إنجيل لوقا 21/25-28، 34-36

السنة ج

التاريخ: 30 تشرين الثاني 2006

 

 “وسَتَظهَرُ عَلاماتٌ في الشَّمسِ والقمَرِ والنُّجوم، ويَنالُ الأُمَمَ كَرْبٌ في الأَرض وقَلَقٌ مِن عَجيجِ البَحرِ وجَيَشانِه، 26وتَزهَقُ نُفوسُ النَّاسِ مِنَ الخَوف ومِن تَوَقَّعِ ما يَنزِلُ بِالعالَم، لِأَنَّ أَجرامَ السَّماءِ تَتَزَعزَع، 27وحينَئذٍ يَرى النَّاسُ ابنَ الإِنسانِ آتِياً في الغَمام في تَمامِ العِزَّةِ والجَلال. 28وإِذا أَخذَت تَحدُثُ هذِه الأُمور، فانتَصِبوا قائمين وَارفَعوا رُؤُوسَكُم لِأَنَّ اِفتِداءَكم يَقتَرِب“. 34“فاحذَروا أَن يُثقِلَ قُلوبَكُمُ السُّكْرُ والقُصوفُُ وهُمومُ الحَياةِ الدُّنيا، فَيُباغِتَكم ذلِكَ اليَومُ 35كأَنَّه الفَخّ، لِأَنَّهُ يُطبِقُ على جَميعِ مَن يَسْكُنونَ وَجهَ الأَرضِ كُلِّها. 36فاسهَروا مُواظِبينَ على الصَّلاة، لكي توجَدوا أَهْلاً لِلنَّجاةِ مِن جَميعِ هذه الأُمورِ التي ستَحدُث، ولِلثَّباتِ لَدى ابنِ الإِنْسان”. 37وكانَ في النَّهارِ يُعَلِّمُ في الهَيكلَ، ثُمَّ يَخرُجُ فيَبيتُ لَيلاً في الجَبَلِ الَّذي يُقالُ لَه جَبَلُ الزَّيتون. 38وكانَ الشَّعبُ كُلُّه يأتي إِلَيه بُكرَةً في الهَيكَلِ لِيَستَمِعَ إِلَيه.

 

أربعة أسابيع  تفصلنا عن ميلاد المخلّص، وهي مرحلة تحضير اللّقاء، في الميلاد: الميلاد الذي يعني بداية جديدة، فرح، سلام، أمنيات. لكن كلمة الله في لوقا تعدِّد لنا الويلات والمخاوف، وتنذرنا بأهوال وحروب... انها علامات نقرأها في حياتنا اليومية، يكفي أن نقرأ الجريدة اليومية أو أن نصغي للأخبار والمستجدات، أو نتأمل بالآلام والحروب والويلات التي عشناها هذه السنوات في الشرق العربي: من لبنان الى فلسطين والعراق، وما يعانيه المسيحيون في البلدان التي لا تحترم الحرية الدينية، وهي كثيرة في عالمنا. يكفي أن نتأمل بالأحداث التي سببها الارهاب في العالم منذ 11أيلول، يكفي أن نفكر بالمجاعة التي تسحق قلوب امهات وتميت فلذة أكباد، يكفي أن نفكر ونتأمل بالارهاب والاجرام الذي ينفذه العلماء في المختبرات التي تتلاعب بجسد الانسان والجنين دون أن توفر الحيوان والطبيعة... لا أحد منا يجب أن يشعر بأنه غريب عن هذه الويلات، وإن غابت عن ناظرينا بشكل مباشر، لكنها تهديد كبير جداً للبشرية والسلام، وتناقض الانجيل. هذه هي الحقيقة، هذا هو الواقع!

 

