Bse. Elisabeth de la Trinité ocd, La  Dernière retraite, (texte arabe)

الرياضة الروحية الأخيرة

للطوباوية الصابات للثالوث الكرملية

المقدمة

كانت إليصابات تعلم جيداً أن هذه الرياضة السنوية ستكون الأخيرة قبل أن تذهب لملاقاة حبيبها. وكانت قد وضعت منذ وقت قصير دفتر "السماء في الإيمان" بين يدي الأم جيرمين التي طلبت: "أن تكتب عن لقاءاتها الطيّبة فقط". فكتبت أليصابات رياضتها الأخيرة هذه، ببراءة كُلية، على دفترٍ صغير، وبالحبر، ابتداءً من يوم الخميس الموافق 16 آب/أغسطس، اليوم الأول. ولم تضع أليصابات عنواناً لرياضتها هذه. وقد نُشرت في طبعة "الذكريات" الأولى، سنة 1909.

لم تكن أليصابات في رياضتها هذه، نظراً الى مرضها، كما كانت عليه من حركة وحيوية في السنوات الماضية. فهي لم تكن تشارك جماعتها في وجبات الطعام، ومع ذلك، لم تكن في عزلة تامة في أثناء النهار، إذ كانت الأخوات الممرّضات يتردَّدن عليها، ويحملن لها الطعام القليل، الذي كانت لا تزال تستطيع تناوله، ويرتِّبن سريرها، وينظِّفن غرفتها ويعتنين بها. وكان الأطباء يزورونها من حينٍ الى آخر. وقد رأت أليصابات والدتها، خلال هذه الفترة، في مُتحدَّث جناح المرضى. وللترفيه عن نفسها كانت تصعد إلى سطح الدير كي تنعم بطقس جميل.

أمضت أليصابات أيام رياضتها في الصلاة والقراءة والصمت والراحة. وكانت تكتب في المساء، تحت وطأة آلامٍ حادة، على ضوء قنديلها الصغير، الذي يشعُّ بنور الإيمانِ الجميل. امّا صلاتها فكانت صلاة مؤمنة تؤمن بحضورالله يسكن فيها، وبحبٍّ يناديها بحبّ.

هكذا جاءت صفحات هذه الرياضة كثيفة جداً وغنية، ويمكن الوقوف فيها على أساس سيرة ذاتية، يشرح "حضور الألم في رياضتها الأخيرة، إذ كانت تتألّم بشكل رهيب، وتشعر بأنّ ازدياد ألمها الجسدي ليس إلاَّ تماثلاً بآلام المسيح المصلوب. وهذا يفسّر ما قالته الأم جيرمين عن أنَّ أليصابات: كانت مأخوذةً بحبِّ مُعلِّمها المصلوب حبًّا "إنه حبٌّ محجوبٌ في الصليب".

وقد شعرت أليصابات للثالوث بنفسها أيضاً، أنها "ابنة الله وعروس المسيح وهيكل الروح القدس". وكانت تبغي السير على طريق حضور الله الرائع، بدون أن تصادف أبداً منعطفاتٍ فيه قد تعطّل مسيرتها نحو حبيبها. هكذا سارت من أورشليم الأرضية إلى أورشليم السماوية، مبهورةً بالواقع الإلهي في الكتاب المُقدَّس". فهذا الالتصاق بالكتاب المقدس، ساعد أليصابات على أن تثبُتَ في الإيمان، مؤكدةً أنها ابنة روحيّة لتريزا الأفيلية ويوحنا الصليب.

إن رياضة أليصابات الأخيرة "رائعة أدبية"، ولدت عن عطشٍ إلى حقيقة الله، وقلبٍ أكثر ألفةً مع "المصلوب حُباً". إنها صرخةُ حبٍّ أمام "حبّ الله الشديد"، صرخةٌ خرجت من "قاعِ غمرٍ لا قاعَ له": لكأن "نفحةَ الله" انطلقت من قلبِها إلى قلمِها، بتدفُّقٍ عظيم.

