دليل التائب

سر المصالحة

مقدمة

من نافل القول التأكيد أن سر المصالحة يمرّ في أيامنا بأزمة خطيرة. والاسباب تعود الى نواحي كثيرة منها ضياع معنى الخطيئة، وعدم الإيمان برحمة الله، وإنكار دورالكاهن والاسرار. اما بالنسبة الى كثير من المسيحيين، فالصعويات هي عملية اكثر منها لاهوتية:

·                   كيف اجد كاهنا لا يزال مستعدا لسماع اعترافي؟

·                   لقد جرت عدة تغييرات منذ طفولتي، فلا اعرف ما العمل الآن.

·                   اريد ان اعترف بطيبة خاطر، لكني لا اعرف ماذا اقول.

·                   نسيت فعل الندامة، فهل هذا خطأ جسيم؟

·                   اما زال ضروريا الدخول في كرسي الاعتراف؟

·                   أردد دائما الاخطاء نفسها: فما نفع الاعتراف؟

إزاء هذه الحالة، تبرز عند التائب حاجة ملحة الى دليل يرفع من امامه بعضا من هذه العقبات. وهذه الصفحات تريد ان تعطيه فكرة. ولا هدف لها الا شرح صدر التائب لكي لا يبحث، أول ما يبحث في الاعتراف، عن" طريقة الاستعمال"، بل عن رحمة الله التي سيحتفل بها فرِحا.

1 - متى يجب ان نعترف؟

عندما نقع في خطيئة مميتة، يجب اللجوء الى سر المصالحة بأسرع وقت ممكن[أ‌]. والكنيسة تلزم المؤمنين، بنوع خاص، أن يعترفوا بخطاياهم الجسيمة، أقله مرة في السنة، وعادةً قبل عيد الفصح. وحتى لو لم نكن ندرك اننا ارتكبنا خطيئة جسيمة، فخيرٌ لنا وانفع،  ان نعتاد على الاحتفال برحمة الله وقبول سر المصالحة. ويمكننا الاعتراف قبل كلٍّ من الاعياد الكبرى كالميلاد والفصح والعنصرة والانتقال وجميع القديسين؛ او في مناسبات الحياة الكبرى مثل نوال سر التثبيت؛ وفي تذكار العماد السنوي؛ وقبل قرار هام... ويهمّ الازواج ان يحتفلوا، مثلا، بذكرى زواجهم، بإقدام كلٍّ منهم على الاعتراف فتتجدّد بذلك نعمة زواجهم وفرحُها.

وتشجّع الكنيسة المؤمنين على عيش الاعتراف التقوي، وذلك بقبول سر المصالحة بتواتر، مرة في الشهر بل وفي الاسبوع ، للاحتفال برحمة الله. ومن المؤكد ان اللجوء الى سر المصالحة ليس ضروريا ان لم نرتكب خطيئة جسيمة. اما الخطايا العرضية فتُغفر لنا بوسائل أخرى كثيرة، خاصة الصوم، والصدقة ، والصلاة، واي عمل رحمة يحرِّك محبتنا. والمشاركة التقوية في القداس هي ايضا وسيلة عادية لنيل غفران خطايانا الخفيفة. إلا ان اعترافنا المتواتر بخطايانا، حتى العرضية منها، هو ممارسة ممتازة لا يزال تعليم الكنيسة الرسمي يدعو المؤمنين اليها، وهي تتابع ، نوعا ما، الحوار المتواصل بين بؤس الانسان ورحمة الله.  كما انها تدرِّب المسيحي على سهر النفس وعرفان الجميل نحو الله، وتساعد بشكل فعال على اجتناب الخطايا الجسيمة ، بل تشكل علاجا وقائيا. وهي تساعدنا، في الوقت نفسه، على اقتلاع جذور الخطيئة كلها، حتى ليمكننا القول، مع البابا بولس السادس" إن الاعتراف المتواترهو ينبوع فريد للقداسة والسلام والفرح.

2 - أين يجب الاعتراف؟

هناك مبدآن يوجِّهان اختيار مكان الاعتراف:

أ – سر المصالحة هو احتفال ليترجي.