يسوع يريدنا أن نفتح أعيننا ونرى الواقع. يدعونا اليوم الى خوض معركة كبيرة معه من أجل السلام؛ إنه يقول لي ولك أنه آتٍ حتماً لأنه يحبنا، تجسّد لأن البشرية في خطر، ويريد أن يعلّمنا كيف نخلّص الكون من تدمير الذات. يسوع يعرف جيداً مخاوفنا وتعبنا، ويريد أن يساعدنا، وهذا الأمر أصبح في أيدينا، المفتاح في قلوبنا اللتي يجب أن نتعلّم كيف نفتحها للحب. فيسوع لن يفتعل العجائب من أجل السلام، ولن يحلّ جميع المشاكل قبل يوم عيد الميلاد الذي يمكن أن نعيشه تحت وطأة الأنوار الخارجية والآلام الداخلية، وهو، أي يسوع، قد احتفل بالميلاد مع مريم ويوسف في مزرعة بقر مجرداً من حقوق كثيرة تجعله شبيهاً اليوم بأطفال منطقة دارفور (السودان) أو بغداد (العراق) ولماذا لا نفكر بأطفال الناصرة والقاهرة... ومشاعر الخوف في قلوبنا هي أمر طبيعي إذا تأملنا نهاية حياة يسوع. ونحن نحتفل بالميلاد على ضوء الفصح؛ فالألم والتعب والموت تستبد بها القيامة. ونور مجد القائم من بين الأموات هو عينه النور الذي يأتي من المغارة... فأدعوكِ أختي، وأدعوكَ أخي، لأن نتنبّه إلى أن العجيبة الحقيقية هي حقيقة ما سيحدث في قلبك أنت قبل الميلاد، لكي تتمكن من أن تنشر مفهوم الميلاد من حولك... ويوم الميلاد، عندما سوف تبتسم للناس من حولك، أو عندما ترسل هدية، أو عندما تقوم بزيارة تعزية أو معايدة... تتساءل ما الذي أحمله اليوم في قلبي من أجل اخوتي هؤلاء الذين أزورهم، أعايدهم؟ هذا هو معنى الكلمات في الانجيل

هذه أمنيتي لك لكي ننطلق نحو الفرح الحقيقي الذي هو "فقط" يسوع

 

رسالة القديس بولس الأولى الى أهل تسالونيقي 3/12-13:

 12 وعَسى أَن يَزيدَ الرَّبُّ ويُنمِيَ مَحَبَّةَ بَعضِكم لِبَعْضٍ ولِجَميعِ النَّاسِ على مِثالِ مَحَبَّتِنا لَكم، 13 ويُثبِّتَ قُلوبَكم فلا يَنالَها لَومٌ في القَداسةِ في حَضرَةِ إِلهِنا وأَبينا لدى مَجيءِ رَبِّنا يسوعَ المسيح يُواكِبُه جَميعُ قِدِّيسيه!.

 

عند الغروب سوف نُحاسَب على الحب (القديس يوحنا الصليب)

أسكن أنت في الحب، فيسكن هو فيك؛ أركن في الحب، فيستقرّ هو فيكَ (القديس أغسطينس)

الى جانب دعوة يسوع لليقظة، يدعونا بولس لأن نكون جاهزين لاستقبال يسوع كما العذارى الحكيمات، في الحب واليقظة. سيكون سعيداً أن يجدنا في انتظاره. والانتظار أو اليقظة، يعني الالتزام والترقّب والعمل والتحضير، كما تعمل الأم عندما تنظم زواج ابنتها أو ابنها، فهي لا تنام، وتحلم وتفرح في قلبها، وتخبر جارتها وبعض الأحيان تبكي فرحاً، وتنسى آلامها وتعبها، لا بل ترهق ذاتها دون أن تشعر بذلك... فزواج ابنتها أو ابنها يحقق انتظاراً مهماً يرتبط بمعاني أمومتها...

هكذا ننتظر المسيح ونسهر ونلتزم في الحب، ويكون الزيت فائضاً في قلبي الذي يشعّ نوراً...

هكذا تكون "قُلوبَكم فلا يَنالَها لَومٌ في القَداسةِ في حَضرَةِ إِلهِنا وأَبينا لدى مَجيءِ رَبِّنا يسوعَ المسيح"

هذا الحب لا يكون حقيقياً فترة عيد الميلاد إذا اختفى من حياتنا في أوقات أخرى... حقيقة الحب هو عندما نحياه في يومياتنا البسيطة، مع الأشخاص العاديين، مع الأطفال والضعفاء، مع الفقراء والأغنياء، وخاصة مع أهل البيت الذين اعتدنا أن ننساهم في تفكيرنا والتزامنا، وأيضاً وخاصة مع أولئك الذين نضجر من صحبتهم وهم بحاجة الينا... فأسأل ذاتي ماذا لوكان يسوع اليوم هنا؟ عندها يتجدد الحب ويفرح القلب في المجانية.