çççççççç

اليوم الأول

"لم أعرف شيئاً" : هذا ما كانت تردده عروس نشيد الأناشيد، بعد أن أدخلها الملك أخاديره. وهذه عبارة يجب أن تكون بمثابة نافذة تنشدها "تسبحة المجد" في هذا اليوم الأول من الرياضة، حيث يُدخلها المعلم الالهي الى غور اللجة، لكي يفضي اليها بالمهمة التي تُلقى على عاتقها مدى الأبدية. إنه يكاشفها بهذه المهمة، لكي تتمرن عليها منذ الآن في الزمان الذي ما هو إلا الأبدية المبتدئة والمتقدمة دوماً. "لم أعرف" (نشيد الأناشيد 6/11). أجل، إني لا أعرف ولا أريد أن أعرف شيئاً إلا "أن أعرفه هو... وأشترك في آلامه وأتمثل به في موته" (فيلبي 3/10).

"فالذين اختارهم بسابق اختياره، أعدّهم قديماً لأن يكونوا على مثال صورة ابنه" (روم 8/29) المصلوب حباً بنا. فحينما أصبح مطابقة لهذا النموذج الإلهي، أنا فيه وهو فيّ، حينئذ أكمل دعوتي الأبديّة التي اختارني الله لها "منذ البدء"، تلك الدعوة التي سأقوم بها الى الأبد، فألِج حضن الثالوث لكي أضحي تسبحةً غير منقطعة لمجده (أفس 1/12).

"إن الله ما رآه أحد قط، الإبن الوحيد الذي في حضن الآب هو الذي أخبر عنه" (يوحنا 1/18). ويمكننا أن نردف على ذلك قولنا أن أحداً لم يلج عمقَ سر المسيح إلا العذراء. ويتكلّم القديس بولس مراراً عديدة عن "الخبرة" (أفس 3/4) التي نالها في هذا السر العجيب. ولكن ما أشحبَ نورَ القديسين إزاء أضواء العذراء الساطعة. فلا يوصف السر الذي كانت تحفظه وتتأمّل به في قلبها، ويعسر على اللسان أن ينطق به وعلى اليراع أن يسطره... فهذه أم النعمة الإلهية هي التي ستكيف نفسي لكي تكون ابنتها صورة حيّة وأخاذة لبكرها (قولسّي 1/15) ابن الآب الأزلي الذي كان "تسبحة" كاملة لمجد أبيه.

اليوم الثاني

"نفسي في كفيَّ كل حين" (مز 118/109) : هذه كانت العبارة التي يتردد صداها في نفس معلمي الالهي، فكان هادئاً وقوياً في وسط جميع آلامه. "نفسي في كفيَّ كل حين." وهل يعني هذا إلا امتلاك الذات التام في حضور "الهادئ"؟

وهناك نشيد آخر للمسيح بودّي أن أردّده دوماً وهو : "لك أحفظ قوتي" (مز 58/10). ويقول لي قانوني : "ستكون قوتك في الصمت". فيبدو لي أن الإحتفاظ بالقوة للرب هو أن يحقق الإنسان وحدة في كيانه كله بالصمت الداخلي، وأن يجمع قواه كلها لكي يشغلها في ممارسة المحبة وحدها، وأن يكون له هذه العين البسيطة التي تتيح لنور الله أن يشع فينا.

فإن النفس التي تجادل "أنا"ها وتنشغل باحساساتها وتلاحق فكرةً لا طائلَ تحتها أو رغبة طارئة، انما تبعثر قواها ولا تكون موجهة الى الله بكليتها: فقيثارتها لا ترنُّ بتناغم، و يستطيع المعلم حينما يلمسها ان يؤدي انغاما الهية، لان فيها الكثير من العنصر البشري الذي يسبب تنافرا في النغم.

فالنفس التي ما زالت تحتفظ لذاتها بشيء في داخلها، والتي لا تكون جميع قواها محصورة في الله، لا تستطيع ان تكون تسبحة مجد كاملة، ولا يتسنى لها ان تنشد دون انقطاع هذا "النشيد الكبير" الذي يتحدث عنه القديس بولس، لأن الوحدة لا تسود في داخلها. فعوض ان تتابع تسبحتها ببساطة خلال الامور كلها، ترى ذاتها مضطرة دوما إلى جمع اوتار آلتها المبعثرة هنا وهناك.

