صلاة الثلاثاء 29 نيسان
الصعود
أعمال 1 ومتى 28
يَومِ
رُفِعَ فيه يسوع إِلى
السَّماء، بَعدَما أَلْقى وَصاياهُ، بِدافِعٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُس، إِلى
الرُّسُلِ، أَوصاهُم أَلاَّ يُغادِروا أُورَشَليم، بل يَنتَظِروا فيها ما وَعَدَ
به الآب. فالرُّوحَ القُدُسَ يَنزِلُ علَيكم وتَنَالون قُدرَةً وتكونونَ لي
شُهودًا في أُورَشَليمَ وكُلِّ اليهودِيَّةِ والسَّامِرَة، حتَّى أَقاصي الأَرض. ولَمَّا
قالَ ذلكَ، رُفِعَ بِمَرأىً مِنهُم، ثُمَّ حَجَبَه غَمامٌ عن أَبصارِهِم. وبَينَما
عُيونُهم شاخِصَةٌ إِلى السَّماءِ وهُو ذاهِب، إِذا رَجُلانِ قد مَثَلا لَهم في
ثيابٍ بِيضٍ وقالا: «أَيُّها الجَليِليُّون، ما لَكُم قائمينَ تَنظُرونَ إِلى
السَّماء؟ فيسوعُ هذا الَّذي رُفِعَ عَنكُم إِلى السَّماء سَيأتي كما رَأَيتُموه
ذاهبًا إِلى السَّماء». )سفر أعمال
الرسل 1/1-11)
وأَمَّا
التَّلاميذُ الأَحَدَ عَشَر، فذَهبوا إِلى الجَليل، إِلى الجَبَلِ الَّذي أَمَرَهم
يسوعُ أَن يَذهَبوا إِليه. فلَمَّا رَأَوهُ سَجَدوا له، ولكِنَّ بَعضَهُمُ
ارْتابوا. فَدَنا يسوعُ وكَلَّمَهم قال: «إِنِّي أُوليتُ كُلَّ سُلطانٍ في
السَّماءِ والأَرض. فاذهَبوا وتَلمِذوا جَميعَ الأُمَم، وعَمِّدوهم بِاسْمِ الآبِ
والابْنِ والرُّوحَ القُدُس، وعَلِّموهم أَن يَحفَظوا كُلَّ ما أَوصَيتُكُم به،
وهاءنذا معَكم طَوالَ الأَيَّامِ إِلى نِهايةِ العالَم». (إنجيل القدّيس متّى
28/16-20)
حول النص
يتكلم الانجيلي في هذا النص مع جماعة يهودية
قريبة من الفريسيين، تسعى للحصول على وعود العهد القديم، تحارب روما وفي الوقت
عينه تعاني من التوترات الداخلية. هذه الجماعة بدأت تفهم أن الديانة الجديدة ليست
مثل القديمة، وبالتالي إن المسيحي ليس يهودياً. إنها أزمة الهوية المسيحية في
الكنيسة الأولى.
إن يسوع هو المسيح الحقيقي الذي يكشف وجه
الله في العهد القديم، وهو يحقق جميع وعوده للذين يؤمنون به. هذه هي التعزية
الحقيقية للكنيسة الأولى التي انقسمت عن الديانة اليهودية، وهذه ي الحقيقة التي
يجب أن يحملها من يؤمن بيسوع المسيح، ويبشر بها.
تأمل:
في الجليل بدأت رسالة يسوع؛ هناك دعى يسوع تلاميذه، وهناك
عليهم أن ينتظروه بعد القيامة. بالنسبة لجماعة لوقا الانجيلي، كل شيء يبدأ في
أورشليم، أما بالنسبة لجماعة متى فكل شيء يبدأ في الجليل. وفي كلتا الحالتي على
الرسل حمل الرسالة الى العالم الوثني بكامله. فالرسالة تنطلق من اليهود الى
الوثنيين.