يمكننا أن نتأمل هكذا:

عنما أراد الآب أن يتجسد ابنه حباً بالانسان، خرج من عليائه إذ رأى بؤس البشر، وقرر أن يحبنا حتى الموت، وأن يكون فقيراً من أجلنا في جسده وانسانيته، وحتى في قبره وقيامته، وحتى اليوم هو فقير لأنه في الافخارستيا، ونحن ننساه غالباً وهو يحبنا. ونحن نهينه في خطايانا وهو بكل بساطة دون مقدمات كثيرة وتوبيخات غير محببة (كما يفعل بعض الكهنة) يغفر ويبتسم ويشجعنا على الانطلاق الى الأمام... ومن ثم أضع أمامي أخي أو أختي، وأقول: لو كان هو اليوم هنا مكاني، ماذا كلن ليفعل؟... هذا هو الحب! ذاك الحب الذي سيولد في قلبك، مصدره يسوع، وحيويته الفرح...

الى الميلاد!

 

عناصر للقراءة الروحية ضمن الجماعة:

الصلاة الافتتاحية:

أرسل روحك إلى قلوبنا، أيها الرب يسوع، لكي ينير عقولنا ويساعدنا على فهم الكلمة كما شرحتها أنت لتلميذي عماوس.

أنت نوّرتهما بواسطة الكلمة المكتوبة في موسى والأنبياء، وساعدتهما على اكتشاف حضور الله في الأحداث التي رافقت آلامك وموتك.

هكذا غدا الصليب بالنسبة لهما ينبوع حياة وقيامة، بعد أن كان نهاية الأمل وأي رجاء.

إجعل صمتاً في قلوبنا يساعدنا على الاصغاء لصوتك في الخليقة وفي الكتب، وفي الأحداث والأشخاص، خاصة في الفقراء والمتألمين.

فلتكن كلمتك هداية لنا، لكي نختبر قوة قيامتك، كما تلميذي عماوس، ونشهد للآخرين أنك حيّ في وسطنا وأنك ينبوع أخوة وعدالة وسلام.

هذا ما نطلب منك يا يسوع ابن مريم، أنت الذي كشفت لنا وجه الآب، وأرسلت الينا روحك. آمين

-

قراءة الانجيل

 

عناصر للقراءة الروحية:

ان الحديث اليوم عن نهاية العالم، كما يجرى في النص الذي تقدمه لنا الليتورجية، هذا الأحد، يثير الكثير من ردات الفعل. فالبعض يشعر بالخوف، والبعض الآخر يمكن أن لا يأبه البتّة، وآخرين يحاولون تحسين أسلوب عيشهم. وهنالك غيرهم أيضاً عندما يسمعون بأخبار مخيفة، يقولون فوراً "انها نهاية العالم"... ونحن هنا كلٌ منا لديه رأيه في هذا الموضوع.

من الضروري أن نأخذ وقتاً من الصمت لكي نفكّر: ما هو رأيي أنا في مسألة نهاية العالم التي يتكلّم عنها يسوع اليوم؟

هناك تساؤلات أخرى: مثلاً لماذا تضع الكنيسة هذا النص في بداية السنة الطقسية، الأحد الأول من المجيء؟

مع هذه التساؤلات ندع النص يطرح علينا تساؤلات أخرى لدى قراءته. ومن الضروري أن ننتبه ليس فقط للأمور التي تخيف، بل تلك التي تبعث الأمل والرجاء.

 

تقسيم النص، لمساعدتنا على القراءة:

 

في الصمت يمكننا أن ندع كلمة الله تتسرّب الى أعماق قلبنا لكي تنيره وتضيء حياتنا.

 

-بعض التساؤلات التي تساعدنا في تأملنا:

 

عناصر للقراءة للتعمّق في الموضوع:

-بيئة النص، وحديث يسوع:

ان نص انجيل الأحد الأول من زمن المجيء (لوقا21/25-28؛34-36) هو جزء من نص أوسع (لوقا 21/8-36) يتكلم فيه يسوع عن الآخرة. يقدمه لنا إنجيل لوقا على أنه جواب يعطيه يسوع على أسئلة تلاميذه. أمام عظمة هيكل أورشليم وجماله، قال يسوع أنه "لن يبق منه حجرٌ على حجر" (21/5-6). فأراد التلاميذ أن يفهموا مقصد يسوع من تدمير الهيكل، وسألوه عن متى وكيف؟(لوقا 21/7).

