الإرتقاء إلى جبل الكرمل

الكتاب الأول

 

توطئة

1- قد يلزم تجربةُ وعلمُ غيرَ تجربتي وعلمي للكشف عن خفايا هذه الليلة المظلمة التي تمرُّ بها النفسُ لتصلَ إلى النور الإلهي للإتحاد الكامل في محبة الله (كما يمكن بلوغه في هذه الحياة). فمن أجل الوصول إلى هذه الحالة من الكمال دَأبت النفوس السعيدة على معاناة الظلمات، ومكابدة المشقّات الروحية والزمنية، وهذه وتلك متعددة وعميقة بحيث يَعصى فهمها على العلم البشري وكشفها على التجربة. وحده من مرّ بها يستطيع أن يحسّها، لكنه يعجز عن التعبير عنها.

2- من أجل ذلك فإنني في محاولتي أكتناه بعض جوانب هذه الليلة المظلمة لن أعتمدَ كليّاً لا على التجربة ولا على العلم لأن كليهما قد يخدعانني وقد يعوزانني، إلا أنني مع توسلهما في ما يستطاع سأستند إلى ما ورد في الكتاب المقدس لشرح كل ما ينبغي لي، بفضل الله، شرحُه، أقلّه في ما بانت أهميتُه أو زاد غموضُه. ولا ريب في أنّ من استرشَدَ الكتاب المقدس تنـزّه عن الضلال، فليس هو من يتكلم بل الروح القدس. فإذا ما وقعت في الخطأ في قضية ما لعجزي عن فهم ما سأقوله على هدي الكتاب ومن دونه، فليس قصدي أن أبتعد عن جادة الصواب وعن عقيدة أمنا الكنيسة الكاثوليكية، وإذاك أعلن خضوعي الكامل ليس لأمرتها فحسب بل لأي رأي أفضل وأي حكم أصوب.

3- ولقد تجشّمت عناء هذا البحث الصعب ليس بدافع ما أعهده في نفسي من قدرة، بل عن ثقة بأن الرب سيساعدني على الخوض في بعض جوانبه نظراً إلى حاجة النفوس الماسّة إلى من يرشدها في سعيها في طريق الفضيلة؛ فما أن تبدأ هذه النفوس خطواتها الأولى في هذه الليلة المظلمة التي يريدها الرب أن تجتازها قبل بلوغ الإتحاد الإلهي، حتى تبدو حاجتها إلى عدم تخطّي الطريق، وهو تخطّ يراودها تارة لعدم رغبتها في ولوجه أو لعدم اسلاس قيادها فيه، وطوراً لعدم فهمها إياه جيداً ولفقدان المرشدين القادرين والمتنبهين الذين يأخذون بيدها إلى القمّة. وهكذا فإنه لَمِمَّا يُثير الشفقة أن نشاهد نفوساً كثيرة حباها الله الموهبة والنعمة لكي تتقدم في سيرها بحيث تستطيع بلوغ هذه الحالة السامية، إن هي أقدمت، ومع ذلك نراها تستمر في طريقة تعامل مع الله متأخرة، لعدم رغبتها أو معرفتها، أو لعدم توجيهها وإرشادها كيف تتحوّل عن بداياتها هذه. وفي نهاية الأمر، بالرغم من أنّ ربنا يحبوها بنعمة لدرجة أنه يجعلها تجتاز الطريق دونما حاجة إلى هذه أو تلك من وسائل التوجيه والإرشاد، إلاّ أنها لا تبلغ القمّة إلا متأخرة جداً وبشق النفس، مما يقلل من استحقاقها لأنها لم تكيّف أمرها وفق إرادة الله ولم تسلس إليه قيادها بحرية ليضعها في الطريق السوي والأكيد للإتحاد. فمع أنه صحيح القول أن الله الذي يرشد هذه النفوس يستطيع أن قودها من دون توجيه وإرشاد بشريَّين، غير أنها بعدم اسلاس قيادها تسير ببطء يتناسب مع مقاومتها مرشدها وبعدم بذلها قصارى إرادتها تخفف من استحقاقها. فثمة نفوس بدلاً من أن تستسلم لله وتنتفع بنعمه، تعرقله بفعلها المتطفّل أو بنفورها، على غرار ما يفعل الأولاد الذين لا يريدون أن يحملهم أهلهم فيصرخون ويعاندون لكي يتركوهم يمشون وحدهم، فلا يتقدمون البتة، وإذا أنجزوا مشية ما فلا يعدو كونها مشية أطفال.

