إليصابات للثالوث الكرملية
رسائل الى الكهنة
مقدمة
عزيزي وأخي الكاهن والمؤمن،
لفتني العمق والمستوى اللاهوتي الموجود في هذه الرسائل البسيطة التي كتبتها الراهبة الكرملية إليصابات للثالوث، من صومعتها الى رهبان وكهنة كرّسوا دواتهم لخدمة الرب وشعبه من خلال رتبة الكهنوت.
هذا الموضوع ليس جديداً في الكرمل، فقد رافقت الأم القديسة تريزا (ليسوع) الأفيلية عدداً كبيراً من الكهنة، روحياً، كما أنها تعطي أهمية كبيرة للمرشدين والمعرفين في كتاباتها. كذلك الأخت الصغيرة تريزا الطفل يسوع شفيعة المرسلين...
فالبُعد التأملي في حياة الكرمليّة الحبيسة، يحمل في طيّاته شعوراً كنسياً أعمق وأكبر. فالكرملية هي هناك أمام مَن كرَّست نفسَها له، مِن أجل الكنيسة، من أجل الارساليات، من أجل المرسلين والكهنة، ... وهي، كما تقول الأم تريزا الأفيلية، "تبذل حياتها ألف مرة" من أجل أن يرتدّ ولو خاطئ واحد.
فالامتداد بين الكرملية ويسوع لا يحتاج لوسيط، وهو علاقة مباشرة ومستمرة (مع العلم أن الافخارستيا والتوبة والارشاد الروحي هي خدمات كهنوتية ذات أهمية كبرى في أديار الراهبات الكرمليات)؛ أما الامتداد الذي يصل بالكرملية إلى العالم، إلى الكنيسة، فهو يحتاج إلى الكاهن. من هنا أهمية الكهنة في حياة الأديار الكرملية التي تولي الأمر أهمية كبرى حتى في تنشئة الراهبات.
إليصابات للثالوث الكرملية هي ابنة هذه المدرسة الرسولية والتأملية.
لكن الروح الذي عمل في قلب اليصابات ذهب بها إلى أبعد؛ لقد اختبرت اليصابات حضور الثالوث الدائم في حياتها، في جسدها ونفسها، ومن خلال هذا الاختبار هي تعرف أن الله يعمل في الكنيسة بشكل خاص من خلال الكاهن، بالرغم من جهل الأغلبية لحقيقة هذا العمل والحضور.
فالاختبار الصوفي الذي يصل بالنفس الى اختبار الاتحاد الدائم مع عريسها والعيش بحضوره الفعلي، يتحول بالنسبة الى المؤمن وغير المؤمن الى اختبار حضور الله في الأسرار. فالاشخاص غير القادرين على الوصول الى الاختبار الصوفي، ينعمون دوماً بحضور الله الى جانبهم من خلال الكاهن، من خلال الافخارستيا، من خلال جميع الأسرار...
المسألة الأساسية هي تلك الرغبة الجموحة لدى الله في أن يقيم فينا. إليصابات فهمت واكتسبت رغبة أخرى جموحة في العيش في قلب الله. ودور القديسين في الكنيسة هو الاشارة الى الأهم ومساعدتنا للنيل منه من خلال سبل يعطينا اياها الله. انه الكاهن، الوسيلة الأولى بين يدي يسوع لكي يصل الى الناس، ووسيلة الانسان لكي يلمس الله.
هذه المفاهيم تقولها اليصابات بعباراتها الخاصة الى أصدقائها ومرشديها الكهنة، وهي تمزجها بصلاتها ورغبات قلبها الفائقة الوصف، لأنها رغبات قلب يسوع...
أخي الكاهن، أدعوك للتعرف على حياة إليصابات وعلى رسائلها، انها دعوة الى "السير نحو العمق" وهذا السير لن يكون سهلاً، فأوله وآخره إله تجسّد وإله مصلوب؛ فهو الآن فيك تجسد، وهو غداً فيك مصلوبٌ، وهذا ليس بشؤم بل هو رسالة الخلاص والفداء التي تستمر في التاريخ لأنك أنت الكاهن موجود. واليصابات تدعوك للغور أكثر من خلال اختبارها الجميل.