آه! كم ان هذه الوحدة الداخلية الجميلة ضرورية للنفس التي تروم العيش منذ الآن عيشة الطوباويين. ويخيّل لي ان المعلم كان يشير الى ذلك حينما كلّم المجدلية عن "الحاجة الى واحد" (لو 10/42). وسرعان ما فهمت هذه القديسة الكبيرة مغزى كلامه، وبنور الايمان عرفت الهها المحتجب تحت ستار الناسوت، وبالصمت وتوحيد قواها "كانت تسمع كلامه" (لو 10/39). واخالها تنشد: "نفسي في كفيّ كل حين"، أو هذه الكلمة الصغيرة: "لم اعرف".

أجل، انها ما كانت تعرف شيئا سواه. فبامكان الخلائق ان تضج وتعج حولها: "لم اعرف". وبإمكان الناس ان يتهموها ويقرفوها: "لم اعرف". فلا الجاه ولا الامور الخارجية تستطيع ان تخرجها من سكوتها المقدس.

هذا هو شأن النفس التي ولجت حصن الاختلاء المقدس. انها ترى بعين مضاءة بأشعة الايمان ان الله حاضر وحيُّ فيها، فهي كذلك تمكث حاضرة لديه ببساطة خلاّبة تستهوي قلبه الأبوي، فيحتفظ بها لذاته مغتبطا. واذ ذاك لا يمكن ان تؤثر فيها لا الاضطرابات الخارجية ولا الزوابع الداخلية ولا الشرف الشخصي: "لم اعرف". وبوسع الله ان يتوارى عنها أو ان يحجب عنها نعمته الحسية: "لم اعرف". بل انها في غمرة فرحها تصرخ: "لأجله خسرتُ الاشياء كلها" (فيلبي 3/8).

ومن ثمة يصبح المعلم الالهي حراً في اعطاء ذاته بمقدار ما يشاء، "حسب مقياسه" (افسس 4/7). والنفس التي بلغت هذه البساطة وحققت هذه الوحدة، تصبح عرشا لملك الدهور، لان الوحدة عرش الثالوث الأقدس.

اليوم الثالث

"فيه قُدِّرَ لنا ما قضاه بتدبيرٍ سابق ذاك الذي يفعل كل شيء على ما ترضى مشيئته، فاصطفانا لنسبّح بمجده" (افسس 1/11-12).

ان الذي يطلعنا على هذا الاختيار الالهي هو القديس بولس الذي توغّل بعيدا في "السر المكتوم طوال الدهور في الله" (افسس 3/9). وهو الآن سيزودنا بأنوار حول الدعوة التي دُعينا اليها.

"اختارنا الله فيه قبل إنشاء العالم، لنكون قديسين وبغير عيب امامه بالمحبة" (افسس 1/4).

ومن مقارنة هذين العرضين للتصميم الالهي الثابت مدى الدهور، استنتج اني اذا اردت القيام بجدارة بمهمة "تسبحة المجد"، عليّ ان ابقى "أمامه" خلال كل شيء, يضيف الرسول: "بالمحبة"، أي بالله، "لان لله محبة" (1 يو 4/8). واحتكاكي بالكائن الالهي هو الذي سيجعلني بغير عيب وقديسة في نظرته. واعزو هذا الامر الى فضيلة البساطة الجميلة التي كتب عنها احد المؤلفين الأتقياء: "انها تولي النفس سكينة العمق" اي الهدوء في الله اللجة التي لا يُسبر غورُها. وهذا تمهيد وصدى للراحة الأبدية التي قال عنها القديس بولس: "فلنا نحن المؤمنين دخول دار الراحة" (عبر 4/3).