العنوان المذكور في كتاب الرتب،"الاحتفال بالتوبة والمصالحة"  له مغزاه في هذا المجال. فالاعتراف الطقسي ليس محادثة فردية، بل إنه ليترجيا، أي إنه عمل شعب الله كله. لذلك يجب ان يُظهر ترتيبُ المكان هذه الناحية قدر الامكان. وأنسب مكان لإظهار بُعد التوبة الكنسي يبقى بناء الكنيسة نفسه. لذلك يُفضَّل، كلما كان ممكنا، الاعتراف في الكنيسة الرعائية.

ب – التائب له الحق بكتمان وافٍ.

إن أمثال نيقوديموس المعاصرين، يحقّ لهم دائما أن يأتوا ليلا (يوحنا 3/2) في ظل كرسي الاعتراف للقاء المسيح. والحق القانوني العام (1983) يوصي بصراحة، بأن لا تُسمع اعترافات خارج كرسي الاعتراف، الا لسببٍ وجيه. (قانون 964  مقطع 3). وقد ذكَّر البابا يوحنا بولس الثاني، مراتٍ عديدة، بهذه الترتيبات القانونية؛ الا ان كتاب الرتب يسمح ، إن رغب التائب في ذلك، بأن يُسمَع اعترافه في مكان آخر يتيح الجلوس ويسهِّل الحوار. والمثال على ذلك مكاتب الاستقبال الرعائية، القائمة غالبا في الكنيسة الرعائية نفسها؛ وفي هذه الحالة، يُحرَص على ان يُظهرَ تجهيزُ المكان (سجدة، مصلوب، أيقونة...) والاشخاص ( ثياب ليترجية) الناحية الليتورجية في تلك الممارسة.

3 -  أي معرف أختار؟

أيَّ معرف أختار: أكبرهم سنًّا؟ أحكَمهم؟ أوسَمهم؟ أشدَّهم صمماً؟ مع العلم ان القانون الكنسي يترك للتائب حريةً كبيرة في الاختيار: " كل مؤمن حرٌّ بأن يعترف بخطاياه لمن يفضِّل من المعرفين الذين نالوا موافقة كنسية عادية، حتى ولو كان المعرف من طقس كنسي آخر" (الحق القانوني 991). الا ان مساحة هذه الحرية تضيق في الواقع، بسبب قلة الكهنة المتوافرين. ومع ذلك، يطرح السؤال: متى كان ممكنا، بأي مقاييس نختار معرفنا؟ هاك بعض المبادىء تساعد التائب في اختياره.

في سر المصالحة، الكاهن يعمل "في شخص المسيح". فالمسيح "هو الذي يصبح حاضرا بواسطة الكاهن، وبه يتمِّم سر غفران الخطايا". فيجب ان نتذكَّر، دوما، هذا اليقين الإيماني ، مما يقلل من اهمية اختيار المعرف. وهذا الاخير ليس الا خادما، وأداة يستعملها الله. يقول القديس أغسطينوس:" عندما يعمِّد بطرس،  إنما يسوع يعمِّد. وعندما يعمِّد يهوذا، إنما يسوع يعمِّد". وبكلام آخر، أنما المسيح يعمل دوما في الاسرار؛ واذا نقصت القداسة في الخادم فلا ينال النقصُ من قيمة السر المقبول. المهم هي غفران الله الذي نناله بالحلة السرِّية. وهذه النعمة يمكن أن تأتينا بواسطة خدمة الكاهن الذي هو أيضا خاطىء. ولنستعِد هنا الصورة التي كان يستعملها خوري أرس: ليس المهم أن يكون القُمع من ذهب او من نحاس، بل المهم هو شراب النعمة.