4- من أجل ذلك، ولكي تعرف هذه النفوس كيف تدع الله يقودها عندما يريد لها أن تسير قدماً إلى الأمام، نعطي هنا، بمساعدته تعالى، طريقة تعليمية وإرشادات تتيح للمبتدئين، كما للمتقدّمين، أن يتفهّموا سبل الإنقياد إلى الله، أو أقلّه أن يستسلموا إليه. فهنالك بعض المرشدين والآباء الروحيين الذين بسبب افتقارهم إلى العلم والخبرة في هذا المجال يدأبون على الأضرار بهذه النفوس، وبدلاً من أن يساعدوها على التقدّم في طريق الكمال يمنعونها من ذلك، متمثّلين بعمّال برج بابل الذين بدلاً من أن يقدموا المادة المناسبة كانوا يعطون ويستعملون مادة أخرى مختلفة تماماً، وبسبب عجزهم عن التفاهم لم يكن يتقدم العمل (تكوين11/7-8). وعلى هذا، فكم هو شاق ومضنٍ أن تعجز النفس في ظروف كهذه عن فهم ذاتها وأن لا تجد أحداً يفهمها! لأنه سيتفق لها أن يقودها الله في طريق سامٍ جداً من الإستغراق في التأمل الغامض برود العاطفة، حيث يبدو لها أنها هالكة، وإذ هي محاطة هكذا بالظلمة والمشقات والضيق والتجارب ستصادف أمثال مصبِّري أيوب الذين سيقولون لها إن ذلك ناشىء عن سويداء أو قنوط أو خِلط ما، وأنه قد تكون فيها علة خبيثة خفيَّة، بسببها تخلّى الله عنها بهذا الشكل(أي 4/8-11). وفي الحال يُصدرون حكماً بأن هذه النفس لا ريب في كونها شريرةً جداً لأنها تعاني من أمور كهذه.

5- وهناك آخرون يقولون لها أنها تسير القهقري لأنها لم تعد تجد، كما في السابق لا لذة ولا عزاء في الالهيات. وهكذا يضاعفون عناء وقلق هذه النفس المسكينة؛ ذلك أنه سيتفق أنّ العناء الأكبر يتأتّى من معرفة النفس بؤسها الخاص إذ يتبيّن لها أجلى من الشمس أنها مملوءة شرّاً وخطايا – سنبيّن في ما بعد أنّ الله يفيض عليها نور المعرفة في ليل الإستغراق في التأمل – وبما أنها تجد من يوافقها الرأي ويقول لها أنها مسؤولة عما تعانيه، فإن عناءها وضيقَها يتضاعفان فيها بلا حدود وقد يبلغان مبلغا يهون معه الموت. وهؤلاء المرشدون لا يكتفون بما سبق، بل يتصوّرون أن عناء النفوس ناجم عن خطاياها، ولذا يفرضون عليها أن يعاد التنقيب في سلوكها السابق عبر عدة اعترافات عامة، معيدين صلبها من دون أن يعوا أنّ الوقت غير مناسب لمثل هذه الأمور وأنه يتحتّم عليهم أن يَدعوا هذه النفوس وشأنها في مرحلة التطهير التي أوصلها الله إليها، بل ان يعزّوها ويشجعوها على تحمّل حالتها إلى ما شاء الله. فخارج هذا الإطار لا جدوى البتة مهما فعلت هذه النفوس ومهما قال هؤلاء المرشدون.

