Islam

الاسلام  Islam

دراسة في أصول العقيدة الاسلامية Les vraies racines de l'Islam

دراسات اسلامية

 

 

المقدمة  -   الباب الأوّل

الفصل الأوّل: أهمّ الدّيانات والذاهب الدّينيّة في الجزيرة العربيّة (اليهوديّة – النصرانيّة - أريوس  - نسطوريوس - اليعاقبة  - الأبيونية)  

الفصل الثاني: الحنيفيّة رسالة ورقة بن نوفل ومُحمّد إلى اليهود والنصارى (1- ورقة بن نوفل ومُحمّد والحنيفيّة  - 2- العوامل الّتي ساعدت مُحمّداً على نشر دعوته  - 3- بين ورقة ومُحّمد واليهود  -  4- مُحمّد يفنّد عقيدة النصارى - 5- القرآن بعد وفاة مُحمّد)

الباب الثاني

الفصل الأوّل: الإسلام يكمّل البِدعة الآريوسيّة (1- ورقة مؤسّس الإسلام  - 2- رأي مختلف) 

الفصل الثاني: صحة نبوّة نبيّ الإسلام (1- نبوّة مُحمّد - 2- بين داوود ومُحمّد - 3- إلمام ورقة بعقائد الديانات والمذاهب النصرانيّة -4- النصرانيّة والمسيح بنظر مُحمّد)

الباب الثالث:

" الإسلام وفرقه الأولى ": الفصل الأوّل: الإسلام ونشأة الشيعة والسبأيّة (1- ما هو الإسلام  - 2- تمهيد (الفِرَق الإسلاميّة الأولى) - 3- الشيعة - 4- السبأيّة (العلويون حالياً)    

الفصل الثاني: نشأة الخوارج والمشبهة والمعتزلة (1- الخوارج - 2- المشبهة - 3- المعتزلة)  

ملحق: شرح التّوحيد والتّساميّ وأسماء الله الحُسنى (* الله الواحد - * الله أحد  -* الله المتساميّ)   * شرح بسيط لأسماء الله الحُسنى -

الخاتمة  -   المصادر بحسب تسلسلها في البحث - المراجع بحسب تسلسلها في البحث

 

 

المقدمة

أريوس وورقة ومحمّد والقرآن والإسلام والآريوسيّة.

بين هذه الأسماء علاقة قوية في عالم الدّين، وخصوصاً بما يختصّ بعقيدة التّوحيد. فأريوس هو صاحب عقيدة المسيح مخلوق وليس أزليّ مع الله، وأنّ الروح القدس هو خليقة المسيح. فبعد أنْ رشقت الكنيسة المسيحيّة هذا التعليم وصاحبه ومن شايعه بالحرم. راح أنصار أريوس يعملون بالخفاء، لكنّهم لم يستطيعوا أنْ يتابعوا مسيرة معلّمهم بسبب اضطهاد الأباطرة الرومان لهم، لذلك تشتتوا في الأرض ولم يكوّنوا كنيسة منظّمة كما هو الحال مع النساطرة واليعاقبة، وهذا ما يفسّر عدم وجود كنيسة آريوسيّة لها هيكليتها الخاصّة في الجزيرة العربيّة، بل كانت ممثَلة بعدّة أشخاص، والأبرز بينهم هو ورقة بن نوفل معلّم مُحمّد، وواضع أسُس الدّين الإسلاميّ. فإنّ اسم الإسلام لم يرتبط بالآريوسيّة، بل بالحنيفيّة، لأنّ ورقة أراد أن ينشر الآريوسيّة تحت اسم جديد وهو الإسلام، وصبغة تاريخيّة قديمة وهي الحنيفيّة، والتي يقصد بها الإسلام دين إبراهيم خليل الله.

