Islam

الاسلام  Islam

علاقة المسيحية بالإسلام

دراسات اسلامية

 

يحمل التاريخ أسرار الأمم والحضارات، بل سرّ كلّ إنسان. والتاريخ ليس هو فقط ما دوّن وكُتب،إنّما يُضاف إلى ذلك كلّ ما نقل شفويّا وما بقي في ذاكرة الأجيال، إن كان على المستوى القوميّ أو الديني أو العائليّ أو الفرديّ.

لذلك لا يقف الإنسان كمتفرج على التاريخ، لأنّه هو صانع التاريخ، إذ به بدأ التاريخ. ولا يقدر أيّ بشر مهما علا شأنه ان يطمس حقائق التاريخ ويزورها، لأنّ الأبحاث والدراسات المتواصلة والتي يقودها أناس أمينون ستكشف كلّ زيف وادعاء قد يطرأ على حدث أو حقبة تاريخيّة.

1- تزوير الحقائق

لقد حاول ويحاول بعض المثقفين أن يغيّروا حقائق تاريخيّة لخدمة طرفٍ ما أو للتهرّب من مسؤوليّة النطق بالحقيقة. فالحقيقة حقّ، والحقّ يحرّر. ومن الأمور التي عالجها هؤلاء مسألة علاقة الإسلام بالمسيحيّة والعكس. فكانت النتيجة عندهم هي كالتالي:

أ) الإسلام دين الحوار الإنفتاح. إمّا المسيحيّة فهي نقيض ذلك.

ب)لم يستخدم الإسلام العنف في نشر الدين. أمّا وجه المسيحيّة التبشيريّ فكان الحروب الصليبيّة.

ج)لم يضايق المسلمون المسيحيّين في الشرق، أمّا الغرب ( المسيحيّ ) فهو عنيف ومتطرّف أحاديّ الرؤية والمعتقد.

إنّه لمن واجبنا أن نقول الحقيقة مهما كان الثمن. بغيتنا من ذلك التقدّم نحو الأمام. لأنّ قول الأشياء كما هي يجعل الإنسان ينتبه إلى ما ارتكبته من مظالم بحق الأخر المختلف عنه من حيث الدين أو الفكر أو العرق... فالنمو أو التطوّر بحاجة إلى الحقيقة، وقول الحقيقة بحاجة الى الصراحة الشفافة المحبّة. والذي لا يقول الحقيقة هو شيطان أخرس.

2- تاريخ علاقة المسلمين بغيرهم

إنّ بداية الدعوة إلى الإسلام كانت سرّية خوفاً من قريش الوثنيّة، ومع بلوغ الدعوة طور العلن، بدأ أعيان قريش بتعذيب كلّ من أسلم، بل قتله إنْ لم يذكر آلهتهم ويكفر بإله محمّد. ولمّا أستفحل أضطهاد القرشيّين للمسلمين، أمر محمّد مجموعةً من المسلمين الأولين بالتوجّه إلى الحبشة المسيحيّة كي يحتموا بملكها وشعبها المسيحيّ، ولم يرع ملك الحبشة إلا الحقيقة، وهي أنّ تلك المجموعة التي التجأت إليه مضطهدة. ولم ينظر إلى ما قد يحصل عليه من هدايا وتسهيلات اقتصاديّة غيرهما من الأشياء التي تسيل اللعاب. وعلى الرغم من أنّ مَن التجأوا إلى الحبشة لم يكونوا من ذات العرق الحبشيّ أو أنّهم يعتقدون بما يعتقد به أهل الحبشة. فتلك هي أو إشارة إلى نظرة المسيحيّين للمسلم. بادلها المسلمون بغزو تبوك وبعض القبائل المسيحيّة. وما هي إلا أعوام وبدأ عصر الإحتلال الإسلاميّ للمناطق المسيحيّة في بلاد الشام والعراق ومصر وأفريقيا... كيف دخل المسلمون الأراضي المسيحيّة، أبغصنٍ غار، أم بسيف مسلول؟ كيف عاملوا من لم يُسلم، بالود والمساواة، أم بالجزية والمضايقة؟ ماذا فعلوا بالكنائس ودور العبادة المسيحيّة، هل رمَّموها وأعادوا إليها رونقها وسمحوا بدق نواقيسها، أم بنوا فوقها المساجد، وأمر الخلفاء بأن لا يرتفع بيت مسيحيّ على بيت مسلم؟ هل تمتّع المسيحيّون بحريّة ممارسة طقوسهم الدينيّة وشعائرهم العباديّة، وكيف يُنتخب الجثالقة، أبتدخّل الملوك والخلفاء والأمراء، أم بمعزلٍ عنهم؟ وهناك الكثير من الأسئلة لم تُطرح بصورة منطقيّة وواقعيّة.