أصلي من أجلك، وأصلي من أجل الدعوات الى الحياة الرهبانية والكهنوتية، لكي نصل الى الأساس ولكي لا نرغب بسواه أبداً
مع محبتي، وصلاتي،
الأب ريمون عبدو الكرملي
قبل دخول إليصابات الى الدير:
الرسالة 38، إلى الكاهن أنجلز، (1 كانون الأول/ديسمبر 1900)
V السبت 1 كانون الأول/ديسمبر
سيدي العزيز
لا أعرف كيف أعبِّر لك عن تأثري بتفكيرك في عيدي، وأنا مرتبكة لأنني لم أستطع المجيء حتى الآن لأشكرك على هذه اللفتة الطيبة نحوي. غير أنني كنتُ أنتظر دائماً ذهابي إلى معهد راهبات ماري تريز([1]). وحتى الوقت الحاضر كان هذا مستحيلاً تماماً عليّ، وأتوقع أن أقوم بهذه الزيارة في أول مناسبة.
أشكرك لصلواتك الحسنة فأنا كنتُ بحاجة إليها للغاية. لو كنت تعلم مدى آلامي وأنا أرى أمي المسكينة حزينة جداً لقرب بلوغي الواحد والعشرين من العمر([2]).... إنها تخضع لتأثيرات عديدة: تقول لي شيئاً في يوم، وفي اليوم التالي تقول العكس. كان يبدو عليها يوم تذكار الموتى أنها متهيأة تماماً، حتى أنها قالت لي إنني أستطيع الذهاب إلى الدير هذا الصيف. صلّيت كثيراً لأبي المسكين وهمست له بأشياء جميلة! لكن بعد يومين من ذلك، كانت جميع أفكارها قد تغيّرت! قال لي السيِّد الكاهن([3]) ألاَّ أعد هذه الأم العزيزة بأي شيء حين تطلب إليَّ أن أنتظر، وأنّه يجب عدم الالتزام بشيء؛ أنت تصلّين لأجلي، أليس كذلك؟ ما أقسى أن نؤلم الذين نحبهم، لكن هذا الإيلام هو لأجله! لو لم يكن يساندني، فأنا أتساءل في لحظات ما عمَّا قد أصير إليه، لكنه معي، ومعه نستطيع كل شيء. كم هو عذبٌ أن نضيع فيه ونتلاشى. نحن نشعر بأننا في أفضل حال حين لانكون إلاَّ مجرد آلة، وأنه هو الذي يفعل فينا، وأنّه الكل بالنسبة إلينا! هكذا أهبُ نفسي إلى هذا الحبيب الإلهي وأستسلم له. أنا جدّ هادئة، وأنا عارفة على مَن أتَّكل (من 1 طيموتاوس 1/12). إنه الكلي القدرة الذي يدبّر جميع الأمور حسبَ رغبته. وأنا لا أريد إلاَّ ما يريده ولا أرغب إلا ما يرغب فيه، ولا أطلب منه إلا شيئاً واحداً: أن أحبه من كل نفسي، لكن بحب حقيقي، قوي وسخي! كنّا مشغولات جداً هذه الأيام بعدة أشياء، ثم ها هي الاجتماعات التي استؤنفت من جديد؛ تعلم إذا ما كنتُ أحب هذا العمل([4]). أخيراً، أنا أقدمه إلى الله. يبدو لي أن لا شيء يلهي عنه عندما لا نعمل إلاَّ من أجله، دائماً في حضوره المقدس، تحت نظرته الإلهية التي تخترق أقصى حميمية النفس؛ حتى في وسط العالم، يمكن أن نصغي إليه في سكون قلب لا يريد أن يكون إلاَّ له.