-هدف الحديث: مساعدة على تمييز الأحداث:

كان الكثير من معاصري يسوع يؤكدون، أمام أهوال الحروب والاضطهادات والكوارث، أن نهاية العالم أصبحت وشيكة. هكذا كانت تعتقد على الأرجح الجماعة التي كان يعيش فيها لوقا. كذلك في فترة تدمير هيكل أورشليم (سنة 70) واضطهاد المسيحيين في المرحلة الأولى، كان هناك من يؤكّد أن الأمور أصبحت على نهايتها، وكأن الله لا يقدر على إدارة الأمور...

فالحديث في هذا النص له هدف محدّد وهو مساعدة التلاميذ والمؤمنين على تمييز علامات الأزمنة، وأن لا ينساقوا الى أحاديث الناس حول نهاية العالم. هكذا في الآية 8 من الفصل عينه ينبّههم على أن لا ينقادوا الى الغش. ويقدم مجموعة من العلامات ليساعد على التمييز. يجب أن ننتبه الى أن يسوع عاش حتى سنة 33 أما جماعة لوقا، فهي تقرأ الانجيل حوالي السنة 85؛ فالأحداث الخارجية كثيرة بعد موت يسوع وقيامته: تدمير هيكل أورشليم، الاضطهادات، الحروب الكثيرة، بعض الكوارث الطبيعية؛ وهي أحداث يتكلّم عنها يسوع في النص، أما جماعة لوقا فتعتبرها من الماضي.

هناك ست علامات لتمييز أحداث الحياة:

  1. العلامة الأولى:المسحاء الدجالين الذين يقولون أن الزمن أصبح قريباً (21/8)

  2. العلامة الثانية: الحروب وضجيجها (21/9)

  3. العلامة الثالثة: الأمة التي تقوم على أمة (21/10)

  4. العلامة الرابعة: زلازل ومجاعة وطاعون في كل مكان (21/11)

  5. العلامة الخامسة: الاضطهاد ضد الذين سيبشرون بكلمة الله. (21/12-19)

  6. العلامة السادسة: حصار أورشليم وتدمير الهيكل (21/20-24)

ومن الطبيعي أن الذين يصغون الى هذه الكلمات من جماعة لوقا (سنة 85 تقريباً) سيقولون هذه الأمور كلها حدثت وتحدث أمامنا. وأن كل ذلك يحدث حسب مخطط إلهي؛ لذلك فان التاريخ لا يمكنه إلا أن يكون بين يديه، خاصة بما يتعلق بالعلامتين الأخيرتين. وسوف يستخلصون أنهم في العلامة السادسة التي كانت تحدث في حينها. وأما هذه الأحداث سيتساءلون عن الباقي من العلامات والأحداث أيضاً.

عن كل هذه الأمور سيقول يسوع في انجيل مرقس (13/8) أنها فقط البداية، فعلامات المخاض، وإن كانت أليمة بالنسبة للأم، فهي ليست النهاية، بل علامات الحياة. لذلك لا مبرر للخوف، بل هناك ما يُفرِح ويزرع الرجاء. هذا الأسلوب في قراءة الأحداث يبعث الهدوء والسلام في قلوب المؤمنين. فالقديس لوقا سيعبّر مستعملاً كلاماً آخر. (21/28)

بعد هذه المقدمة (لوقا 21/8-24) ندخل في نص اليوم:

شرح النص:

-آيات 25-26: علامات الشمس والقمر والنجوم:

تصف هاتين الآيتين ثلاث آياتٍ فلكية. هذه الآيات لم تكن قد حدث منها شيء في حقبة الانجيلي لوقا؛ وكان من الطبيعي أن يتساءل المؤمنون متى ستحدث، أن أنها ستكون فعلاً النهاية، لأنها تبدو هائلة ومخيفة لأنها تسبب الهلع والخوف لدى البشر، كما يرد في النص.

وفي الحقيقة، بالرغم من مظهرها المخيف، هذه الآيات هي ليست سلبية، هي علامات فلكية تعبّر عن بداية الخلق، الخلق الجديد الذي سيحل محل الخلق القديم (رؤيا 21/1). وهي بداية السماء الجديدة والأرض الجديدة، كما أعلن النبي أشعيا (65/17). وهكذا إذاً فهي تشكل اعلاناً يُظهِر ابن الإنسان، وبداية الأزمنة الجديدة.