بناء على عدّة معطيات تاريخيّة أخرجناها من المصادر الإسلاميّة المهمة، والمراجع الإسلاميّة وغير الإسلاميّة، وصلنا إلى. إنّ الإسلام هو ذاته البِدعة الآريوسيّة، ولكن بتعليم يتماشى مع أجواء ومتطلبات سكان الجزيرة العربيّة والعرب عموماً، وهذا التجديد في الآريوسيّة لم يطال العقيدة بل أكتفى بإضافة بعض العادات العربيّة والشرائع القبليّة الحسنة، وبعض الطقوس العباديّة. ولعلّ كلمة الأمّة الوسط والتي يعني بها، أنّ الإسلام هو الأمّة الوسط بين اليهود والنصارى، هي الأبرز وهي التي توضح علاقة الإسلام بباقي الديانات، فورقة لم يرد أنْ يجعل من الإسلام دين شامل يرضي به اليهود والنصارى كما تذكر بعض الكتب، بل على العكس، فهو أراد أنْ يقضي على النصرانيّة بكلّ فرقها، وأراد أنْ يردّ على حرم أريوس بتكفير النصارى (هذا ما سنثبته مع ما جاء في بداية المقدمة في هذا البحث المتواضع الصغير).

نحن لم نتكلّم عن البيئة الوثنيّة في بحثنا الصغير هذا، إلا الشيء اليسير لأنّ تركيز بحثنا كان منصباً على مجموعة من المواضيع (راجع الفهرس، فيما يختصّ بنوع المواضيع، وتسلسلها في أبواب وفصول) تدور حول نشأة الإسلام وعلاقة ورقة بمحمّد، وعن علاقة ورقة ومحمّد بالآريوسيّة، بالإضافة إلى نبوّة محمّد وقرأنه، وأهم الفِرَق الإسلاميّة الأولى، وبمن تأثرت، وشرح لمنعى التوحيد الإسلاميّ مع شرح بسيط لأسماء الله الحسنى الوارد ذكرها في القرآن.

إنّ ما يلفت الانتباه هو الزخم الروحيّ في المنطقة الممتدة من الجزيرة العربيّة مروراً بالعراق وسورية ولبنان والأردنّ وفلسطين. هنا بين ثنايا هذه المنطقة ظهرت بما يسمى بالديانات السماويّة، أي اليهوديّة والمسيحيّة والإسلاميّة. في هذه الرقعة من الشرق ظهر كلّ الأنبياء والمرسلين من الله، فيها ظهر الملائكة لإبراهيم، وفيها ظهر الله لموسى وكلّمه، وتجسد ابن الله بحسب العقيدة المسيحيّة، وجاء خاتم الأنبياء بحسب العقيدة الإسلاميّة، وعليها سوف تنتهي الحياة، حيث سيظهر مجد الله وينتصر مُلكه، وتُعلن معاقبة الأشرار. في هذه الرقعة الصغيرة من العالم الكبير أعلن الله عن نفسه وعرّف الإنسان به. السؤال المطروح لِمَ لم يُعلن عن مُلكه خارج هذه المنطقة؟.

هنا على هذه الرقعة دارت حروب الحضارات، من آشورية وفرعونيّة وفينيقيّة وفارسيّة وسومريّة وبابليّة ويونانية ورومانيّة. هنا على هذه الرقعة دارت حروب الآلهة، وحروب الثقافات والفلاسفة والمعتقدات. ما أعظم هذه الرقعة الّتي اختارها الإله للوعد لشعبه (بحسب العقيدة اليهوديّة)، أرادها مكاناً لتجسد ابنه (المسيحيّة)، وأرضاً لخاتم أنبيائه ونزول كلامه الأزليّ المحفوظ بألواح، أي القرآن (الإسلام).

نحن لا نقول مَن هو الدّين الحقّ، لكننا ننقل وبإيجاز نتاج فِكر هذه المنطقة عِبر العصور، وما أثرت به على الفكر البشريّ منذاك الزمن حتّى الآن، ونزيد على ذلك، بأنّ هذا التّأثير سوف يستمر ويستمر ولن ينتهي.فالله خلق الكون؛ وهذه المنطقة عرّفت الكون بالله، وعرّفت الله بما ينتظره هذا الكون من خالقه، وذلك من خلال الإبداع الفكريّ التّصوريّ للإنسان حول الخالق، وما ينتظروه الإنسان من خالقة، من هذا الباب دخل الله التاريخ بمغامرة، كي يعرّف عن ذاته ويكشف للإنسان خلاصه.