كنّا قد ذهبنا للقاء الأسقف([5]) الذي كان ممتازاً معي. قال لأمي العزيزة أموراً حسنة، هذه الأمور التي كنتَ تعرف كيف تقولها لها والتي كانت تريحها للغاية. مسكينة أمي، إنها جدّ طيّبة؛ أشكو بعض المرّات إلى الله لأنه أعطاني إياها هكذا.
وصلنا كستناء فاخر وتفاح لذيذ من لاباستيد؛ نحس بالخجل من هذا الدلال ونتلذذ بهذه الثمار الجبلية الطيبة، ثمار هذا الجبل الجميل حيث أمضينا معك أياماً حلوة. يا لسوء الحظ أن تكون بعيداً بهذا القدر، أليس كذلك! أطلب إلى الله أن يمنحنا الفرح الكبير بأن ننعم بزيارتك لديجون. ستأتي لتراني في الكرمل. حضرت الأسبوع الماضي احتفالاً بلبسِ أخيَّة عزيزة أحبها كثيراً، الثوب الرهباني([6]). كنتُ قد رافقتها حتى باب الدير؛ كانت أُمنا([7]) هناك، رسمت صليباً صغيراً على جبيني وبعدها أغلق الباب ... كان قلبي مغتماً، أؤكد لك. قدّمت إلى يسوعي هذه الدموع التي كانت تنتظر أن تسيل، وسلمت نفسي له ليفعل مشيئته، هذا هو أفضل.. لم تكن أختك العزيزة([8]) منسية في صلواتي. قدمت عدة مناولات لأجلها، هي التي أتذكر طيبتها دائماً. إلى اللقاء، يا سيدي العزيز. قد تحتاج فعلاً إلى وقت طويل كي تقرأ هذه الرسالة نظراً لخطي المُرعب. كنتَ قد طلبت "يومية" مني، كما ترى أن هذه الرسالة حميمة فعلاً. لكن أنت صالح جداً بحيث أتركك تقرأ في نفسي. لا تنسني بجوار الله، أنا أُكلمه عنك غالباً، أنت مَن أحبه للغاية.
أليصابات
الرسالة 39، إلى الكاهن أنجلز، (24 كانون الأول/ديسمبر 1900)
V الاثنين 24 كانون الأول/ديسمبر
سيدي العزيز
ليغمرك الطفل الإلهي بأعذب بركاته وأغزر نعمه، ولينرك بألطف أنوار حبه ! في هذه الليلة، قرب المغارة، كم سأصلي لأجلك ! إنّه إلى حبيبي يسوع أعهد بكل أمنياتي لسنة 1901، وهو سوف يحملها إليك. إنَّ عيد الميلاد هذا، يتكلم إلى النفس كثيراً؛ يبدو لي أن يسوع يدعوها لتموت عن كل شيء، لتولد لحياة جديدة، حياة حب. آه! لو كنتُ أستطيع أن أكون صغيرة مثله، وأكبر بعدها قربه، مقتفية أثر خطواته الإلهية !
كنتُ عند راهبات معهد ماري تريز ([9])، لأرى الراهبة التي كلمتني عنها. لو تعلم كم كانت متأثرة بذكراك الطيبة. ظنت أنها في سلة النسيان منذ مدة طويلة، وكانت سعيدة بزيارتنا؛ أنا أيضاً كنت جدّ مسرورة بالقيام بالمهمة التي كلفتني بها، كنت أرغب في تحقيقها منذ عدة أيام ولم أستطع ذلك أبداً. أفرح باستقبال إحدى رسائلك الطيبة التي تُذكّرني بأحاديثنا الطويلة هذا الصيف؛ لو كنتَ هنا، لكان لديّ أشياء كثيرة لأقولها لك. صلِّ بحرارة لأجلي ولأجل أمي العزيزة، وأعتمد عليك كي تريحها. إنّها أحياناً في حالة لا تحسد عليها! الله سيكافئك على ذلك، وأسأله هذا من كل قلبي مؤكدة لك على محبتي واحترامي وعرفاني العميق لك!