وبناءً عليه، يبدو ان بعض اللامبالاة – بالمعنى الروحي للكلمة- يكون في محله عند اختيار خادم الاعتراف. ومع ذلك، يجب الا ننسى ان دور الكاهن في سر التوبة لا يقتصر على إعطاء الحلة. إضافة الى ذلك، للكاهن دور الإصغاء والنصح. فهو خادم الرب،ويعمل في الوقت نفسه، كقاضٍ وطبيب. القاضي لا يمكنه ان يحكم في قضية إلا عن حسن معرفة بها. والطبيب يعالجنا بطريقة أفضل كلما ازداد معرفة بحالنا. فكما يحسن بان يكون لنا طبيبٌ معالج، كذلك من المستحسن ان يكون لنا معرف اعتيادي، قد يكون مرشدَنا في الوقت نفسه، او كاهن رعيتنا، او مرشد الجمعية، او أي كاهن آخر اخترناه معرِّفا اعتياديا. ومن البديهي ان تتحكَّم بهذا الاختيار مقاييس مختلفة مثل العمر، والتقارب الروحي، والثقافة، والحكمة، والخبرة... ومتى عرف المعرِّف التائب الحاضر أمامه معرفةً جيدة، استطاع بسهولة اكبر إسداء النصح الاصلح له، وخاصة، أن يساعده على الشفاء من خطيئته، فارضًا عليه عمل توبة، مناسبا لحالته.

 والكاهن، اعتياديا كان ام بالمصادفة، مُلزم  بكتمان السر كتمانا مطلقا. وهذا الكتمان لا يقتصر على عدم إفشاء الخطايا المعترف بها، لكن أيضا غلى الا يخون الكاهن الخاطىء ابدا بأيّ كلمة أو إشارة أو أية طريقة كانت. فعدم إفشاء سر الاعتراف يسري على ما هو أبعد من الخطايا المعترف بها، ويندرج على كل ما قد يكتسب الكاهن، خارج الاعتراف، من معلومات قد تُنذِر بإيذاء التائب او تشويه سمعته.  ومن أجل تجنيب المعرِّف المواقف الحرجة، من المفيد الا نختار معرِّفا مَن كنَّا مضطرين الى التعامل معه عن قرب. فالواهف[ب‌] مثلا، القائم على خدمة الكنيسة، يتجنَّب الاعتراف لدى كاهن رعيته، والسبب ليس قلة ثقة برصانة الكاهن، بل لئلا يضعَ الكاهن في موقف حرج.

فإذا تسلّح المؤمن بهذه المبادىء الموافقة للإيمان والذوق السليم، عليه ان يطلب نور الروح القدس فيقوم باختيار المعرِّف من خلال حرية أبناء الله المقدسة. ولا يهملنّ الصلاة من اجل الكاهن، خادم الرب، الذي سيمنحه سر التوبة.

4 - أيّ مكان لكلمة الله؟

حسب توصيات المجمع الفاتيكاني الثاني، كل احتفال ليترجي يجب ان يضمّ من بين كالعناصر الاساسية، قراءة من الكتاب المقدس. وفي أثناء  رتب التوبة، يُترك مكان فسيح لليترجيا الكلمة التي يمكن ان تحوي عدة قراءات كتابية تليها عظة المحتفل.

يجب، اذا، ان نترك مجالا واسعا لسماع كلمة الله، حتى في الاعتراف الفردي. وللآسف، قلة من المسيحيين مطّلعون على هذه الدعوة الى سماع الكلمة، كما ان كثيرا من المعرِّفين لا يرون طريقة عملية لتطبيق هذه الدعوة. مع ان كتاب الرتب الجديد يضع في أولى اهتماماته هذه الناحية الكتابية في سر التوبة والمصالحة. فالتائب مدعو، قبل الاعتراف بخطاياه، الى قراءة نص من الكتاب المقدس والتأمل فيه. ولا يخف من المجيء الى كرسي الاعتراف حاملا كتابه، يقرأ منه مقطعا بصوت عال امام المعرف. وإن أهمله، يمكن المعرِّف ان يختار مقطعا كتابيا يقرأه للتائب في أثناء الرتبة. ويجب ان نقوم بفحص الضمير دائما على ضوء كلام الله. يقول كتاب الرتب: "إن كلمة الله، تنير بالفعل، المؤمن ليعرف خطاياه، ويدعوه الى الارتداد والثقة برحمة الله".

وتيسيرا لهاذين السماع والإصغاء، فليُعنَ الرعاة، مثلا، بأن يضعوا بتصرف التائبين، قريباً من كرسي الاعتراف، مقاطع مختارة من نصوص كتابية مناسبة.

