد في إنسان اليوم.
لا هروب نحو المستقبل بتصوّر مستقبل مزاجي قسرى : ليس لكم أن تعرفوا الأوقات والأزمنة. (أعمال 7،1).
السير في الأمانة الخلاقة : شقّ طريق للرّب حيث لا طريق.
وعدم تطبيق حلول سابقة لأزمات لاحقة.
دفع الأشخاص والجماعة إلى الأمانة لأن فيها الضمانة بتحقيق وعود الرّب، لأنّ الرب مع كنيسته كل الأيام حتى انقضاء الدهر.
النمو الروحي الشخصي
مقدمة: النمو علامة الحياة. وحيث يغيب النمو يحل الموت. فالنمو هو تطوّر في الحياة الروحية. يمكننا أن نعرف الحياة الروحية من وجهات نظر عديدة. سأختار نقاط الإنطلاق من كلمة رسول: "أنتم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح". بهذه الكلمات يرسم لنا بولس الرسول، بدء الحياة الروحية وشكلها أو صورتها. تبدأ بالمعمودية وتأخذ شكل المسيح وتبلغ ملء قامته.
الحياة الروحية أو مفاعيل المعمودية:
بالمعمودية يدخل الإنسان في الكنيسة، أي شعب الله الجديد المفتدى بدم المسيح، فيعيش في جو الخلاص وتغتذى حياته من غذاء الحياة في بيت الله، فيقرح بأفراحها وينمو معها ويشاركها آلامها وفشلها. ينال المؤمن نتيجة الفداء وهي المصالحة مع الربّ يمحو الخطايا الأصلية والشخصية. يبدأ حياة جديدة على صورة المسيح، في التجسيد العملي والظهور التدريجي لحضور المسيح فيه. يشترك في وظائف المسيح الثلاثة : الملكوت والنبوة والكهنوت. يبدأ مسيرة اتباع المسيح العملية ويشارك في الصراع ضدّ العدو المشترك، أي الشرير. يشترك في آلام وموت المسيح أي يسير على إيقاع السر الفصحي، بالألم والتكفير. يصبح ابن الآب، فيقتدي بطاعة الإبن ويتمم مشيئة الآب، ويدعو الآب أبا و"اختارنا نحن جميعاً لنكون مشابهين لصورة ابنه" (روما 29،8). يبدأ علاقة جديدة مع الثالوث الأقدس، وهي علاقة حوار حرّ كياني واعٍ ولا واعي، أي إرادي وسرّي مع الثالوث الحاضر سريّاً في شخص المؤمن (يوحنا 23،14) وجوهر هذه العلاقة هي المحبة.
قوة الدفع في هذه الملامح كلّها، هي الروح القدس، الذي يخلق الإنسان من الجديد، ويزينه بعطاياه ومواهبه. الروح ينفذ إلى أعماقه الواعية واللاواعية، الغريزية والإرادية، العاطفية والعقلية، ويجعلها تعمل بما يناسب طبيعة الإنسان الجديد. وحضور الروح القدس فيه. فهذا الروح لا يعمل بعنف، ولا يفرض نفسه ولا يزيد على الإنسان حياة مستقلة عنه، ولا يجري ليه ضغوطاً خارجية.
عمل الروح القدس يختصر بكلمة الحياة الفائقة الطبيعية، أو الحياة الإلهية بالإيمان والرجاء والمحبة.
تنتهي مسيرة المؤمن الأرضية بقبوله الموت طاعة للآب، وتقدمة ذاته وتسليمها نهائياً للآب مع الإبن في الروح.
تكتمل صورة المسيح في المؤمن عندما يتجلّى فيه وفي أخوته، مجد المسيح القائم من الموت.
خلاصة:
بين البدء في المعمودية ومجد القيامة، مسيرة تشبه مسيرة المسيح نفسه، تتخلّلها محن وتجارب وتقلبات وأطوار يختصرها بولس الرسول في ثنائيات عديدة: الأولاد: البالغين في المسيح؛ الناقصين: الكاملين في المسيح؛ الضعفاء: الأقوياء؛ المنساقين مع كل ريح: المؤسسين على التعليم الصحيح؛ السعي: الفوز؛ الجهاد: إكليل المجد؛ الإنسان القديم: آدم وترسبات خطيئته؛ والإنسان الجديد: الذي خلق على صورة المسيح.
هذه الأفكار ليست معطيات عقائدية فقط، بل هي حياة المؤمن وقد اختبرها ووعى حقيقتها عبر اختبار الرسل والكنيسة والمصلين الروحيين. ويمكن أن تصبح أيه ناحية من فعالية المعمودية منهجاً روحياً متكاملاً يملأ حياة المؤمن. لكن مهما انعزل المؤمن في اختياره لهذه الناحية أو تلك، لن يكون اختياره سوى تركيز جزئي ()، يفترض وجود النواحي الأخرى ونموّها. فالحياة كلّ لا يتجزأ والمسيح واحد لا ينفصم، "وقميصه غير مخيّط لا يشقّ" (يوحنا 23،19).
الحياة الإلهية: إيمان ورجاء ومحبة:
كل ما ذكرناه سابقاً عن مفاعيل المعمودية، يمكن اعتباره نموذجاً مرجعياً للحياة المسيحية من حيث مرجعها الذي هو المسيح، ووصفا تاريخيا يرسم في الصيرورة الشخصية ظهور الحياة عبر الزمن. سنحاول الآن، أن نعطي تحليلاً روحياً ولاهوتياً لهذه الحياة عينها ونختصره في الثلاثية المعروفة بالفضائل الإلهية: الإيمان والرجاء والمحبة.