الجليل هو الجبل الذي يرمز أيضاً، في هذه
الحال، الى مكان اللقاء والتجلي، حيث يريد الله أن يلتقي الانسان ويرسله: انه مثل
جبل سيناء بالنسبة لموسى الذي استلم الشريعة لشعبه؛ إنه جبل حوريب حيث إيليا اعتكف
لكي يستعيد معنى رسالته. إنه جبل التجلي حيث موسى وإيليا ظهرا مع يسوع لكي يشهدا
أنه المسيح.
في بداية الكنيسة لم يكن من السهل الايمان
بحقيقة قيامة يسوع المسيح من بين الأموات، وهذه الحقيقة الايمانية شكلت قاعدة
الايمان المسيحي ونقطة ارتكازه، منذ ذلك الوقت.
إن يسوع هو سيد التاريخ، وهو متحد بالآب
الذي سلّمه كل سلطة على التاريخ، كما سلّم الانسان الأول السلطة على كل المخلوقات،
لكن الخطيئة جعلته يفقد هذه السلطة. أما يسوع، فهو يحب الآب وبقي أميناً لمحبته،
فلم يقع في الفخ، وانتصر على الموت. وهكذا أوتي كل سلطة في السماء والأرض.
المسيح
هو أَهلٌ لأَن يَأخُذَ الكِتابَ ويَفُضَّ أَخْتامَه، "لأَنَّكَ ذُبِحتَ وافتَدَيتَ
للهِ بِدَمِكَ أُناسًا مِن كُلِّ قَبيلَةٍ ولِسانٍ وشَعبٍ وأُمَّة، وجَعَلتَ مِنهم
لإِِلهِنا مَملَكَةً وكَهَنَةً سيَملِكونَ على الأَرْض”....“والحَمَلُ الذَّبيحُ أَهلٌ
لأَن يَنالَ القُدرَةَ والغِنى والحِكمَةَ والقُوَّةَ والإِكْرامَ والمَجدَ والتَّسْبيح”...
“وله التَّسْبيحُ والإِكْرامُ والمَجدُ والعِزَّةُ أَبَدَ الدُّهور”. “آمين” (رؤيا
5)
يطلب يسوع من الرسل أن يذهبوا ويتلمذوا جميع الأمم، ويطلب منهم أن
يعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وأن يعلّموهم أن يحفظوا جميع كلامه الذي
علّمهم اياه.
أن أكون رسولاً يعني أن المعلّم قد اختارني، وأن لي علاقة وثيقة
ومباشرة به. فالرسول يعيش مع معلّمه النهار بكامله، والرسول ينطلق نحو جماعة.
فالرسول يتبع المعلّم.
يطلب قانون الكرمل في المكرسين في مدرسة إيليا النبي، أن يعيشوا
حياتهم في اتباع يسوع المسيح والتمثل به. واتباع المسيح يعني بالنسبة للمسيحيين
الأولين: أولاً، أن يسوع هو المثال الأول والأعلى بالنسبة للذين يسعون للحصول على
الملكوت، والملكوت هو أن نعيش مع يسوع ومثله. وثانياً المشاركة في حياة يسوع
ونهايته، وهذا يعني الالتزام به والعيش معه، في أوقات التجربة والاضطهادن وحمل
الصليب حتى الموت. وأخيراً إن اتباع يسوع يجعل التلميذ يكسب حياة يسوع بعد
القيامة؛ "لست أنا أحيا، بل المسيح هو الذي يحيا فيَّ" (غلاطية 2/20).
المعمودية باسم الثالوث:
إن الثالوث الأقدس، الآب والابن والروح القدس، هو النبع والطريق
والغاية. وكل انسان نال المعمودية، يلتزم بالعيش في الاخوة المسيحية والوحدة مع
الأخوة، وما يربط الاخوة في الكنيسة، هي تلك القوة التي تربط الثالوث الأقدس:
الحب. ومن يتبع يسوع حتى الموت والقيامة، يقبل القوة التي وهبها الآب الى يسوع لكي
يقوى على الشر والموت؛ وهذه القوة هي الفعل الذي يقوم بع الروح القدس يوم العنصرة
وبعددها في حياة الكنيسة.