5 - أي خطايا نعترف بها؟

أن الاقرار بالخطايا هو، بدون شك، أكثر ما يميز سر التوبة من الناحية النفسية. والصعوبات كثيرة. وتبسيطا للأمور، نذكر ثلاث فئات من المؤمنين:الذين لا يعترفون أبدا بخطاياهم؛الذين مللوا من تكرار الخطايا عينها دائما؛الذين لا يجرؤون على البوح يخطاياهم.

أ- لا اعرف ماذا أقول

كثير من المسيحيين يبدون غير قادرين غلى تمييز الخطيئفي حياتهم. وقد لا يرفضون الاقرار بها إم استطاعوا اكتشافها. لكنهم، مع إقرارهم بأنهم خطأة، لا يرون على ما تقوم خطيئتهم. تلك من أهم العقبات التي تُبقي المؤمنين بعيدا عن الاعتراف. فهم لا يعرفون ماذا يقولون، ولا يستطيعون تمييز الخطيئة وفضحها، والابتعاد عنها. والكبار منهم يقولون : في عمري، بمَ تريد، يا أبتِ، ان اعترف؟ هذه العبارة التي نسمعها، غالبا، تتركنا حيارى. كأني بهم يتحسَّرون على انتفاء قدرتهم على الخطيئة. " إلهي، أنا آسف جدًّا لاني لم اعد قادرا على ان أخطأ". وبما ان الشيخوخة تبعد عن النشاطات السابقة في الحياة، يظنّ الشيوخ انهم يستحيل عليهم ان يخطأوا بعد اليوم؛  كأن الخطيئة محصورة، فقط في مجال العمل، او فقط في مجال الحياة الجنسية، او في أنها بعيدة عن مجال الفكر او القول  او الاهمال.

ولدى الاصغر سنا، يقوم المعرف بدور الدركي، فيسمع: "ليس لديّ شيء اصرّح عنه". لان معنى الخطيئة قد اكتنفه الغموض الى حدِّ أن كثيرين منهم يسألون أنفسهم: ماذا يمكنني أن أقول للكاهن؟ وللأسف ليس نادرا ان يخترع بعضهم خطايا ليتأكدوا ان لديهم  ما يقولونه للكاهن.

من الاهمية بمكان ان نكون لدينا مفهوما واضحا لماهية الخطيئة. ولنتذكّر أنه لا تُرتكب خطيئة جسيمة الا بفعل ارادة؛ فلا تٌرتكب خطيئة في أثناء النوم، مثلا. ومع ذلك،لا يخفِ التائب من أن بعرض للكاهن أحداثا وأفعالا وحركات وأقوالا لا يعرف بوضوح أن كانت خطيئة ام لا . فالمعرّف حاضر في هذه الحالة ليساعده على التمييز.

ولا يقتصرنَّ الإقرار على بعض الخطايا العامة :كأن يقول التائب: انا متكبر، شره، بلا رحمة. فما علينا اإقرار به ليس النقائص او الميول؛ انما افعال او واجبات عملية اهملناها. وغالبا ما نسمع نواعا من الاترافات التي لا تورّط احدا، يقر فيها التائب بأنه خاطىء مثل جميع الناس، ويقر، بعبارة عامة ومجرّدة، بأنه زلّ في مجال المحبة. فلا يجوز ان يُخفي الإقرار فعل الخطيئة في صيغة الحاضر بشكل غامض كأن يقول: "انا أكذب"، بل يلزمه ان يدلّ على عمل معيّن ميّزه ويتأسف عليه: "كذبت على شخص في ذاك الظرف...". ولا يعترفنّ بأنه خاطىء، بل: "إني خطئت في تلك المناسبة". وعندئذ يتحول فعل الاعتراف من صيغة الحاضر الغامض الى صيغة الماضي. والاطفال، في هذا المجال، يبدون أكثر ارتياحا من البالغين: فالولد لا يقول إنه عنيف، بل إنه شد أخته الصغرى بشعرها في تلك المناسبة. وغالبا ما تؤثرالمناسبة في قيمة العمل الاخلاقية: فارتكاب خطيئة شراهة، يوم الجمعة العظيمة، أشدّ جسامة من ارتكابها في أي يوم آخر. أو ان يكذب الولد على والديه أفظع من أن يكذب على استاذه. عندما يقول المؤمن " أنا أعترف" يقرّ بأنه أخطأ بالفكر، وبالقول، وبالإهمال: من منا لم تخطر بباله أفكار سيئة، اوتفوّه بكلمات مشينة؟ وغالبا ما نعتبر ان ليس هناك من خطيئة الا بالفعل، وننسى المجال الواسع للخطيئة بالقول: من غضب على أخيه استوجب حكم القضاء، ومن قال لاخيه:" يا أحمق" استوجب حكم المجلس (متى 5 /22) . وللخطيئة بالفكر مجال أكثر اتساعا: من نظر الى امرأة بشهوة، زنى بها في قلبه(متى 5/28). ومجال الخطايا بالإهمال يتّسع بلا حدود: جعت فما أطعمتموني (متى 25/42). لأنه يجب علينا أن نعترف، ليس فقط بما ارتكبناه من شرور، بل أيضا بما كان يمكننا أن نقوم به من عمل صالح وأهملنا عمله.