وينعم الممجّدون براحة العمق هذه لأنهم يشاهدون الله في بساطة ماهيته. ويقول القديس بولس: "انهم يعرفونه مثلما هم معروفون" (1 قور 13/12)، اي بالرؤية الداخلية وبالنظرة البسيطة. ولهذا ، حسب قول القديس بولس ايضا: "فانهم يتحولون الى تلك الصورة، وهي تزداد مجدا على مجد، وهذا من فضل الرب الذي هو روح" (2 قور 3/18). فيغدون تسبحة مجد دائمة للكائن الالهي الذي يشاهد فيهم جلالَه.

ويخيّل لي ان بوسعنا ان نولي قلب الله فرحا لا يوصف حينما نعكف في سماء نفسنا على ما يقوم به الطوباويون، فننضّم اليه بهذه المشاهدة البسيطة التي تقرّب الخليقة من حالة البرارة التي خلقها الله فيها.

"على صورة الله ومثاله" (تك 1/26). فكان اذاً حلم الخالق أن يتأمل ذاته في خليقته، فيرى انعكاس جماله وكمالاته كلها فيها كفي بلّورٍِ صافٍ وبغير شائبة. اليس هذا نوعا من امتداد مجده؟

فبالنظرة البسيطة الموحدة التي بها تحدق النفس الى الله، تجد ذاتها منفصلة وغريبة عن كل ما يحيط بها، ولا سيما عن ذاتها، ومن ثمة فإنها تشرق من "معرفة مجد الله"، كما يقول الرسول (2 قو 4/6)، لأنها تتيح للكائن الالهي ان ينعكس فيها وان تتلقى جميع صفاته. انها تصبح حقا تسبحةً تذيع مجد مواهب الله، وهي لا تفتأ تتغنىّ، حتى في اصغر اعمالها، بالتسبحة العظيمة، "التسبحة الجديدة" (رؤيا 14/13) التي يهتز الله لها في اعماقه.

ان نفسا كهذه لجديرة بهذا الوصف الرائع الذي ورد في اشعيا: "يشرق نورك في الظلمة ويكون ديجورك كالظهر. ويهديك الرب في كل حين، ويشبع نفسك في الارض القاحلة، ويقوي عظامك، فتكون كجنة ريا وكمخرج مياه لا تنقطع...وانا اوطئك مشارف الارض" (اش 58/10-14).

اليوم الرابع

أمس كشف لي القديس بولس النقاب قليلا، فاستطعت ان ألقي نظرةً على "ميراث القديسين في النور" (قول 1/12) لأرى ما دأبهم، فأحاول قدر المستطاع ان اطابق حياتي على حياتهم، فأقوم بمهمتي التي هي "تسبحة المجد".

أما اليوم، فهوذا القديس يوحنا، التلميذ الذي كان يسوع يحبه، يفتح لي بدوره ابواب "المداخل الابدية" (مز 23/7) قليلا، لكي اريح نفسي في اورشليم المقدسة، رؤية السلام العذبة. فيقول لي في بادىء الأمر ان "لا حاجة للمدينة الى ضياء الشمس والقمر، لان مجد الله اضاءَها والحمل قامَ مقام مشعلِها" (رؤيا 21/23).

فإن اردتُ ان يكون لمدينتي الداخلية بعض الشبه بمدينة "ملك الدهور الخالد"طيم 1/17)، وان تتلقى نور الله العظيم، عليّ ان اطفىء كل نور آخر، ليكون الحملُ مشعلها الوحيد.

هوذا الايمان يلوح لي بنوره الرائع. فهو وحده يقودني وينير لي السبيل للذهاب الى لقاء العريس. فالمزمور يقول ان العريس "جعل الظلمة حجابا له" (مز 17/13). وكأنه يناقض نفسه اذ يقول في موضع آخر: "انه يلتحف بالنور كرداء" (مز 103/2). أما ما أستنتجه من هذا التضاد الظاهري، فهو انه عليّ أن أخوض في هذه الظلمة المقدسة، فاجعل في جميع قواي ليلا وخلاء، واذ ذاك ألاقي سيدي، فيغمرني ذلك النور الذي يلتحف به كرداء، لانه يريد ان تكون عروسه مضاءة بنوره لا غير، وان "يكون لها مجد الله" (رؤيا 21/11).