لقد واجهنا مشاكل عديدة عندما قرّرنا أنْ نبحث في هذا الموضوع (بين الآريوسيّة  والإسلام)، وأهمها قلّة المصادر المتوفرة لدينا، مما اضطرنا أن نذهب إلى أكثر من مكان للبحث عنها، والمشكلة الكبيرة الثانية، اختيار المراجع الناسبة والتي تحمل حقيقة الإسلام بدون تطرّف أو مغالاة أو ذمّ له. ولأجل ذلك استشرنا عدد من الآباء والشيوخ بغية الحصول على المراجع المناسبة.

أمّا فيما يختصّ بالأفكار الواردة في البحث، فإنّ أغلبها جاءت نتيجة بحثنا وتمحيصنا. وليس الهدف منها ذمّ الإسلام، إنّما الغرض منها بيان ما لعبته الآريوسيّة من دور هامّ في عالم الدّين، ومن دور هامّ في الجزيرة العربيّة، حيث صنعت من بعض القبائل العربيّة المتناحرة قوّة عظيمة كان وما زال دورها في التاريخ الإنسانيّ. والله وليّ التوفيق.

" الباب الأوّل "

الفصل الأوّل

أهم الدّيانات والمذاهب الدّينيّة في الجزيرة العربيّة فبل الإسلام

 نظرةٌ سريعة لأوضاع الجزيرة قبل الإسلام. لقد كانَ في الجزيرةِ العربيّةِ[1] العديد من الديانات، لكنّنا سوفَ نتطرقُ إلى الأهمِّ مِن بينِها، التي أثّرتْ على الإسلام، وخصوصاً التي دخلَ معها محمّد بنقاش حول مفهوم أو عقيدة الخالق والإيمان به كنبيّ مرسل مِن قِبَلِ الله الخالق، ربّ السّماوات والأرضِ، وما بينهما: " عاش رسول العرب في بيئة انتشر فيها اليهود والنصارى. والتقى عبر أسفارهِ التجارية العديدة أديرة ورهباناً، وسمع القصص التي يسردونها من العهد القَديم، فاختزن بذاكرته الكثير من هذه القصص، بالإضافَة إلى ما تلقاه من ورقة بن نوفل، وصاغ من اليهودية – المسيحية مذهباً وسيطاً يلائم الذهنيةَ العربية، فتبنّاه العرب وسعوا في نشره بجميع الوسائل "[2]. وأول الديانات هي:

1- اليهوديّة: بعد أنْ هرب اليهود من أورشليم خوفاً من الغضب الرومانيّ. اتجهوا نحوَ الجزيرة العربيّة البعيدة عن كلّ الحروب، والمكان الأكثر أماناً لهم ، حتّى استقرّ بهم الحال في يثرب، وغدوا القوّة الاقتصاديّة الكبيرة في يّثرِب[3] والجزيرة العربيّة.وقد دعاهم محمّد إلى اعتناق الإسلام لكنهم رفضوا، هذا ما يؤكده القرآن نفسه (اتخذوا أحبارهُمْ أرْبَاباً مِّن دُونِ الله) سورة التوبة، الآية: 13.

في بدايةِ دعوة محمّد[4]، لم يتعرضْ لليهود ، بل على العكسِ، لقد وصفَ دينهم ، بأنَّه دينُ خلاص، سورة مريم، الآيات: 58 – 60. إلا إنّ من بدأ الحرب السّياسيّة والإعلاميّة هم اليهود، فقد قادوا حرباً ضدّ محمّد وأتباعه، من دون أنْ يظهروا في الصورة، لأنَّهم حرَّكوا زُعماء قُرَيش[5] والعرب ضدّ محمّد، حيثُ أشاروا عليهم في بادئ الأمرِ بقتلهِ، معَ العلّمِ بأنَّ زعماء قُريش لم يفكّروا بقتله، وَلو أرادوا ذلك لقتلوهُ منذُ البدايةِ، ومِنَ الأسبابِ الَّتي جعلتْ زعماء قٌريش لا يفكّرونَ بقتلِ محمّد:

أ) لأنَّه (محمّد) مِن بني هاشم[6] وزوج خديجة[7] أكبرُ تجّارِ قريش،

ب)  صِلةُ القرابةِ الدمويّةِ التي تربطُه بهم.