أليصابات
الرسالة 55، إلى الكاهن أنجلز، (19 أيار/مايو 1901)
V الأحد ، 19 أيار
سيِّدي العزيز
يبدو لي أنك تحرمني من رسائلك القيمة التي تُفرحني كثيراً، لأنه كما ترى، لقد مضت فترة طويلة دون أن أحصل على أخبارك. كم من أمور حدثت منذ رسالتي الأخيرة؛ لو كنتَ هنا، لَبُحتُ لك بأسرارٍ كثيرة! آه! كم الله رحيم، يا سيِّدي العزيز، كم يطيب الاستسلام له والركون إلى مشيئته؛ عندما يريد شيئاً ما، فهو يعرف كيف يُذلِّلُ جميع الصعوبات، ويزيل جميع العقبات. لقد عهدت إليه بشؤوني وطلبت إليه أن يتكلم، هو بنفسه، مع أمي العزيزة، وفعل ذلك بشكل رائع لدرجة لم يعد لدي ما أقوله. يا لأمي المسكينة، لو كنتَ تراها، إنها مدهشة! لم تُبدِ أية مقاومة لله، وفهمت أنه يريدني، وأنَّ لا مجال لعمل شيء، لذلك ستتركني أدخل الكرمل بعد شهرين. أنا تشوَّقت إلى هذا اليوم كثيراً وانتظرته كثيراً بحيث أعتقد نفسي أنني في حلم. لكن لا تظن أنني لا أشعر بالتضحية قط، أنا أُقدِّمها إلى الله كلما فكرت في الفراق. تراني أستطيع أن أضحي له بأكثر من أُمّ كأمي! آه! هو يفهمني. هو مَنْ قلبه فائق الحنان، هو يعرف جيداً أن هذا من أجله، وهو يساندني ويُعدُّني للتضحية! هذا المُعلم، كما ترى، يريدني بكليتي له، وكنتُ أعلم ذلك. كذلك كنتُ واثقة، وكنتُ متأكدة أنه قد يأخذني. أشكر الله لأجل صغيرتك أليصابات. لقد أعطاها كثيراً، خاصة من هذه النِعَم المعروفة منه وحده، من هذه الأشياء التي تحدث في أقصى حميمية النفس. آه! يا للحب! لكن هو الذي يعرف كل شيء، يعرفُ جيداً أنني أحبه، ويبدو لي أن هذه الكلمة تقول كل شيء! أن نحيا حُباً([10])، هذا يعني أن لانحيا إلاَّ منه، إلاَّ فيه، إلاَّ به، ألا يكون هذا أن ننعم الآن بفردوسه على الأرض؛ آه! أنا أستطيع فعلاً أن أبوح إليك بشيء ما. لو كنتَ تعلم كم أحس بالحنين إلى السماء أحياناً، وقد أرغب كثيراً في الذهاب إلى جواره في العلى. سأكون سعيدة كل السعادة لو كان يأخذني حتى قبل دخول الكرمل، لأن كرمل السماء هو أفضل كثيراً. سأكون على كلٍّ، كرملية في الفردوس. عندما أقول هذا لأمي الرئيسة الفاضلة فهي تنعتني بالكسولة، لكني لا أرغب إلآَّ في ما يشاءه الله لي. إذا شاء أن يتركني لفترة طويلة على الأرض، فأنا مستعدة لأن أعيش من أجله. ستفكر في أنني صغيرة لا قلب لها وأنا خجلى للحماقات التي أرويها لك، لكنك طلبت إليَّ أن أكتب لك بقلب مفتوح وأطيعك. فضلاً عن ذلك، أنتَ تفهمني على ما يبدو لي! سترى والدتي ومارغريت هذا الصيف لأنهما