يقال عن موسى انه كان "غير متزعزع في ايمانه وكأنه رأى اللامنظور" (عبر 11/27). ويخيل لي ان هذا يجب ان يكون موقف "تسبحة المجد" التي تريد ان تتابع نغمات شكرها خلال كل شيء، اي ان تكون غير متزعزعة في ايمانها وكأنها رأت اللامنظور، راسخة في ايمانها بمحبة الله العظيمة: "ونحن عرفنا محبة الله لنا وآمنا بها" (1 يو 4/16).

ويقول القديس بولس: "ان الايمان ضمانُ الخيرات التي تُرجى وبرهانُ الحقائق التي  تُرى" (عبر 11/1).

فالنفس التي جمعت حواسها تحت النور الذي اطل عليها من هذه الكلمة، ماذا يعنيها بعد ان تحس أو ان لا تحس، أن تكون في الظلام او ان يغمرها النور، ان تتنعم أم لا؟ وانها ليعتريها الخجل اذ تميّز بين هذه الامور، فتُنحي باللائمة على ذاتها لقلة محبتها. وسرعان ما تتجه الى معلمها الالهي مستغيثة به لكي ينقذها ويحطم الاغلال المتبقية فيها. "فهي ترفعه، حسب تعبير متصوف كبير، في اعلى ذروة من طور قلبها"، اي فوق المسرّات والتعزيات الآتية منه. فإنها قد عزمت على تجاوز كل شيء بغية الاتحاد بذاك الذي تحبه.

ويبدو لي ان ما قاله زعيم الرسل: "وبما انكم تؤمنون فسوف تبتهجون بفرح ممجد لا يوصف" (1 بط 1/8) يمكن ان يوجَّه الى هذه النفس غير المتزعزعة في ايمانها بإله المحبة.

اليوم الخامس

"رأيت فاذا بجمع كثير لا يستطيع احد ان يحصيه... هؤلاء الذين اتوا من الضيق الشديد وقد غسلوا حللهم وبيّضوها بدم الحمل. لذلك هم امام عرش الله يخدمونه في هيكله نهارا وليلا. والجالس على العرش يظللهم بسرداقه. فلن يجوعوا ولن يعطشوا ولن تلفحَهم الشمس ولا السموم. لان الحمل الذي في وسط العرش يرعاهم ويهديهم الى ينابيع ماء الحياة، ويمسح الله كل دمعة تسيل من عيونهم" (رؤيا 7/9، 14-17).

لا غروَ أن جميع هؤلاء المختارين الحاملين بأيديهم سعف النخل والذين يغمرهم نور الاله قد اجتازوا قبلا بالضيق الشديد واختبروا "الالم العظيم مثل البحر" (ارميا المراثي 2/13). فقبل أن يتأملوا مجد الرب بوجوه مكشوفة (2 قور 3/18)، قد اشتركوا في أوهان مسيحه. وقبل ان يتحولوا من مجد الى مجد الى صورة الله، قد تشبهوا بصورة الكلمة المتجسد المصلوب حبا بنا.

فلا مناص للنفس من الاشتراك حقا في آلام معلمها اذا شاءت ان تخدم الله في هيكله ليلا ونهارا، في هذا المقدس الداخلي الذي يتكلم عنه القديس بولس حينما يقول: "لأن هيكل الله مقدس وهو انتم" (1 قور 3/17). انها نفس مشتراة، وعليها ان تسعى بدورها في شراء نفوس اخرى. لذا فهي لا تفتأ من ان توقع على قيثارتها هذا اللحن: "أما انا فحاشا لي ان افتخر الا بصليب ربنا يسوع المسيح" (غلا 6/14)، "لاني صُلبتُ مع المسيح" (2/9)، و"أتمّ في جسدي ما نَقص من آلام المسيح في سبيل جسده الذي هو الكنيسة" (قول 1/24).

"قامت الملكة عن يمينك" (مز44/11): هذا هو موقف تلك النفس. فهي تسير لي طريق الجلجلة عن يمين ملكها المصلوب والمحتقر والمهان. ولكن هذا الملك يبقى رغم ذلك قويا وهادئاً دوما. انه يمضي الى الآلام بجلال، لكي يفجّر "مجد نعمته"، حسب تعبير القديس بولس الرائع (افس 1/6).