 فأوّلُ شيءٍ زرعَه اليهود برأسِ زعماء قريش والعرب هو، أنَّ محمّداً ما هو إلا ساحرٌ مشعوذ، يريدُ أنْ يفرّقكم، ويجبُ إسكاته بأيّ طريقةٍ ، حتّى لو كانت تلك الطريقة هي الموت، لكن سرعانَ ما ظهرتْ مشكلةُ مَن سيقتلُه، وهل سينجو قاتلُه مِنَ الهواشم، فكانَ الردُّ اليهوديُّ جاهزاً، لأنَّه مُعدّداً منذُ فترةٍ، وهو أنْ يأخذوا من كلِّ قبيلةٍ فارس، ويذهبوا (الفرسان) ليلاً إلى دارِ مُحمّد ويطعنوهُ طعنةَ رجُلٍ واحدٍ، بِذلكَ يتفرّقُ دمُه بينَ قبائلَ العرب، فلا يستطيع بنو هاشم مِن الأخذِ بثأرهِ (وهذهِ هيَ طريقةُ اليهودِ في كلِّ العُصورِ، والدليلُ اقرأ الكتابَ المقدّسَ العهد القديم، وانظرْ أيضاً إلى ما يجري الآنَّ مِن حولنا، وكيفَ يتعاملُ اليهودُ مع شعوبِ المنطقة).      إنّ خوفَ اليهودِ مِن دينِ محمّدٍ الجديد، نابعٌ مِن أنَّه:

أ) يتكلّمُ عن الفقراءِ، ويدعوهُم إلى ثورةٍ ضدَّ الأغنياء، وضدَّ مُستعبديهم، واليهودُ هُم أغنياءُ المنطقةِ، وهُم مَنْ استعبدَ الفقراءَ مِن خلالِ إدانتهم مالاً بالربى.                     ب) إنّ محمّداً كانَ ينادي بدينٍ للعربِ (وَكَذَلِكَ أَوحَينَا إِلَيكَ قُرءَاناً عَرَبِيّاً لِّتُنذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَن حَولَهَا…) سُورَةُ الشُّورَى: 7. وورد أيضاً (إِنَّا جَعَلنَهُ قُرءَاناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُم تَعقِلُنَ) سُورَةُ الزّخرُفِ: 3. وأيضاً (كِتَبٌ فُصِّلَت آَيَتُهُ قُرءَاناً عَرَبِيّاً لِّقَومٍ يَعلَمُونَ) سُورَةُ فُصّلَت: 3. وأيضاً  (وَكَذَلِكَ أنزَلنَهُ قُرءَاناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفنَا فِيهِ مِنَ الوَعَيدِ لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ أَو يُحدِثُ لَهُم ذِكراً) سُورَةُ طَه: 113. وأيضاً (قُرءَاناً عَرَبِيّاً غَيرَ ذِى عِوَجٍ لَّعَلَّهُم يَتَّقُونَ) سُورَةُ الزَّمِر: 28. وأيضاً (إِنَّا أَنزَلنَهُ قُرءَاناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُم تَعقِلُونَ) سُورَةُ يُوسُف: 2. (الغريب أنّ كلّ هذه السّوَرُ مكّيّة).    أي بنظامٍ يوحّدهم ويجعلهم يداً واحدة، وفي حالةِ نجاحِ مُحمّد بذلك، فإنَّ تجارتَهم بالسلاحِ وغيرِه مِن الأشياءِ سوفَ تنعدم.

 لأنَّه إذا تصالحتِ القبائلُ فيما بينها، وفتحتْ كلُّ قبيلةٍ أبوابَها للأخرى، فإنَّهما سوفَ تدرسانِ أسباب حروبهما السابقة، وأوّل شيء سينكشف هو، أنّ اليهود هم من يزرع الفتنة بين القبائل، لسببين:

أ) كي يتمكنوا من أنْ يتاجروا بالسلاح، ليزيدوا ثروتهم، ويُغرقوا القبائل بديون ثقيلة، فيتحكّموا بأكبر عدد منها.