ستذهبان إلى الجنوب. يا للطفلة الوديعة هي أخيَّتي العزيزة، إنها ورعة أشدَّ الورع ومخلصة كل الإخلاص؛ أطلب إلى يسوع الصالح أن يكافئها على جميع ما قامت به لأجلي. وأنا ، متى أراك، يا سيِّدي العزيز! ستأتي لتراني في الكرمل، أليس كذلك! عدني بذلك، لأنه من دونه سوف لا نلتقي إلاَّ في السماء. لاشيء سيستطيع أن يُفرِّقنا، لا المصبعات ولا البعد ولا الزمن؛ لأننا نحبُّ بعضنا في الله، وفيه ليس هناك من فراق! أطلب إليك متابعة صلواتك الحسنة، فأنا بحاجة إليها بشكل خاص! صلِّ خاصة لأجل والدتي الحبيبة، واسأل الله أن يحلَّ مكاني في قلبها، وأن يكون لها "كل شيء"! ها هي رسالتي الطويلة جداً، وأخجل من إرسالها إليك، لأنك ستُضيِّع وقتاً في فكِّ رموزها. أنتظر إحدى رسائلك بفارغ الصبر، وآمل أن تصلني قريباً. إذا التقيت بماري لويز([11])، أكلفك بتبليغها ألف تحية ودية. لقد كتبتُ لها منذ فترة قصيرة.
إلى اللقاء، يا سيِّدي العزيز، لنمكث متحدين جداً فيه، ولك أصدق تعبير عن مشاعري المحترمة، كما الودية.
أليصابات
لا ترغب أمي ولا أختي في أن تكونا منسيتين إزاءك.
الرسالة 62، إلى الكاهن أنجلز، (14 حزيران/يونيو 1901)
V الجمعة 14 حزيران
سيِّدي العزيز
رسالتك الطيبة أسعدتني جداً وأراحتني. ولا أستطيع أن أقول لك كم من المرات قرأتها، شكراً. تعرف أن الله اعطاني قلباً يعترف بالجميل، وكل ما تقوم به لأجل صغيرتك أليصابات لا يضيع!
أنا مشغولة برجلي منذ عشرة أيام: أعاني قليلاً من انصباب زلال مفصلي في الركبة. تصور أنني مسرورة، أعتقد أن هذا هو التفاتة من حبيبي الذي يريد أن تشاركه خطيبته في آلام ركبتيه الإلهيتين على درب الجلجة! أنا محرومة من الكنيسة، محرومة من المناولة المقدسة، لكن، كما ترى، إن الله ليس بحاجة إلى "قربان" كي يأتي إليّ، يبدو لي أنني أملكه كلياً هكذا؛ إنه لطيب جداً هذا الحضور الإلهي! إنه هناك، في العمق، في سماء نفسي، أحب اللقاء به لأنه لا يتركني أبداً. "الله فيَّ، أنا فيه"([12]). آه، إنه حياتي! إنه ليحلو جداً، أليس كذلك، أن نفكر في أننا، ما عدا رؤياه، نملكه الآن كما الطوياويون يملكونه في السماء؛ لنستطع ألاَّ نتركه قط، أن لا ندع نفسنا تتلهى عنه مطلقاً! آه! توسلي إليه كثيراً كي يجعلني مأخوذة كُليِّاً، مخطوفة كُليِّاً!...
ألم أقل مرة لك عن اسمي في الكرمل: "مريم أليصابات للثالوث". يبدو لي أن هذا الإسم يشير إلى دعوة خاصة، وهو جميل، أليس كذلك؟ أحب كثيراً سرَّ الثالوث الأقدس هذا، إنه غمر أتلاشى فيه!...