انه يريد ان يرى عروسه في عمله الخلاصي. وطريق الآلام الذي تسلكه هو لها بمثابة طريق السعادة، ليس لانه يؤدي الى السعادة وحسب، بل لأن المعلم الحبيب يفهمها كيف يجب ان تتجاوز ما في الالم من المرارة لكي تجد فيه سلامها على غراره.

حينئذ يمكنها ان تخدم الله في هيكله ليلا ونهارا. فلا المصائب الخارجية أو الداخلية يمكنها ان تخرجها من الحصن المقدس حيث أدخلها الحبيب، ولا تحس بعد بجوع أو بعطش رغم شوقها المذيب الى السعادة، اذ انها تجد قوتها في طعام سيدها: في ارادة الآب. ولا تلفحها الشمس، اي انها باتت لا تمرضها الآلام. وباستطاعة الحمل ان يرعاها ويهديها الى ينابيع ماء الحياة حيث يشاء وكما يشاء، فان عينيها شاخصتان الى الراعي الذي يهديها ولا يخطر ببالها ان تلقيهما على السبيل التي تسير فيها.

وحينما ينحني الله وينظر الى هذه النفس التي تبنّاها، يلاحظ فيها وجهَ الشبه شديدا لصورة ابنه "بكر الخلائق كلها" (قول 1/15). انه يرى فيها واحدة من تلك النفوس التي سبق فاختارها ودعاها وبرّها. فتبتهج احشاؤه الأبوية طرباً ويفكر في إنجاز عمله، اي في تمجيدها بنقلها الى ملكوته حيث يُُتاح لها ان تُنشد بغير انقطاع تسبحة مجده مدى الدهور.

اليوم السادس

"ورأيت حملا على جبل صهيون يصحبه اربعة واربعون الفا ومائة الف كُتب على جباههم اسمُه واسمُ ابيه، وسمعت صوتا آتيا من السماء كخرير مياه غزيرة أو كدويّ رعد قاصف. وجعلني هذا الصوت أتخيّل لاعبين بالكنارة يربون على كنارتهم ويرتلون انشودة جديدة بين يدي العرش... وما من احد يستطيع ان يتعلم الانشودة الاّ الأربعة والأربعون الفاً ومائة الألف... لأنهم أبكار. هؤلاء هم الذين يصحبون الحمل كيفما سار" (رؤيا 14/1-4).

ان من الخلائق من هم منذ الآن من عداد هذا الجيل الطاهر مثل النور، فيحملون من الآن على جباههم اسم الحمل واسم ابيه. انهم يحملون اسم الحمل بالتشبه والتمثل بذاك الذي يدعوه القديس يوحنا "الامين والحقيقي" والذي يظهره لنا لابسا رداءً مخضباً بالدم. فهم ايضا أمَناء حقيقيون ورداؤهم مخضّب بدم تضحيتهم المتواصلة. وهم يحملون اسم أبيه، لأنه يعكس فيهم بهاء كمالاته واوصافه الالهية كلها، فيصبحون كأوتار تهتز وترتل التسبحة الجديدة.

انهم يتبعون الحمل كيفما سار، ليس على الطريق الرحبة والسهلة وحسب، بل في المسالك الوعرة والشائكة ايضاً، لأنهم أبكار، أي أحرار منـزّهون ومتجردون... "فهم منـزّهون عن كل شيء الا عن المحبة"، منفصلون عن كل شيء ولا سيما عن ذواتهم، مجردون من كل شيء في النظام الفائق الطبيعة كما في النظام الطبيعي. أي تجرد وأي موت عن الذات يقتضي هذا الأمر! فلنقل مع القديس بولس: "إني اموتُ كلَّ يوم" قور 15/31).

وقد كتب هذا القديس الكبير ايضا الى اهل قولسي يقول: "فانكم قد متم وحياتكم محتجبة مع المسيح في الله" (3/3). فينبغي اذن ان نكون امواتا، اذ بدون هذا الشرط قد نكون محتجبين في الله احيانا، ولكننا لا نعيش في الله بنوع اعتيادي ودائم، لان كل الاحساسات والاغراض الشخصية وما شاكلها تداهمنا وتخرجنا من حوزة الله.