3- مغالاة في كتابة التاريخ

كما أنّنا نجد أن هناك من يغال في تصوير حقبات الحكم الإسلاميّ ويصفها بانّها مثالية تحمل بين طيّاتها سمات ومقومات الحياة المشتركة وخبرتها المليئة باحترام من هو غير مسلم. فمن المؤكّد أنّ هذا غير صحيح ولا يمت لواقع الحياة في تللك الحقبات بصلة.

إنّ هؤلاء المغالين لم يعتمدوا في كتاباتهم الدليل والبرهان ولا البحث والتمحيص، بل أكتفوا بنقل أحداثٍ من هناك وهناك، وهي هامشيّة، متجاهلين الأحداث التاريخيّة المهمّة التي طبعت حياة البشريّة وأوصلتها إلى ما هي علية اليوم إن كان من ناحية الدين أو الفكر أو العادات والتقاليد .... لقد نصّب هؤلاء عواطفهم أو غاياتهم كشاهد على تاريخ هم وضعوه، وأرادوا للآخرين أن يصدقوه. رافضين مبدأ البحث العلميّ والمنهجيّ المجرّدة الذي يهدف إلى إيصال الحقيقة بغية الإستفادة من أخطاء الماضي وتجاوزها، لتكون للعالم حياة أفضل. يعمّ فيها السلام والخير.

فقد بدأ الإسلام برسائل محمّد[1] إلى ملوك المعمورة، والتي تبدأ: " أسلم تسلم ... ". ثمّ تهجير كلّ مَن هو غير مسلم في الجزيرة العربيّة[2].، فأحتلال الأراضيّ المسيحيّة والفارسيّة وفرض الضريبة العالية على غير المسلم ناهيك عن المضايقات الأخرى والتي مجال لذكرها هنا. ثم تحويل أغلب الكنائس إلى جوامع وعلى سبيل الذكر لا الحصر تحويل كنيسة دمشق الملكيّة إلى جامع دعي بالجامع الأمويّ، ويجب أن لا ننسى الوثيقة العمريّة[3] الشهيرة، التي يقشعر البدن عند قرأتها، فتاتي حقبة الخلافة العباسيّة التي كان فيها المسيحيّون تحت رحمة مزاج الخليفة، وقد يخوّن كلّ من يدافع عن دينة ويتهم بعمالته للقسطنطينيّة فيعدم وتصادر أمواله هذه مازلنا نسمعها إلى هذا اليوم.فحكم الأتراك في الشرق والفاطميّين في مصر وما جاورها حيث الانتهاكات بسبب الحروب الصليبيّة، تلك الحروب التي لم يكن لمسيحيّي الشرق أي علاقة بها، ونحن لا ننكر بأنّ بعض الطوائف المسيحيّة قد رحّبت بالصليبيّين وساعدتهم. لكن لِما فعلت ذلك؟ للهول الذي عاشته بسبب إضطهاد المسلمين لها. فكما رحّب المسيحيّون فيما مضى بقدوم المسلمين وذلك كي يتخلّصوا من نرير محتليهم، لنفس السسب رحّب بعض المسيحيّين بالصليبيّين.

بعدها تأتي فترة العثمانيّين وهذه الحقبة معروفة من قِبل الكلّ، إنّها أسوأ فترة مرّت على الشرق بأجمعه وخصوصاً على المسيحيّين.