6- يترتب علينا أن نبحث هذا الأمر بعون الله لنقولَ كيف يتعيّن حينئذ على النفس أن تنقادَ، وعلى المرشد أن يقودَها، وما هي الدلائل التي نستدل منها على أن ما يجري هو فعلاً تطهير للنفس، وفي حال الإيجاب هل هو تطهير للحِس أم للروح (وهذه هي الليلة المُعتِمة التي نعنيها)، وكيف يمكن معرفة ما إذا كان ما بالنفس سويداءَ أو غيرها من الشوائب العالقة بالحس أو بالروح. ثم إننا قد نجد بعض النفوس التي ستفكر – أو أن مرشديها سيفكرون عنها – أن الله يقودها في طريق ليلة التطهير الروحي المعتمة، فيما الواقع أنّ هذا التصور ان هو إلا شائبة في هذه النفوس. وثمة أيضاً نفوس عديدة تظن أن ليس لها صلاة عقلية ومع ذلك فهي تملك الكثير منها؛ وغيرها، على العكس، تظنّ أنها غارقة فيها فيما هي لا تعرف منها غير القشور.

7- ومن النفوس من تثير الشفقة لفرط ما تتعب وتجهد ورغم ذلك ترجع القهقرى لأنها تصرف ثمرة تقدمها في ما لا يفيد ولكن، على العكس، يضر ويعرقل. ومنها من تستفيد كثيراً براحة وطمأنينة. ومنها أيضاً من تُربكها حتى النعم والأفضال التي يهبها إياها الله من أجل تقدّمها فتسبب لذاتها العراقيل ولا تتقدم في هذا الطريق الذي يحصل لمن يتّبعه أمور كثيرة ، من أفراح وأتراح، وآمال وآلام: منها ما ينشأ عن توق النفس إلى الكمال، ومنها ما يصدر عن شوائب فيها، وهي أمور سنتولّى، بعون الله، الإحاطة بها لكي يرى القراء، بشكل ما، الطريق الذي يسلكونه وذاك الذي يتوجّب عليهم سلوكه فيما لو طمحوا إلى الإرتقاء إلى قمّة هذا الجبل.

8- لا يعجَبنّ القارىء إذا بدت له مبهمة نوعا ما هذه الطريقة عن الليلة المعتمة التي من خلالها يجب على النفس أن تذهب إلى الله، أقله في بداية عرضها؛ فهو إن تابع القراءة سيزداد فهما للبداية لأن المواضيع المعروضة يشرح بعضها بعضاً ويكمّله، حتى إذا أعاد القراءة اتّضح له كلّ شيء وبدت له الطريقة أكثر تماسكاً وصواباً، أو هذا ما إخاله على الأقل. أما إذا وجد بعض أشخاص لم ترضهم هذه الطريقة فذلك متأتّ من قلة علمي ومن أسلوبي الإنشائي الركيك وغير المتقن، لا من مادة البحث وهي في حدّ ذاتها جيدة وضرورية جداً. ومع ذلك يبدو أنه حتى لو عولج هذا الموضوع بطريقة أكثر إنجازاً كمالاً مما هو وارد هنا فلن يتذوقّه سوى عددٌ قليل نظراً إلى أن البحث هنا لا يتناول القضايا المناقبية والطيّبة المذاق بالنسبة إلى جميع الروحيين الذين يودون الذهاب إلى الله بالحلاوة والعذوبة، بل هي طريقة جوهرية ومتينة، صالحة لهؤلاء ولأولئك إذا رغبوا فعلاً في بلوغ العري الروحي الذي نتحدث عنه هنا.

9- وفوق ذلك فليس قصدي الأساس أن أكتب للجميع، بل أن أتوجّه إلى بعض الأشخاص من رهبنتنا المقدسة، من الرعيب الأول في "جبل الكرمل"، أكانوا من الرهّابين أم من الراهبات، الذين طلبوا إليّ أن أكتب ما كتبت – والذين أنعم الله عليهم بأن وضعهم على درب هذا لجبل، وهم لتجردهم الكامل عن الأشياء الزمنيّة لهذا العصر سيفهمون أفضل من غيرهم هذه الطريقة عن عري الروح.

 

الباب الأول

وفيه شرح لما يعني المؤلف بالليلة المعتمة، وتشديد على ضرورة المرور بها من أجل بلوغ الإتحاد مع الله. يبحث بنوع خاص في اليلة المعتمة للحس والشهوة وفي ما تلحقه من أذيّة بالنفس.

 

الفصل الأول

الدور الأول

يميّز نوعين من لليالي التي يجتازها الروحانيون طبقاً لجزئي الإنسان العلوي والسفلي.