تعتبر بعض المدارس الروحية، الفضائل الإلهية، الدينامية الأولى في الحياة الروحية والباقي تجسيد خارجي. الأعمال المسيحية كلها، وحياة الكنيسة، وتنظيمها، والأسرار والدعوات الرهبانية مؤسسة على هذه الفضائل الثلاث ونموها، وفيها تتجلّى الخليقة الجديدة هذه الثلاثة باقية وأعظمها المحبة (1 كور 1،14).
الإيمان يجعلنا نعرف سرّ الله ونقبله كما يوحيه الله نفسه ويعرفه.
والرجاء يوجّه رغباتنا إلى انتظار السعادة التي يعدنا بها الله
والمحبة توجّه عاطفتنا فنحب ما يحبه الله وكما يحبه.
يقول يوحنا الصليبي: الإيمان هو الله الذي يدرك فينا، والرجاء هو الله الذي يرغب ويتمنّى فينا، والمحبة هي الله الذي يحب فينا.
فالفضائل هي في آن معاً عمل الله وعمل الإنسان، أو عمل الله بما يناسب الإنسان في طبيعته البشرية، وهي وسيلة الإتحاد بالله.
عمل الفضائل الإلهية
وسائل النمو الروحي (إلزامية) الليترجيا، الفضائل الإلهية، ممارسة الأسرار، قراءة الكتاب المقدس، ممارسة الصلاة الشخصية، شفهية وعقلية، مشاركة الأخوة في الحياة، مشاركة الأخوة في الخدمة: زواج، كهنوت، رهبنة، رسالة، التكفير عن الخطايا الشخصية والجماعية بأعمال التوبة ومقاومة الخطيئة.
(اختيارية) الإسترشاد والتمييز الروحي، أوقات كثيفة من الإختلاء والرياضة وفحص الضمير والإماتة، التشبه بالقديسين، الثقافة الإيمانية.
أضواء على مسيرة النموّ الروحي
مقدمة: يعتقد المؤمن العادي أن ما أدركه في الصغر من مقتضيات الإيمان أو "واجبات المسيحي" يظل هو هو طيلة حياته. ويأخذه العجب إن تبدّلت حالاته الروحية أو مرّ إيمانه في تجربة الشك ورأى أفراداً يختارون نهجاً مسيحياً جديداً. وأغلب الأحيان لا يعرف من مسيرة الإيمان إلاّ الإنتقال من الخطيئة إلى النعمة بالإعتراف. لكن يكفي هذا المؤمن العادي أن يتصفّح سير القديسين أو يطالع كتاباً روحياً أو يستقرىء تاريخ الكنيسة أو يراجع تطوّر إيمانه السابق كي يكتشف بدهشة مسيرة إيمانية كثيفة يتمثّلها عبر شبكة من الخطوط المتداخلة، وتتعرّج في انحاءات تختلف بين مؤمن وآخر. نصف هذه المسيرة بشبكة خطوط وتصاعد لولبي نحو الإتحاد بالله.
شبكة خطوط:
نميّز في نمو الحياة الروحية الخطوط التالية:
خط النمو البيولوجي والنفسي:
1-18 سنة : طفولة ومراهقة وشباب: "ما يريدون أن أكون"؛ نمو سريع في الجسم ووظائفه. نمو في المعرفة واقتباس قواعد الفكر والتعلّم والسلوك البشرى. نمو في العاطفة واختيار تصاعدي لأنواع العلاقات الإنسانية والإنفعالات الوجدانية مع تقدّم العمر. العلاقات : أم، أب، أخ، قريب، رفيق، صديق، حبيب...؛ الإنفعالات: فرح، حزن، حب، بغض...؛ أزمات تنقل الولد من مرحلة إلى مرحلة جديدة يجتازها عادة دون رواسب سلبية، وقد تترك في نفس الشاب تعقيداً مرضيّاً. في الحياة الروحية: اقتباس، تقليد، سطحية. أزمة شك خطيرة في القيم الأخلاقية والإجتماعية والحقائق الإيمانية.
لكن عمل النعمة لا ينحصر في هذه الظواهر العادية، بل قد يحصل تجاوب عميق في النعمة فيستوفي النمو الروحي "سنين كثيرة في أيام قليلة".
18-25 سنة: أزمة الهوية: من أنا؟ أزمة شك سابقة قد تزعزع كل شيء. صراع نفسي بين القناعات الشخصية والمثل الإجتماعية. بحث عميق عن الهوية الشخصية في الحياة الإنسانية من انا وماذا أكون. تقلّب فكري وبحث عن ثوابت فلسفية تعيد إلى الشخصية ترتيبها واستقرارها. سعي إلى تكوين نظرة شاملة إلى الوجود والمجتمع ولله، واكتشاف ارتباط الشخصية بها جميعاً. رغبة في الحب والمسؤولية مع تردد أمام الزواج وخوف من الإلتزام الدائم اختيار مهنة ونهج حياة ثابت. في الحياة الروحية: تقلّب وتصلّب في إيمان انتقائي وجرأة إبداعية. تنكّر للإيمان والممارسة مع الحفاظ على قناعات دينية. عطاء واستعداد لبذل الذات مع شعور بالفراغ واللامبالاة. تفاؤل وحماسة وعفوية، مع نفاذ صبر وقلة خبرة وانزلاق عاطفي. اختيار دعوة كنسية وعيشها رغم التقلّب، وهي علامة نمو روحي. ابتعاد عن التوجيه الإيماني الخارجي والسعي إلى عيش الإيمان شخصياً ضمن جماعة جديدة (حركات الشباب).
25-45 سنة : نمو مثالي: "أريد أن أكون" (النمو الإنساني) استقرار في عمل ومهنة ونهج عائلي. سعي حثيث لتحقيق طموحات واضحة مثالية. وعي لمسؤولية الإنسان في العمل والعلاقات الإجتماعية والتربية. تنبه