لم يبق سوى شهر، يا سيِّدي العزيز! هذه اللحظات الأخيرة هي بمثابة احتضار، يا لأمِّي المسكينة، آه! إرفع الصلوات لأجلها! أستودعُ الله كل شيء. "فكِّري فيَّ، سأفكر فيك"، كان يقول لكاترينا السيانية([13]). ما أروع الاستسلام، خاصة عندما نعرف مَنْ الذي نستسلم له! إلى اللقاء، يا سيِّدي العزيز، أرسل إليك صورتي([14])؛ خلال التقاطها، كنت أفكر فيه، إذاً هو سيحملها إليك. حين تنظر إليها، إرفع صلاة له لأجلي، أنا بحاجة إلى ذلك، أؤكد لك.
أليصابات
هل سأكون مُتطَفِّلة بطلب رسالة قريباً؟
الرسالة 81، إلى الكاهن أنجلز، (2 آب/أغسطس 1901)([15])
سيدي العزيز
قبل دخول الكرمل أريد أن أرسل إليك بآخر ذكرى. هذه الرسالة الصغيرة ستقول إنه وراء المصبَّعات لديك قلب محب سيحفظ لك دائماً ذكرى مخلصة. سنتناول في قداس الساعة الثامنة. بعد ذلك، وعندما سيصير في قلبي، ستقودني أمي إلى باب الدير! أحب أمي كما لم أحبَّها في يوم قط، وفي لحظة إتمام التضحية التي ستفصلني عن هاتين المخلوقتين الحبيبتين اللتين اختارهما لي طيبتين جداً، لو كنت تعلم أي سلام غمر نفسي! لم تعد الأرض عندئذٍ هي الأرض. شعرت بأنني خاصته كُلياً، أنني لا أحتفظ بشيء لي، ألقي بنفسي بين ذراعيه كطفل صغير.
وداعاً. أعهد بهما إليك، وسأحتفظ لك بالأفضل من قلبي.
بعد دخول إليصابات الى الدير:
الرسالة 91، إلى الكاهن أنجلز([16])، (11 أيلول/سبتمبر 1901)
ي.م + ي.ت
أحب المسيح([17])
كرمل ديجون ، الخميس
سيِّدي العزيز
لقد سمحت أُمنا المكرّمة لي بالمجيء إلى عندك، وأنا أفعل ذلك من كل قلبي كي أشكرك على التفاتاتك الحسنة تجاه أمي العزيزة. لم يدهشني قط كل ما قالته لي. أنت تعلم مدى عرفاني بجميلك: لا يمر يوم دون أن أصلِّي لأجلك. آه! أشعر، كما ترى، بأن جميع الكنوز المختزنة في نفس يسوع هي لي، كذلك أشعر بأنني غنية جداً، وأنني أقُبِل على الاغتراف من هذا النبع بسعادة غامرة، لأجل جميع الذين أحبهم والذين أحسنوا إليَّ.
آه! كم أن الله رؤوف، وأنا لا أجد تعبيراً أُفصح به عن سعادتي، وأُقدَّر ذلك في كل يوم أكثر. هنا لا يوجد شيء مطلقاً. لا يوجد إلاَّ هو. هو الكل، هو يكفي ومنه وحده نحيا. نجده في كل مكان، في غرفة الغسيل كما في الصلاة .أحب ساعات الصمت الطويلة من بين كل الساعات، وأنا في إحداها أكتب إليك. تصوَّر نفسك أنك أليصاباتك في صومعتها الصغيرة العزيزة جداً عليها: هي معبدنا، لا شيء إلاَّ من أجله ومن أجلي، وتحرز مدى الساعات الطويلة التي أقضيها مع حبيبي فيها!
لدينا القربان المقدَّس كل يوم أحد، مصموداً في الكنيسة. وكم أتأمل السجين الإلهي حين أفتح الباب، السجين الذي جعلني سجينة في هذا الكرمل العزيز، ويبدو لي، نوعاً ما، أنه باب السماء الذي ينفتح! عندئذِ أضع الذين في قلبي أمام يسوعي، وهناك بجواره ألتقي بهم. ترى أنه في كثير من الأحيان أفكر فيك، ولكني أعرف أنك لا تنساني وأنه في كل صباح، في أثناء تقديمك القربان المقدس، تتذكَّر كرمليتك الصغيرة التي عهدت إليك بسرها منذ مدة طويلة. أنا لا آسف على سنوات الانتظار هذه، فسعادتي كبيرة للغاية، وكان يجب أن أشتريها بالفعل. آه! كم أن الله رؤوف!..