ففترة الأنتداب أو الأستعمار البريطانيّ والفرنسيّ. والذي لم يكن يحمل طابعاً دينيّاً إنّما كان علمانيّاً بكلّ معنى الكلمة. والمسلمون الذي خدموا الإستعمار كانوا اكثر بكثير من المسيحيّين، علماً بأنّ أغلب الأحزاب القوميّة التي دعت إلى العروبة أو الوطن العربي قد أسّسها مسيحيّون، كحزب البعث  الذي أسّسه مشيال عفلق   وبيطار والحزب السوريّ القوميّ أسّسه انطوان سعادة ...  فمرحلة التحرير مع بروز قيادات قوميّة شابّة كعبد الناصر وعبد الكريم قاسم الشاذلي والقذّافيّ ... بدأت مرحلة جديد في إدارة الأمّة العربيّة التي تحوّلت إلى عدّة أقطار  حيث أسندت قيادة أغلب هذه الأقطار إلى شباب قوميّ ثوري، منهم الريديكالي ومنهم الإشتراكيّ وغيرهم ليبراليّ ... فما كانت النتيجة إلا تفتت الأمّة العربيّة وتحويل مشروع وحدتها إلى صراع تناحر وسيطرة، إذ أعتبر كلّ ملك أو رئيس قطر عربيّ نفسه هو القائد الملهم الذي سيُعيد وحدة العرب. فوسط تلك الجواء والتحولات السياسيّة والإجتماعيّة لم يكن للمسيحيّة أي نصيب فيها، فقد تقاسم السلطة المسلمون ولم ينل أي مسيحيّ موقعاً قياديّاً إلا ماندر. ومع بروز الكيان الصهيونيّ في المنطقة واعتراف الأمم المتّحدة بدولة إسرائيل على حساب العرب، ظهر صراع عربي إسرائيليّ، كان نتيجته تطوّر إسرائيل وتخلّف العرب، لآنّ الحكّام العرب إستعملوا الوجود الإسرائيلي كمظلة للنيل من خصومهم السياسيّين، إذ كانوا ومازالوا يرشقون كلّ ندٍ لهم بالعمالة للصهيونيّة، وأنت وأنا نعرف ما منعى هذه التهمة. والكلّ يعلم بأنّ الحريّة هي أساس كلّ تطوّر وتقدّم.

وكلّما خسر العرب موقعة ضدّ إسرائيل يتهم المسيحيّين الصليبيّين بأنّهم وراء انتصار إسرائيل، علماً أن من يدعم إسرائيل هو الولايات المتّحدة الإميركيّة، وهذه علمانيّة همّها مصلحتها فقط. وتلك الإتهامات التي توجّه إلى الصليبيّين كان تنعكس سلباً على مسيحييّ الشرق وخصوصاً مواطني الدول العربيّة، إذ يُنظر لهم بعين الشكّ والريبة، وكأنّهم يريدون الضرر لدولهم العربيّة.

4- الحرب اللبنانيّة والتحالفات الإقليميّة

ولعلّ الحرب اللبنانيّة كشفت الكثير من الأمور بما يخصّ نظرة المسلمين إلى المسيحيّين. فقد بحيث تحالف بعض المسيحيّين مع إسرائيل والبعض الآخر مع صدّام حسين وغيرهم مع سورية... أمّا سنّة لبنان فإنّهم تحالفوا مع عدّة جهات أيضاً كالسعوديّة وسورية ومصر ... أمّا الشيعة فأنّ تحالفهم الرئيسيّ كان مع إيران وسورية. هذه هي أهمّ التيّارات الدينيّة في لبنان. ولكنّ المسيحيّين الذين تحالفوا مع إسرائيل خونة وعملاء ( أنا لا اقول انّهم على حقّ في تحالفهم هذا ) وكذلك الذين تحالفوا مع صدّام (العربيّ)، أمّا المسلمين الذين تحالفوا مع إيران فهم قدّيسون لا يجب المسّ بقداستهم لأنّ إيران تحبّ العرب، وهي لا تحتل بعض الجزر المهمّة في الخليج العربيّ (أو الفارسيّ كما يُسمّيه الإيرانيّون) هي اصلاً ملكٌ للإمارات العربيّة ودولة قطر؛ ولا تحتل أجزاءاً من الأراضي العراقيّة العربيّة وليس لها أطماع في السيطرة على مضيق هرمز في الخليج العربيّ؛ وهي لم تدعم المسلحين في مصر والجزائر الذين يقومون بقتل الناس الأبرياء، ولم تسع ولا زالت إلى تصدير الثورة خارج أراضيها إلى السعوديّة ودول الخليج والعراق. ناهيك عن تدخّل المخابرات الإيرانيّة الان في العراق، ودعمها للمتطرِّفين الذين قتلوا عراقيّين، إذ يفجّرون المدارس ومراكز الشرطة وشبكتي الماء والكهرباء ...، وعبر عقود طويلة سعت إيران إلى التدخّل في الدول العربيّة ، هذا ماجعل مصر والسعودية تأخذان موقفاً حذراً تجاهها بلغ إلى درجة عدم تبادل السفراء معها ... يا لها من صديق للعرب والعروبة، ترى ما الذي يفرّق بين مطامعها بالعرب عن مطامع إسرائيل الصهيونيّة؟ ولو كان المسيحيّون هم مَن تحالف مع إيران دون سواهم، ترى هل سيرشقون بصفة العمالة لجهات غريبة، أي غير عربيّة لها مطامع بخيرات العرب؟

سنعرض بعض نقاط التي تساعد ( بحسب اعتقادنا) على أن يفهم المسلم المسيحيّ والعكس للتخلّص من عقدة الخياية والمؤامرة؛ هي:

أ) أن يعترف المسلمون العرب بكيان العرب المسيحيّين، وأنّ العروبة ليست حكراً على المسلمين، لأنّ العروبة كانت قبل الإسلام.