ب) لا يريدوا أنّ يكونَ في الجَزيرةِ العربيّةِ قوّة اقتصاديّة تنافِسُهم، ولا يريدوا أنْ تتوحَّد القبائلُ العربيّةُ، فتتسلّطَ عليهِم عسكريّاً، كما تَسلّطَ عليهِم الرّومانيّينَ، واليونانيّينَ، والآشوريّين[8]، والمِصريّينَ، وغيرِهم مِنَ الشّعوبِ. وَقد يؤدّي هذا التّسلّطُ إمّا إلى استعبادِهِم، أو إلى طَردِهِم مِن الجَزيرةِ العربيّةِ ، لأنَّهم جِسمٌ غَريبٌ عَلى المنطقةِ بِما أنَّهم ليسوا بِعَربٍ: " وهذا القولُ مع قولِ الكعبىّ فى تفسيراته الاسلام ينتقضُ بقول العيسوية من يهود أصبهان فانهم يقرّون بنبوَّة نبيَّنا محمد صلى الله عليهِ وسلم وبأن كل ما جاءَ به حق. ولكنهم زعموا انهُ بُعث إلى العربِ لا إلى بنى اسرائيل. وقالوا ايضاً محمد رسول الله وما هم معدودين فى فِرَق الاسلام. وقوم من شاركانيَّة اليهود حكوْا عن زعيمهم المعروف بشاركان أنهُ قال أنَّ محمداً رسولُ الله إلى العرب والى سائر الناس ما خلا اليهود "[9]. والدّينُ الجديدُ كانَ يُركِزُ عَلى القوميَّةِ العَربيّةِ. حيثُ يُصرِّحُ كِتابُهُ علانيَّة: أنتُم خيرُ أُمةٍ أُخرِجَتْ للناسِ (العرب)، والقرآنُ بِلِسانٍ عَربيٍّ… إلخ.         

2- النصرانيّة: هم خليطٌ من الفرقِ والمذاهبِ المسيحيّة المهرطقة، الّتي حرمتها الكنيسةُ المسيحيّة، لأنّ تعاليمَهم وعقائدَهم اللاهوتيةِ انحرفت عن تعاليمَ وعقائدَ الكنيسة المسيحيّة. ومن أهم تلك الفِرق والمذاهب: " الآريوسيّة، النسطوريّة، اليعاقبة، الأبيونيّة "[10].

إنّ تلك الفرق والمذاهب قد أثرت في الإسلام تأثيراً كبيراً، خصوصاً على فكر محمّد، وبالتالي على محتوى تكوين القرآن، لأنّ معلّم محمّد، أي ورقة بن نوفل كان من أحد تلك المذاهب، فأغلب ما جاءَ في القُرآن مِن عقائدَ أو تعاليمَ، هيَ شِبهُ مُطابقٍ لتعاليمَ وعقائدَ تلكَ المَذاهب والفِرق، فعقيدةُ حَبلِ مريمَ العذراء[11] مِن دونِ رجُلٍ، وَولادةُ عِيسى المُعجزة… إلى أنْ نَصِلَ إلى عقيدةِ الثالوث الَّتي أنكرها مُحمّد بشدّة، وهيَ العقيدةُ الَّتي أنكرَها أريوس.

 أ- أريوس: حُرمَ مِن قِبَلِ الكنيسة المسيحيّة بمَجمَعِها المَسكونيّ الأوّل الملتئم في نيقية[12]   (أو نيقيا) عام 325: " اعترف آريوس بكيان الأقانيم الثلاثة غير أَنَّه زَعَم أَنَّ الآبَ هو وحدّه الإله الحقيقيّ السَرمدي غيرُ المخلوق. أمّا الابن فقد انتشلته إرادةُ الآب من العدم ووضعته في الوجود. واستنتج من هذا القول أنَّه خليقة لا غير، وقد أتى الله في خلق الابن دقةً فائقة جعلته صورةً حيّة كاملة للآب، ورفعه الى درجة الأُلوهيّة، فأضحى خليقةً متألِّهة. ولذا فإنَّه يحقُّ لنا أنْ نقول عنه إنّه (ابن الله). فليس هو ابنَه بالطبيعة والولادة الروحية، وإنما هو ابنه بالتبنِّي   والإرادة "[13]. إذن تلك هي الهرطقةُ الّتي حُرم أريوسُ واتباعه بِسببها، قد وَصَلتْ إلى الجزيرةِ العربيّة بكُلّ ما فيها مِن فكرٍ فلسفيٍّ وتعليمٍ يؤكدُ، إنّ اللهَ هو الإلهُ الأوحَدُ وكُلّ ما تَبقّى هم مخلوقات. ويُعتقدُ بأنَّهُ، كانَ في الجزيرةِ العربيّة بِدْعةً مسيحيّةً قد قالت: الثّالوث هو الآب (الله)، والابن (يسوع المسيح )، والروح القدس (مريمُ العذراء): " ولكن من جهة أخرى يكفّر القرآن الذين يقولون بالتثليث. ولكن هذا التثليث الذي يكفّره القرآن ليس له أيُّ علاقةٍ بعقيدة الثالث المسيحيّة. فالثالوث الذي يكفّره القرآن هو: الله وعيسى ومريم، كما يبدو من مقطعين من سورة المائدة: 116- 117، و 73- 75 "[14].