لن نرحل. آه! كم أحب أن أحيا في زمن الاضطهاد([18]) هذا؛ كم ينبغي أن نكون قديسين! فاطلب لأجلي هذه القداسة التي أتعطّش إليها. نعم، أريد أن أكون كالقديسين، وكالشهداء.
أفرح حين أفكر في أن أمي العزيزة سوف تلتقي([19]) بك. أيّ نفس هي، أليس كذلك؟ بلّغها أنني أبداً لم أحبها بهذا القدر، كما أحبها الآن، وأنني أشكرها أيضاً لأنها أعطتني إلى الله. وصغيرتي غيت، يا لسخائها! إنها لا تستسلم بسهولة، لكن لو كنت تستطيع أن ترى، في العمق، كيف تركت أختها الكبيرة تتصرف! وأتساءل مرّات فيما إذا كان الله لن يأخذها أيضاً!
أستودعك الله، يا سيدي العزيز. لنتحد دائماً، وحتى لا نحيا أبداً إلا منه. آه! لنترك الأرض، سيكون جميلاً أن نحيا في السماء([20]). وأطلب إليك أن تباركني بما في الأفضل من نفسك.
مريم أليصابات للثالوث
الرسالة 99، إلى الكاهن أنجلز، (1 كانون الأول/ديسمبر 1901)
ي.م + ي.ت
كرمل ديجون، 15 كانون الأول
سيّدي العزيز
أنا سعيدة كلياً في أن آتي لأزفَّ لك غبطتي الهائلة التي شاركت فيها بحصة كبيرة، وأعلم ذلك. هل أنت بحاجة إلى التعبير عن عرفاني العميق بجميلك؟ أنت تعرف قلب صغيرتك أليصابات، وتعلم كيف تفي بديونها إزاء الذين تحبهم!
إنه إذاً بتاريخ الثامن، في عيدها الجميل هذا، عيد الحبل بلا دنس، ستقوم مريم بإلباسي ثوب الكرمل العزيز علي([21]). وسوف أعدُّ نفسي ليوم الخطوبة الجميل برياضة روحية لثلاثة أيام. آه! حين أفكر في ذلك، كما ترى، أشعر بأنني لم أعد على الأرض أبداً! صلِّ كثيراً لأجل صغيرتك الكرملية كي تكون مستسلمة تماماً وواهبة لنفسها كلياً، فتُفرح قلب سيّدها. أريد أن أعطيه يوم الأحد شيئاً ما حسنا جداً، لأنني أحب المسيح حُبّاً شديداً... آه! كم سأكون سعيدة في أن أراك بالقرب مني. أنا أعلم لو أنك تستطيع ذلك لما رفضت لي هذا الفرح الكبير. ستكون بالروح، أليس كذلك، مُتحداً كلياً مع تلك الخطيبة المغتبطة في إعطاء نفسها أخيراً إلى الذي يدعوها منذ فترة طويلة، ويريدها خاصته الكلية([22]). أطلب إليه أن لا أحيا أبداً، بل يحيا فيّ (غلاطية 2/20) ثم بارك، بالأفضل مما في نفسك، طفلتك المغتبطة والمعترفة بالجميل.
أليصابات للثالوث
أشكرك على أمنياتك الطيبة بالعيد([23]). وليس باستطاعتي الكتابة إلى العزيزة ماري لويز([24]) وأكلفك بإخبارها عن سعادتي.