فالنفس التي تحدّق الى معلّمها الالهي بالعين البسيطة التي تنير الجسد كله تُصان من "مصدر الإثم الذي فيها" (مز 17/26) اذ ان الرب قد ادخلها الى المنزل الرحب الذي ليس سوى الله، وهناك كل شيء طاهر ومقدس.

فما اسعد الموت في الله! وما اعذب الاستسلام الى الخير المحبوب! انها لحلاوة تنفجر بصرخة صادرة من اعماق القلب: "قد صُلبت مع المسيح. فما انا احيا بعد ذلك، بل المسيح يحيا فيّ. واذا كانت لي حياة بشرية، فانها بالإيمان بابن الله الذي أحبني وضحّى بنفسه من أجلي" (غلاط 2/19-20).

اليوم السابع

"السموات تنطق بمجد الله" (مز 18/2). فما تنطق به السموات هو مجد الله. وبما ان نفسي سماء اعيش فيها بانتظار اورشليم العليا، فيجب على هذه السماء ان تنطق هي ايضا بمجد الله السرمدي وحده.

"النهار للنهار يعلن أمره" (مز 18/3). فكل الانوار وكل التعاليم التي يمنحها الله نفسي ان هي الا هذا النهار الذي يعلن رسالة مجده الى النهار. "لان اوامر الرب وضاءة تنير العيون" (مز 18/19). فأمانتي في تطبيق هذه الأحكام الإلهية وكل أوامرها الداخلية تجعلني أعيش في النور: وهذه ايضا رسالة تعلن مجده.

وهوذا الامر العجيب الذي يفيض عذوبة: "الرب الذي ينظر اليك يستنير" (مز 33/6). فالنفس التي تتأمل خلال كل شيء، بعمق نظرها الداخلي، الهها المنزّه عن كل ما سواه، تصبح مشرقة، وهي من ثمة نهار يعلن لنهار رسالة مجده، و"ليل لليل يذيع خبره" (مز 18/3). وهذا امر يفعمني تعزية، اذ ان عجزي وسأمي وظلامي واخطائي نفسها تذيع مجد العلي. وعذاباتي النفسية أو الجسدية كذلك تذيع مجد الله.

وكان داود ينشد: "بماذا أكافىء المولى على كل ما اتاني من افضال؟ سآخذ كأس الخلاص" (مز 115/12-13). فاذا اخذت هذه الكاس المصبوغة بدم معلمي الالهي، وفي غمرة شكري مزجت دمي بدم الذبيحة المقدسة التي تشركه في لانهايتها، حينذاك يمكن هذه الكأس أن تولي الآب مجداً عظيماً، فيصبح عذابي قولاً يذيع مجد العلي.

"فهناك (أي في النفس التي تذيع مجده) نصب للشمس خيمة "فالشمس هي الكلمة، هي العريس. واذا وجد نفسي خالية ومجردة من كل شيء الا من هاتين الكلمتين: محبته ومجده، فهو يختارها لتكون خدرا يدخله "كالجبار في السباق"، ولا يمكنني "ان اتوارى عن حره" (مز 18/6-8). فهو تلك "النار الآكلة" (عبر 12/29) التي تنجز التحويل السعيد الذي وصفه القديس يوحنا الصليبي بقوله: "كل واحد يبدو وكأنه الآخر، الا ان كليهما ليسا الا واحداً يذيع تسبحة مجد الآب".

اليوم الثامن

"وهم لا ينفكّون يقولون ليل نهار: قدوس، قدوس، قدوس الرب الاله المهيمن: كان وكائن ويأتي...ويجثون...ويسجدون...ويلقون اكاليليهم عند العرش قائلين: لك يحق يا ربنا والهنا ان تلقى المجد والاكرام والقدرة..." (رؤيا 4/8، 11،10).