-وحينَئذٍ يَرى النَّاسُ ابنَ الإِنسانِ آتِياً في الغَمام في تَمامِ العِزَّةِ والجَلال. (27):

هذه الصورة تأتي من النبي دانيال 7/1-14) الذي ينبئ أنه بعد الممالك الأربع التي سببت الويلات(7/1-8)، سيأتي ملكوت الله (7/9-14). الممالك الأربع لها هيئة حيوانات مفترسة، أما ملكوت الله فيبدو بهيئة ابن الإنسان، أي هيئة البشر العادية. أنها مملكة بشرية.

إن رسالة الجماعة الكنسية المسيحية هي بنيان هذه الجماعة البشرية، الإنسانية. إنه التاريخ الجديد، الخليقة الجديدة، التي تحتاج لمساهمتنا.

- وإِذا أَخذَت تَحدُثُ هذِه الأُمور، فانتَصِبوا قائمين وَارفَعوا رُؤُوسَكُم لِأَنَّ اِفتِداءَكم يَقتَرِب“. (28)

بصيص الأمل والرجاء:

كان يسوع يقول في بداية إنجيل مرقس (13/8) أنها آلام بداية المخاض؛ هنا في انجيل لوقا، يقول "وإِذا أَخذَت تَحدُثُ هذِه الأُمور، فانتَصِبوا قائمين وَارفَعوا رُؤُوسَكُم لِأَنَّ اِفتِداءَكم يَقتَرِب“. وهو تأكيد يدل أن هدف حديثه ليس إثار الخوف، بل لكي يبعث الرجاء والفرح في الشعب الذي كان يتألم بسبب الاضطهاد. فكلمات يسوع كانت تساعد، وساعدت الجماعة الأولى، على قراءة الأحداث بمنظار الرجاء. من يجب أن يشعر بالخوف هم أولئك الذي يتجرؤون ويضطهدون الشعب، ويفضلون مصالحهم. هؤلاء يجب أن يعلموا أن فترة سلطتهم انتهت.

-مثل التينة (21/29-33)

إن يسع يدعونا هنا لكي نحلّل الأحداث التي تمر. وكأنه يقول لنا: من التينة يجب أن تتعلّموا أن تقرءوا علامات الأزمنة وهكذا تتمكنوا من اكتشاف متى وكيف يتدخل الله في تاريخكم. ويختم مثل التينة بهذه الكلمات: "السماء والأرض تزولان أما كلامي فلا يزول". بهذه الكلمات المشهورة، يجدد يسوع الرجاء ويلمّح على الخليقة الجديدة التي ستتحقق حتماً.

-الدعوة للتيقظ والسهر (21/34-36)

إن الله يأتي دوماً! فمجيئه يحدث فجأة. ومن المحتمل أن يأتي بينما لا يلاحظه أحد (متى24/37-39). لذلك ينصحنا يسوع بالتنبّه دوماً: أولاً بأن نتجنّب كل ما يمكنه أن يتعب القلب ويزعجه (الشرود، السكر وهموم الحياة) ؛ وثانياً أن نصلّي طالبين دوماً اليقظة والاستمرار في انتظار مجيء ابن الانسان، ونحن قيام. من جهة يتطلب ذلك السهر واليقظة، ومن جهة أخرى الهدوء والسلام الداخلي الضروري لمن ينتظر. هذه هي علامات النضج لدى المسيحي الذي يعرف تمام المعرفة جدّية الالتزام، ويعي نسبية الأمور.

لكي نفهم النص بشكل أفضل:

-متى ستكون نهاية العالم؟

متى نقول "نهاية العالم"، عن أي عالم نتكلّم؟ هل هي نهاية العالم الذ يتكلّم عنه الكتاب المقدس، أم نهاية هذا العالم حيث يملك الشر الذ يسحق الحياة؟  هذا العالم المليء بالظلم يتحتّم عليه أن ينتهي.  لا أحد يمكنه أن يعلم كيف سيكون العالم الجديد، لأنه لا أحد يمكنه أن يتصوّر ماذا يحضّر الله للذين يحبونه (1قور2/9). فالعالم الجديد، عالم الحياة ، ليس عالم الموت (رؤيا21/4) يتخطّى كل شيء، كما تتخطّى الشجرة حجم البذرة (1قور15/35-38). فالمسيحيون الأولون كانوا ينتظرون معرفة هذه النهاية بفارغ الصبر (2تسالونيقي2/2؛ أعمال1/11). لكن لسنا مؤهلين لمعرفة الزمن واللحظة التي يعرفها الله الآب (أعمال1/7). والسبيل الوحيد لكي نساهم في تحقيق هذه النهاية، وأن يُطلعنا الله على مخططه الخلاصي (أعمال 3/20)، هو أن نؤدّي الشهادة للإنجيل في كل لحظة من حياتنا وأعمالنا، حتى نهاية العالم (أعمال 1/8).