ب - أقول دائما الخطايا نفسها

بعض التائبين يصادفون عقبة أخرى أمام الاعتراف وهي أنهم يعون جيدا خطاياهم، لكنهم ملّوا من العودة باستمرار الىالوقوع فيها دائما. فما نفع تكرارالاعتراف بالخطايا نفسها التي لا اتوصَّل الى التخلُّص منها؟ واعترافاتي المتتالية بها لم تجعلني أفضل مما كنت.

من حسن حظنا اننا لسنا ملزمين بابتكار خطايا جديدة لكي نعترف بها. بلى، إن الخطيئة رتيبة ومملّة الى حد القرف! فنشكر الله على أنه يحفظنا من اقتراف خطايا أخرى! ومن يعلم أيَّ مسخٍ كنا أصبحنا لو لم ننل نعمة تكرار الاعترافات؟ ويقال أيضا: "وما نفع الاعتراف بالخطايا إن كنا سنعود الى اقترافها؟ فنسأل أيضا: لماذا  أعود الى الطبيب إن كنت قد أصابني الرشح السنة الماضية؟ فذات المرض يتطلّب ذات العلاج كل مرة نصاب به. ولكن إذا عاودنا المرض بتواتر قد نضطر الى إجراء عملية أكثر فاعلية أو أشد قساوة. لكن يبقى أنه يجب معالجة الامراض كلما أصابتنا. كذلك الامر مع الخطيئة: يجب ان نعترف بها كل مرة نرتكبها.

ومن المؤكد أن شيئا من الإذلال يصيبنا من جرّاء خطايا لا نستطيع التغلب عليها ونعود الى السقوط فيها بدون توقف. الا ان هذا الاذلال قد يصبح نبع تواضع، أي نبع تعمة. بهذه الطريقة شرح القديس أغسطينوس كلام بولس الرسول: "كل شيء يؤول الى خير الذين يحبُّون الله (روم 8/28)، ويضيف: حتى الخطيئة. وربّ خطيئة أقرّ بها التائب بتواضع، انقلبت نعمةً لان الله يمكنه ان يُخرج الخير من أي شر. والتقدم الروحي الحقيقي، لا نجده يالضرورة حيث نريد أن نجده. فقد لا أصِل الى نتائج ظاهرة في مجال العفة أو الصراحة، مثلا؛ لكني أضع كلّ هذا البؤس بين يدي إله الرحمة، فأنمو في الثقة بالله وفي الرأفة بالخطأة.

ج – لا أجرؤ على قول كل شىء للكاهن

سببان قد يمنعانني من الاعتراف بخطاياي الى الكاهن: جسامة الخطايا أو وفرة عددها.