ب- نسطوريوس: أُسقفُ مَدينةِ القسطنطينيّة[15] سنة 428. حُرِمَ مِن قِبَلِ الكنيسةِ المسيحيّة سنة 431 بمجمَع أَفَسُس[16]، لأنَّهُ حاربَ لقبَ أُمّ الله، الذي كانَ يُطلقُ على مريمَ العذراء: " فأخذ  < أي نسطوريوس > يُحارب البدعَ التي كانت منتشرةً في العاصمة. وسمع بعضَ المؤمنين يّلقُّبون مريمَ ا لعذراء (بوالدة الإله) فقاوم هذا اللقب وقد توهَّم أنّه ينكر على المسيح ألوهيَّته أو إنسانيَّته… وعُقد المجمعُ في شهر حزيران سنة 431 في مدينة أفَسُس وترأسه القديس كيرلُّس… ورشق المجتمعون نسطوريوس بالحرم، وأقرّوا أنَّ مريم العذراء والدةُ الإله "[17]. لقد نُفيَ نسطوريوسُ إلى البَتراء في شرقِ الأُردنّ، ثُمَّ إلى صحراء ليبيا. أمّا أنصارُه فقد طُرِدوا من الدّولةِ الرومانيّة، فلجئوا إلى الدولة الفارسيّة: " وأَصبح مذهبُهم فيها المذهبَ الرسمي للكنيسة الفارسية أو الكلدانية. وقد اعتنق معظمهمُ اليوم الكثلكة وهم الكلدان. وبقي لنسطور بضعة آلاف وهم النساطرة أو الآشوريون ويسكنون إيران والعراق "[18].