-زمننا! وزمن الله!

"لا أحد يعلم لا اليوم ولا الساعة: ولا حتى ملائكة السماء، ولا الابن، بل الآب وحده" (مرقس13/32؛ متى24/36). وحد الله يحدد ساعة النهاية. إن زمن الله لا يُقاس بواسطة مقياس زمننا (الساعة أو الروزنامة). لأنه بالنسبة لله يومٌ واحد يمكن أن يساوي ألف سنة، وألف سنة يساوي يوماً واحداً (مز90/4). نحن لا نملك أية قدرة على التدخل في زمن الله أو معرفته، لأنه يخرج عن امكانياتنا؛ بل علينا أن نكون حاضرين للحظة التي فيها يتحقق فيها زمن الله في زمننا. إن ما يبعث على الطمأنينة، ليس معرفة ساعة نهاية العالم، بل هي معرفة كلمة يسوع الحاضر في الحياة. فالعالم سينتهي، أمّا كلمة يسوع فلا تزول (أشعيا40/7-8).

-بيئة النص في انجيل لوقا:

ان لغة عصر لوقا (الرؤيوية) ليست مفهومة بسهولة في أيامنا، بل كانت مقبولة في أيامه. كانت تعبّر عن حقيقة الايمان الثابتة. فبالرغم من كل المشاكل والظواهر، كان المؤمنون يريدون الاستمرار في ايمانهم والاعلان أن الله هو سيّد التاريخ. فالهدف الرئيسي للأسلوب الرؤيوي في الكتابة، هو احياة إيمان الفقراء ورجائهم. فالبعض كان ينتظر يسوع ويتعطّل عن العمل. الحقيقة بالنسبة لنا ولهم هي أننا يجب أن نتعلّم كيف ننتظر يسوع في الحياة اليومية، في عملنا والتزامنا. ويجب أيضاً أن نتعلّم قراءة علامات حضوره المستمرة في حياتنا اليومية وفي أحداث العالم من حولنا.

 

 

المزمور 46

 أَلله مُعتَصَمٌ لنَا وعِزَّةٌ نُصرَةٌ

نَجدُها دائمًا في المَضايِق.

لِذلك لا نَخْشى إِذا الأَرضُ تَقلَبَت

والجبالُ في جَوفِ البحارِ تَزَعزَعَت

 إذا عَجَّت مِياهُها وجاشَت

والجِبالُ بِطُمُوًّها رَجَفَت.

هُناكَ نَهرٌ فُروعُه تُفرِحُ مَدينةَ الله أَقدَسَ مَساكِنِ العَليّ.

أَللهُ في وَسَطِها فلَن تَتزعزَع

أَللهُ عِندَ اْنبِثاقِ الصُّبحِ يَنصُرُها.

الأُمَمُ ضَجَّت والمَمالِكُ زُعزِعَت

فرَفع صَوتَه والأَرضُ اْنحَلَّت.

رَبُّ الجنود مَعَنا إِلهُ يَعقوبَ حِصْنٌ لَنا.

هَلُمُّوا فاْنظُروا أعمالَ الرَّبِّ

مَن يُقيمُ في الأَرضِ ذُهولاً.

 يُزيلُ الحُروبَ حتَّى مِن أَقاصي الأَرض

يُحَطِّمُ الأَقْواسَ ويكَسِّرُ الرِّماح

ويُحرِقُ التُّروسَ بِالنَّار.

 كُفُّوا واْعلَموا أنَي أَنا الله المُتَعالي على الأُمَمِ

، المُتَعالي على الأَرض.

 رَبُّ الجنودِ مَعَنا إِلهُ يَعْقوبَ حِصْنٌ لَنا  

- الصلاة الختامية:

ربّ يسوع، نشكرك على كلمتك التي كشفت لنا حقيقة مشيئة الآب. دَع روحك ينير أفعالنا ويعطينا القوة لكي نتمم في حياتنا ما كَشَفَتْه لنا كلمتُك. على مثال أمّك مريم، إجعلنا قادرين على الاصغاء لكلمتك وعيشها عملياً. أنت الذي تحيا وتملك مع الآب في وحدة الروح القدس، الى ابد الابدين . آمين