ب) عدم جعل الدين هو المقياس والحكم بالنسبة لتقييم الآخر والحكم عليه.

ج) طرح صفة التكفير والعمالة وغيرهما عن مَن هم غير المسلمين، لأنّهم مواطنون لهم حقوقهم وعليهم واجباتهم كالمسلمين.

د) فتح حوار وطني يقوم على اساس المواطنة وليس على أساس المعتقدات والتحالفات والنزعات القَبَليّة.

ه‍( أن يعترف المسلمون بانّهم اضطهدوا غيرهم ولم يكونوا ضحيّة كما يكتب أو يُقال دائماً.

[1] - لقد كتب محمّد رسالة إلى هرقل يهدّده بالموت إنْ لم يُسلِم،وفيما يلي نصّها: " بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام؛ أسلِم تَسْلَم، يؤتك الله أجرك مرّتين، فإن تولّيت، فإنَّ عليك إثم الأريسيين. ويا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم إلى قوله اشهدوا بأنّا مسلمون " الجعفي:  الأدب المفرد، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي، دار البشائر الإسلامية - بيروت، الطبعة الثالثة / 1409 ه‍ - 1989م، ص 379.

[2] - " أخبرني عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: ثمّ لأخرجنّ اليهود   والنصارى من جزيرة  العرب حتى لا أدع إلا مسلما " النيسابوري: صحيح مسلم، ج 3، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت، لا ت، ص 1388.

[3].تنقسم الأحكام فيها ( أي الوثيقة العمريّة ) إلى قسمين، كلّ قسم يحتوي على ستّ مواد. فالستّ الأولى منها أساسيّة ومتِّفقة مع روح الشريعة الإسلاميّة، وفي حال خرقها يتمّ بذلك خرق العهود القديمة المعطاة إلى أهل الذمّة، وهي كالتالي:

- كلّ تهجّم وإنْ بالقول على المسلمين.

- ذمّ أو تحقير القرآن أو النبيّ.

- عند قبول اهتداء مسلم إلى المسيحيّة.

-  كلّ ظلم يُقترف ضدّ مسلم أو أمواله.

- كلّ صلة بأمرأة مسلمة للزواج أو الفجور.

- مساعدة أعداء المسلمين.

أمّا الستّ الأخرى، قد تكون صادرة عن الفقهاء، وهي من باب المستحبّات ولم تُنسب إلى أحد العُمَرين؛ وهي كالتالي:

-         حظر دقّ النواقيس، وتلاوة المزامير أو ترتيلها علناً.

- عدم عرض الخمور ولحم الخنزير، وكذلك عدم عرض الصلبان أمام الأنظار.

- لا يجوز بناء بنايات أعلى من بنايات وبيوت المسلمين.

- منع الاحتفالات الجنائزيّة، وأي مظهر من مظاهر الندب والنياحة.

- لا يجوز للذميّ أن يمتطي حصاناً أو أن يضع سرجاً على الحمير أو البغال.

-         لايجوز التسمّي بأسماء المسلمين أو التكنّي بكناهم أو التلقّب بألقابهم[3].

وقد خفّف المتوكّل من صرامة تطبيق تلك الأحكام فترة وجيزة ، لكنّه عاد إلى العمل بها مع أضافة أحكام أخرى، لمّا غضب من طبيبه الخاصّ بختيشوع النسطوريّ ، إذ أمر بحبس الجاثليق تاذاسيس الأوّل ( 853 – 858 م )، من تلك الأحكام:

- مخالفة زيّ المسلمين في لباسهم، ولا سيّما الزنّار.

- حرم المسيحيّين أن يخرجوا إلى الأسواق يوم الجمعة.

- حرم أولاد المسيحيّين أن يدرسوا في كتاتيب المسلمين. راجع. - ابن قدامة المقدسي : المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني ، ج 9، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى / 1405 ه‍، ص 287 – 288