 ج- اليعاقبة: (نسبةً إلى يعقوب البرادعي) همُ الّذينَ تَبِعوا تعاليمَ أُوطيخا، الّذي أكّدَ على أنَّ للمسيحِ[19] طبيعةٍ واحِدةٍ، وهيَ الطبيعةُ الإلهيّةُ، ناكراً طبيعته الإنسانيّة، وقد حُرمَ سنةَ 448م، وثُبّتَ هذا الحُرم في مجمَع خلقدونية سنةَ 451م: " وتناهت إلى أُوطيخا تعاليمُ نسطوريوس، فهبَّ يقاومها بكلّ قواه، فتطرَّف في أقواله ومواعظه ووقع في نَقيضها، فأكّد أَنَّ في المسيح طبيعةً واحدة، وأَنَّه لا يشبهنا لأنَّ طبيعتَه الإنسانية قد اضمحلَّت في طبيعته الإلهية وذابت فيها "[20]. لَم يَعبأ الناسُ في ذلكَ الزّمانِ  لحُرم أُطيخا، لأنّهم كانوا ينتظرونَ بلهفةٍ ما سَيصدرُ عَنِ المَجمعِ مِن صيغَةٍ لاهوتيّةٍ، فظهرتْ تؤكِدُ أنَّ للمَسيحَ طبيعَتينِ كامِلتَينِ، وهذا انتصارٌ لِتعاليمَ بابا روما، وأقوالِ السّوريِّين، لكنّهُ إِهمالٌ سافرٌ لرأي القدّيسُ كيرلُّس: " ورأَى البعض في هذا التعبير أَكثَر من إِهمال لرأي كيرلُّس، إِنَّه حكم عليه. لأَنَّه يَحكم على ديوسقورس، وديوسقورس هذا هو أقوَى مدافع عن كيرلُّس. فهو إذاً نقد لتعليم القديس كيرلُّس نفسه وتبرير خفيٌّ لأَقوال خصمه نسطوريوس. وفسَّر الناس في فلسطين ومِصر وسورية مُقرَّرات مجمع خلقيدونية على هذا النحو فثاروا عليها ورفضوا قبولها "[21]. فحدَثتْ بَعض المشاكلِ في الكنيسةِ الشّرقيّةِ بِسببِ التّعبير الّلاهوتيّ للمَجمَع، لكنّها توقفتْ، لأنّ الأباطرة الرّومان قاوموها بشدّة. لكنّها عادتْ وَظهرَتْ مُجدَّداً على عَهدِ الملكِ يوستنيانيوسَ الأوّل[22] (527 – 565)، لأنَّ زوجتَه ثاودورة كانتْ مِن المُعارضينَ لِمَجمعِ خلقيدونية، فأسَّستْ  كنيسةً مُستقلةً عَن كنيسةِ الدولة، دُعيتْ بِكنيسةِ المونوفيزيّين، أي أنصارُ الطبيعةِ الواحِدةِ في المسيح: " ففي سنة 543 اتَّصل الأمير الغسَّاني الحارث بن جبلة بالبَلاط القسطنطيني، وسأله أسقفا لعشائره. فأرسلت اليه ثاودورة أُسقفَين مونوفيزيَّين، هما ثاودوروس أُسقف بصرى في حوران، ويعقوب الملقَّب بالبرادعي أُسقف الرَّها  (اورفا) وكان يعقوب رجلاً نشيطاً يمتاز بصلابة الإرادة وحسن التدبير. فجعل يَجوب الشرق كلَّه، متنقلاً من مكان إلى آخر وهو يرسم الأَساقفة والكهنة وينظِّم شؤون الكنيسة المونوفيزيَّة "[23] وَكانَ أغلَبُ اليعاقِبةِ مِن عَربِ الشّام، والنّساطرة يقطنونَ العراق: " وكان عرب الحيرة والعراق نساطرة، بينما كان الغساسنة يعاقبة، إلا أَنَّ مذهب الطبيعة الواحدة قد تسرَّب إليهم في أواسط القرن السادس "[24]. والمونوفيزيّة هم اليومَ الأَقباط الأُرثوذكس، والسّريان الأُرثوذكس، والأرمن الأرثوذكس.

د- الأبيونيّة: وَهم جَماعةٌ يهوديّة مُتنصّرة، آمنت بيسوعَ المسيح، وَلكنّها لَم تعتَرِفْ بِه كَإلهٍ، إنّما وضعتْهُ بمنزِلةِ موسى[25]، وَلَم تعترِفْ أيضاً بِولادتِه مِن عذراء، بل بِولادتِه مِن مريمَ وزوجِها يوسفَ[26] مثلما يولدُ كُلّ إنسان، والجديرُ بالذّكر أنّ أغلبَ الأسينيّين[27] أو رهبان قمران الفريسيّين[28] قد اعتنقوا الأبيونيّة، مما جعلها وكأنّها حركةٌ يهوديّة أكثر مِن أنْ تكونَ نصرانيّة أو مسيحيّة: " وفي عام 76م. عاد معظم نصارى أُورشليم إليها وإلى اليهوديّة < بعد دمار أورشليم من قِبَل الرومان عام 70م > وعلى رأسهم سمعان أخو يعقوب ودخل كثيرون من الأسينيّين في النصرانيّة مما زاد تهويدها وعُرفوا باسم الأبيوبيّين (أي الفقراء) وأصبح اسم أبيونيم ونصارى مرادفا لمعنى واحد تقريبا وكلاهما استعمل (إنجيل متى الآرامي المكتوب بالحرف العبري مع اختلاف بسيط. هذا الإنجيل دون باقي الأناجيل… كذلك آمن الأبيونيون بأن يسوع هو ابن يوسف ومريم بولادة طبيعية بينما غيرهم من النصارى آمنوا بالولادة المعجزة من عذراء. كذلك رفض الأبيونيون ألوهية المسيح ووصفوه بأنه (ابن الإنسان) والنبي الحقيقي ومارسوا المعمودية والوضوء والختان، وجعلوا أورشليم قبلتهم في أثناء الصلاة "[29].