الرسالة 111، إلى الكاهن أنجلز، (7 نيسان/أبريل 1902)
سيِّدي الكاهن
لو تعلم كم عذب قضاء فترة صوم كبير ، وأسبوع آلام، ويوم فصح ، في الكرمل. وهو شيء فريد من نوعه! بأي فرح رتلت الهليلويا، متدثرة بالمعطف الأبيض وبهذه الخلعات([25]) العزيزة التي طالما تشوقت للبسها. كان يوم خميس الأسرار الذي أمضيته بالقرب "منه" طيباً جداً، ووددت قضاء الليل أيضاً، أؤكد لك، لولا "أن المعلم" أراد أن أرتاح. لا بأس، أليس كذلك! نحن نلقاه في النوم كما في التأمل، لأنه موجود في الكل، في كل مكان وعلى الدوام. لقد نزلت إلى الخورس في الساعة الثانية، وتحزر إذا ما تمتعت بوقتي هناك، وتتصور المصبَّعات العزيزة أكثر فاكثر، هذه التي تجعلني سجينة حُبه، وأنه ليحلو التفكير في أننا لسنا إلاَّ ذبيحة واحدة مقدمة إلى الآب لأجل النفوس كي تذوب جميعها في "الوحدة".
عندما تفكر في صغيرتك الكرملية، أشكر الذي خصَّها بنصيب جميل جداً. وأتخيل في بعض المرات أن نصيبي هو سماء مسبقة: الأفق جميل للغاية! آه! ماذا سيكون الأمر عليه في السماء، طالما أنه يحقق على الأرض منذ الآن، اتحادات حميمة جداً؟ أنت تعرف مدى حنيني إلى السماء، وهو حنين لا ينقص أبداً، وأنا أحيا الآن هذه السماء لأنني أحملها فيّ؛ وفي الكرمل يبدو لي أننا على قرب كبير منها. ألا تأتي لرؤيتي في يوم ، ونتابع أحاديثنا الطيبة عبر المصبَّعة، الأحاديث التي كنت تتبادلها مع صغيرتك أليصابات ؟ أتتذكر اعترافي الأول في دير سان هيلير([26])؟ لقد أمضيت معك أوقاتاً حلوة هناك، وأطلب إلى الله أن يكافئك على جميلك تجاهي. لا زلت أذكر فرحي حين كنت أحظى باجتماع صغير معك، وأبوح لك بسرِّي الكبير. لم أكن إلا طفلة، ومع ذلك لم تشك في الدعوة الإلهية أبداً.
لم أشاهد أمي العزيزة بعد، وأنتظر حضورها في أقرب وقت. شقيقتي غيت جاءت في الأسبوع الماضي بعد أن مضى شهران دون أن نرى بعضنا، وتحزر كيف كان اللقاء! أنا مأخوذة بالوقوف على كل ما فعله الله في نفس عزيزتي. لقد أخذني كي أعطي نفسي أكثر ما أعطي، وأرى أنني في كرملي العزيز حققت لهما نفعاً أكثر مما حققته حين كنت قربهما؛ آه! كم أن الله رحوم! أتركك كي أذهب إلى الكنيسة التي يُصمد القربان المقدَّس فيها كل يوم أحد. ولا وقت لي الآن إلاَّ لطلب بركتك، وأعلم أنها أبوية تماماً لصغيرتك الكرملية.
أشكرك على صورتك الجميلة. أكلفك بتبليغ تحية لعزيزتي ماري لويز، وقل لها إنها ليست منسية.
الرسالة 124، إلى الأب بوبيس([27])، (22 حزيران/يونيو 1902)
ي.م + ي.ت
سيدي الأب
ألا ترى أنه، في ما يخص النفوس، ليس من مسافة قط ولا من فاصل؟ هذا تحقيق لصلاة المسيح بالفعل: "يا أبتِ، ليبلغوا كما الوحدة" (يوحنا17/23). يبدو لي أن النفوس على الأرض، وأن الممجدين في النور والرؤيا، هؤلاء جميعاً قريبون جداً بعضهم من البعض الآخر، لأن الك&