إن القانون الرئيسي الذي ينظّم حياة المؤمنين بيسوع والآب والابن، هو
كلام يسوع في الانجيل، وفي كل مرة كا يلتقي بتلاميذه، كان يسوع يفتح أذهانهم
ليفهموا الكتب. "كلامك يا رب روح وحياة، كلام الحياة الأبدية عندك"؛ هذا
هو القانون والشريعة التي تنظم حياة الكنيسة؛ هذا هو القانون والشريعة الجديدة.
فالله الآب اختار مسيحة، موسى الجديد وطلب منا أن "نسمع له". كلامك يا
يسوع هو شريعتنا ومصدر حياتنا وفكرنا ونظام كوننا. والروح القدوس الذي ترسله كل
يوم، هو يجعلنا نفهم كل ما علّمنا. وحضوره الدائم بيننا ومعنا يشكّل مصدر قوتنا
لكي نعيش هذه الشريعة الجديدة، ضد أهواء العالم. وهذا الحضور يضمنه لنا يسوع حتى
نهاية العالم: "ها انذا معكم طوال الأيام حتى انقضاء الدهر".
يسوع أنت معي دوماً. سامحى كل مرة أنسى هذه الحقيقة وأسعى لأن أحصل
على مؤشرات أخرى لكي أثق بذاتي وبالأحداث الجارية من حولى دون أن أعود اليك. أنت
يا رب وعدت الأنبياء بأن لا تتركهم، أنت وعدت مريم بأن "الرب معك"، أنت
يا عمّانوئيل، إلهنا معنا"، أنت يا سيد التاريخ والأزمنة، تعال الى قلبي
اليوم لكي أفهم كلامك، وأثق بك، وأتعرف الى سبلك، وأستسلم الى عمل روحك، وأنطلق من
أجل البشارة التي تريدني أن أشهد لها وبها. أعطني أن أثق دائماً بحضورك في حياتي
الشخصية وفي حياة الجماعة الكنسية، وفي الكون بكامله.
يدعونا المسيح لكي نصبح نحن باسمه نور العالم والأمم التي لا تعرف
الله. فالله ليس فقط اله اسرائل، وليس فقط إله المؤمنين، ويسوع ليس فقط مخلص
المسيحيين، والأشخاص المهضومين، بل هو إله الجميع، وطالما يوجد هناك من لالا يعرف
يسوع، علينا نحن الرسل أن ننطلق باسم يسوع لكي ننير العالم والكون باسمه وبقوة
كلمته وفعل روحه القدوس.
أمام الاضطهاد والألم لا يحق للجماعة المسيحية أن تنغلق على نفسها
وتخاف من العالم وما يحيط بها من تهديد، بل عليها أن تنطلق لكي تسمح للعمل الالهي
أن يتحقق بواسطتها. فالمسيح ليس ملكاً للجماعة الكنسية، بل هي الجماعة الكنسية،
نحن جميعنا، ملكٌ ليسوع. نحن الخميرة والملح. نحن الصوت والنداء للتوبة، نحن نصرخ
بالبشرى المفرحة، نداء الحرية من الخطيئة والموت والانغلاق. وعندما ننغلق ونتوقف
عن اعلان اسم، عندها نصبح ملحاً لا طعم له وخميرة لا تخد العجين، بل لررمي خارج
الدار.
صلاة
كرمك يا يسوع وحياتك تكشف لنا عمل الآب وارادته، نشكرك دوماً على
ذاك.
دع روحك ينير عقولنا وقلوبنا، أفعالنا وسيرتنا، لكي تتحقق فينا كلمتك
ومشيئة الاب.
إجعلنا مثل مريم امّك، نصغي ونعمل حسب كلامك، أنت يا من تحيا وتملك
مع الآب والروح القدس الى أبد الآبدين آمين