الفصل الثاني

الحنيفيّة رسالة ورقة بن نوفل ومحمّد إلى اليهود والنصارى

    1- ورقة بن نوفل ومحمّد والحنيفيّة : قبلَ كُلِّ شيءٍ يجبُ علينا أنْ نعرِفَ مَنْ هو ورقة: " هو القسّ ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزّى بن قصي بن كلاب بن مرّة، إبن عم خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد الُعّزى بن قصي بن كلاب بن مرّة زوجة محمّد بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرّة، فيكون قصي الجدّ الثالث لورقة وخديجة والجدّ الرابع لمحمّد "[30]. إمّا عَن ديانتِهِ أو مُعتقدهِ: " ذكر ابن هشام المتوفى في الفسطاط سنة 218 هجرية (833م) في سيرته: دين العرب: قال ابن اسحاق: واجتمعت قريش يوماً فى عيد لهم عند صنم من أصنامهم كانوا يعظمونه ينحرون له ويعكفون عنده ويديرون به، وكان ذلك عيداً لهم فى كل سنة يوماً، فخلص منهم أربعة نفر نجيّاً، ثم قال بعضهم لبعض: تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض، قالوا أجل، وهم: وَرَقة بن نوفل بن أسد بن عبد العُزَّى، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحُوَيْرِث، وزيد بن عمرو بن نُفَيْل. فقال بعضهم لبعض: تعلموا والله ما قومكم على شيء، لقد أخطأوا دين أبيهم إبراهيم، ما حجر نظيف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع ! يا قوم، التمسوا لأنفسكم، فإنكم والله ما أنتم على شيء. فتفرقوا فى البلدان يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم. فأما ورقة بن نوفل فاستحكم فى النصرانية واتبع الكتب من أهلها حتى علم علماً من أهل الكتاب. وأما عبيد الله بن جحش فأقام على ما هو عليه من الالتباس حتى أسلم "[31]. الظاهر أنّ ورقةَ ومحمّد لم يكونا على دينِ الحنيفيّةِ الصافي، بل أرادا أنّ يتستّرا بالحنيفيّةِ، لينشُرا دينَهُما     (الآريوسيّة المجدَّدة). فقد بَشّرَ محمّدٌ بأشياء لم تكُنْ في الحنيفيّةِ، لذلكِ اتّهمَه أبو عامر الراهب[32] بتَحريفِ الحنيفيّة، الّذي رَفضَ أنْ يعتنقَ الإسلامَ، واصفاً نفسَهُ بالحنيف الموحِّد المستقلّ، واضعاً مسافة بينَه وبينَ الدّيانةِ الجديدةِ: " ابن هشام السيرة: أمّا أبو عمار فخرج من قومه إلى مكّة ببضعة عشر رجلاً، مفارقاً للإسلام ورسول الله. فقال رسول الله: كما حدَّثني محمّد بن إبي أمامة عن بعض آل حنظلة بن إبي عامر: (لا تقولوا الراهب، لكن قولوا الفاسق) … وقيل أنّ أبا عامر أتى رسول الله حين قدم المدينة، قبل أن يخرج إلى مكّة، فقال: (ما هذا الدين الذي جئتَ به؟) فقال: (جئت بالحنيفيّة، دين إبراهيم). قال: (فأنا عليها). قال له رسول الله: (إنّك لستَ عليها) قال: (بلى. إنّك أدخلتَ يامحمّد في الحنيفيّة ما ليس منها). قال: (ما فعلتُ، ولكنّني جئت بها بيضاء نقيّة). قال: (الكاذب أماته الله طريداً غريباً وحيداً)… كان أبو عامر عدوّ الله، فخرج إلى مكّة. فلمّا افتتح رسول الله مكّة، خرج إلى الطائف. فلمّا أسلم أهل الطائف، لحق بالشام، فمات بها طريداً غريباً وحيداً "[33]. لقد آمنَ أهلُ يثرِب بمُحمّدٍ لأنَّه قالَ عَن دينِه، دينُ إبراهيم[34] الحنيف، وإيمانُهم لَم يكُنْ عَن معرِفة، لأنَّهم كانوا يجهلونَ ما هو دينُ إبراهيمَ. أمّا أبو عامر الراهب، فقد كانَ يعرفُ دينَ إبراهيمَ، لذلكَ اتهّمَ محمّد بأنَّه يُحرّفُ &#