فكيف أقتدي في سماء نفسي بعمل القديسين هذا المستمر في سماء المجد؟ كيف اتابع هذه التسبحة وهذا السجود غير المنقطعين ؟ هوذا القديس بولس يُغيثني وينيرني بما كتبه الى أهل افسس "ليؤيدكم (الآب) بروحه على مقدار سعة مجده، ليقوى فيكم الانسانُ الباطن، وأن يقيم المسيح في قلوبكم بالايمان، حتى اذا ما تأصّلتم في المحبة وأسِّستم عليها..." (3/16-17). لئن اتأصل وأتأسس في المحبة، فذلك هو الشرط الاول لكي اقوم حسنا بمهمة تسبحة المجد.

فالنفس التي تدخل وتستقر في اعماق الله (1 قور 2/10) وتعمل كل شيء "به ومعه وفيه" بنظرة صافية تجعلها شبيهة بالكائن البسيط، انما تتأصل أكثر فأكثر في ذاك الذي تحبه بكل رغبة من رغباتها وبكل حركة من حركاتها وبكل عمل من أعمالها، مهما كانت اعتيادية. فكل ما فيها يعطي المجد لله القدوس. وكأني بها تصبح "قدوسا" أبديا وتسبحة مجد غير منقطعة.

"إنهم يجثون ويسجدون ويلقون أكاليلهم". ففي بادىء الأمر، على النفس ان تجثو، أي ان تغوص في عمق عدمها وتنـزل الى حيث تجد "السلام الحقيقي غير المقهور والكامل الذي لا يعكر صفاءه شيء، فتلقي بنفسها الى هوة هي من العمق بحيث انه ليس من يذهب ويفتش عنها هناك" كما يقول احد المتصوفين. وحينئذ يمكنها ان تسجد.

السجود!... ويا لها من كلمة سماوية! يبدو لي اننا يمكننا تحديده بقولنا انه انخطاف المحبة. فحينما تُؤخذ المحبة بجمال المحبوب وبقوته وعظمته اللامتناهية، تسقط في انخذال وفي سكوت شامل عميق، ذلك السكوت الذي يصفه المزمر بقوله:"السكوت هو تسبحتك". اجل انها اجمل تسبحة، لأنها تلك التي يُترنَّم بها منذ الأزل في حضن الثالوث الهادىء، وهي ايضا آخر جهد تبذله النفس التي تضيق ذرعا بوصف الحبيب، فتبقى صامتة لا تنبس ببنت شفة.

وهناك مزمور يقول: "مجدوا الرب الهنا واسجدوا امام جبل قداسته، لان الرب الهنا قدوس" (مز 98/9)، وآخر يقول: "يسجدون له دائما من اجل اسمه" (71/15). فالنفس التي تختلي بهذه الأفكار وتستوعبها "بفكر الرب" (روم 11/24) تعيش في سماء مسبقة فوق الاشياء التي تزول وفوق السحب وفوق ذاتها.

فهي تعرف ان الذي تسجد له يملك في ذاته كل سعادة وكل مجد، فتلقي اكليلها في حضوره مثل الطوباويين، وتحتقر نفسها وتنسى ذاتها وتجد سعادتها في سعادة معبودها بين كل عذاب وألم، لأنها تركت ذاتها، بل تحوّلت إلى شخصٍ آخر. وفي هيئة السجود هذه، تشبه النفس تلك الآبار التي يتكلم عنها القديس يوحنا الصليبي والتي تقبل المياه المنحدرة من لبنان. ويمكننا ان نقول عن تلك النفس: "ان جداول النهر تفرح مدينة الله" (مز 45/5).

اليوم التاسع

"كونوا قديسين لأني أنا الرب إلهكم قدوس" (أحبار 19/2) فمن ذا الذي يمكنه أن يصدر أمراً كهذا ؟ إنه أوحى لنا باسمه، هذا الإسم الذي ينفرد به، والذي لا يملكه أحد سواه: "فقال الله لموسى: أنا هو الكائن" (خروج 3/14)، الحي وحده ومصدر الكائنات كلها: "إذ به نحيا ونتحرك ونوجد" (اع 17/18).

"كونوا قديسين لأني انا قدوس"