هناك خطايا يصعب الاقرار بها: ماذا سيظن بي الكاهن؟ وبعضهم تسمّرهم صعوبة البوح النفسية، هذه، عند باب سر الاعتراف. لذلك يحسن بنا التذكير بأن الكاهن نفسه خاطىء أيضا يلتجىء هو، ايضا، الى سر المصالحة. كما أن خدمته كمعرِّف تعطيه بعضا من معرفة بخطايا البشر. لذلك فقد يكون أقل استفظاعا مما نظنّ، لخطيئة جسيمة  يُعترف بها؛ فهو خادم الكنيسة "الخبيرة بالبشرية". وكما يقول برنانوس: "الكنيسة عاملة تنظيفات قوية الساعد"، لا تخيفها الخطيئة؛ وهي تنظر الى الخطيئة وجها لوجه، بهدوء، لا بل إنها، على مثال ربنا، تحملها على عاتقها، وتتحمل مسؤوليتها.والكاهن على الأخص، ليس الا خادم الله. فلم يدخل كرسي الاعتراف ليدين أو يعاقب، بل ليخدم رحمة الرب. "عندما يحتفل بسر التوبة، يتمِّم الكاهن خدمة الراعي الصالح الذي يطلب النعجة الضالة، وخدمة السامري الذي يضمد الجراح، وخدمة الآب الذي ينتظر الابن الشاطر ويستقبله عند عودته [ت‌]. كل ذلك يحملنا على الظن أن الكاهن يُسرّ بالموقف المتواضع الذي يتخذه التائب الواثق بالله ثقةً يستطيع معها الا يخفي حتى أشد خطاياه جسامة.

لكن الجسامة ليست السبب الوحيد الذي يُقعِد التائب؛ بل غالبا ما يكون السبب، أيضا، عدد الخطايا. كيف يمكنني الإقرار بكل ما صنعت من شرور؟ لا بد هنا من التذكير بأن الكنيسة تطلب الإقرار بجميع الخطايا الجسيمة التي نعي، بعد فحص ضمير جدّي، اننا ارتكبناها. لكننا لسنا ملزمين بالاعتراف يجميع الخطايا. ومن يستطيع القيام بذلك "إذا كان البار يخطأ سبع مرات في اليوم"؟ فيجب الحذر من الوقوع في بحث موسوس وكامل عن أصغر الخطايا العرضية. لا بل يجب ان نركِّزَ الالحاح على صدق الندامة الشخصية منه على دقة التفصيل الموسوَس في البوحز لذلك يجب اجتناب الوسواس كما يجب اجتناب التراخي السطحي.

6 -بأي عمل توبة أقوم؟

أ - ما هي التوبة؟

قبل ان يعطي الكاهن الحلة، يفرض على التائب تتميم عمل توبة يسمى أيضا تعويضا. ومن البديهي أن التوبة ليست ثمنا يُدفع لنوال الغفران.غن هذا الغفران ، قد دفع يسوع ثمنا كاملا ببذل حياته فداْ عن كثيرين (مرقس 10/45). وهب ليست قصاصا بل علاج.وكتاب الرتب يشير الى هذ1ه الناحيةالعلاجية في التوبة: الكاهن يفرض على التائب عملا لا يكون فقط تعويضا عن الماضي؛ بل عون لتجديد حياته وعلاج ضعفه. لذلك يجب ت تناسب التوبة، قدر الامكان، جشامة الخطايا وطبيعتها.

من المؤكد أن التعويض هو، نوعا ما، عدالة، وتكفيرعن الخطيئة المقترفة.  لكن التركيز يسري على التوبة من حيث كونها علامة ارتداد. والكاهن مدعو الى توجيه التائب نحو المستقبل، وإعطائه، من خلال الحوار، نصائح تلائمه وتثبِّته في مقاصده، والى حثِّه بكلا مه على التوبة الصادقة والثقة بالله. ويذكِّره بإنجيل الرحمة وبمحبة المسيح للخطأة. وبوسعه ان يوفِّر له نصائح حكيمة ويشجعه على تجديد سيرته.

ب – كيف نحدد عمل التوبة المناسب؟

بالحوار بين الكاهن والتائب، يصير البحث عن أنسب عمل توبة. وكتاب الرتب يشير  صراحة  الى أن الكاهن والتائب يبحثان معاً عن عمل توبة ملائم، تماماً كما يبحث المريض مع طبيبه عن أفضل دواء لمعالجة دائه.

ومن المعر