1

في ليلةٍ مُظلمة

والحبُ المفعم قلقاً بُلهِبُني

ايه ! يا لَلحظ السعيد!

خرجت متوارية عن الأنظار

فها قد أصبح بيتي هادئاً.

1- في هذا الدور الأول من النشيد تغنّي النفس الحالة والمغامرة السعيدتين، وقوامها تخلّيها عن كل الأشياء وعن الشهوات والشوائب الكامنة في الجزء الحسّي من الإنسان، بسبب اضطراب العقل. لفهم هذا علينا أن نعلم أن النفس في سعيها إلى بلوغ حالة الكمال لا بدَّ لها أولاً، وفي الظروف العادية، أن تمرّ بنوعين رئيسيين من الليالي يسمّيهما الروحانيّون تطهيرات أو تزكيات للنفس، ونحن هنا ندعوهما ليالي نظراً إلى أن النفس، في هذه الليلة أو تلك، هي كالسائرِ في الليل تحتَ جَنْحِ العتمة.

2- الليلة الأولى ترمز إلى تطهير الجزء الحسّي من النفس، وهو ما نبحثه في الدور الحالي وسنعالجه في الباب الأول من هذا الكتاب. أما التطهير الثاني فيشمل الجزء الروحي، وهو ما يعالجه الدور الثاني، الذي يلي، وما سنبحثه أيضاً في البابين الثاني والثالث؛ وطبعاً ستشمل هذه المعالجة التطهير الإيجابي، لأن التطهير السَلبي سيفصّل في باب رابع. (كتاب الليل المظلم)

3- الليلة الأولى مخصصة للمريدين، أي لأولئك الذين يبدأ الله بوضعهم في حالة التطلّع الذي يشترك فيه الفكر أيضاً، كما سنبيّن ذلك في حينه. والليلة الثانية أو التطهير الثاني مخصص للمتقدمين، أي لمن أراد الله أن يضعهم في حالة الإتحاد به، وهو تطهير أكثر عتمة، وهو مدلّهم ومخيف، كما سيرد بيان ذلك.

شرح الدور

4- تريد النفس أن تقول باختصار في هذا الدور أنها خرجت، بدفعٍ من الله، حبّاً به فقط، وقد ألهبها حبه. خرجت في ليلةٍ مظلمة هي رمز لحرمانها وتطهيرها من كل شهواتها الحِسّية ذات العلاقة بأشياء العالم الخارجية، وبتلك التي كان من شأنها أن تثيرَ شهوةَ الجسد، وكذلك بميولِ الإرادة. ونتيجةً لتطهير الحس هذا تقول أنها خرجت بعد أن أصبح بيتُها هادئاً، وهي تعني بهذا القول الجزء الحسي من المركّب الإنساني، وعلى وجه التحديد تريد أن تقول إن كل شهواتها قد سكنت ورقدت فيها، وإنها أمتَتْها وإطَّرَحتْها عنها، لأنها لا تستطيع أن تخرج البتة من عناء وقلق زنـزانات الشهوات ما لم تكن قد أخمدت أوارها ثم أهمدتها. ثم تقول إنه لمغامرة سعيدة أن تخرج متوارية عن الأنظار، أي من دون أن تستطيع كل شهوات الجسد أو غيرها أن تعرقل هذا الخروج؛ وتضيف أنها خرجت ليلاً، وهي تعني بالليل حرمان الله إياها من شهواتها كافة.

5- ولقد أسعدها أن يكون الله وضعها في هذه الليلة حيث حدث لها كثير من الخير وحيث لم يكن في مقدورِها أن تدخل من ذاتها لأن لا أحد يستطيع من ذاته أن يتجرّد عن كل شهواته لكي يذهب إلى الله.

6- هوذا، في اختصار، ما يعلنه الدور الأول. وعلينا الآن أن نفسر كلَّ بيت وأن نشرح ما يفي بغرضنا. وسنستعمل الأسلوب الإنشائي نفسه في الأدوار التالية، كما سبق أن قلت في التوطئة: ننشر ونعرض أولاً كل دور، ثم بعد ذلك كل بيت.

 

الفصل الثاني

يشرح ما هي هذه الليلة المعتمة لتي يجب أن تكون مرت بها النفس في طريقها إلى الإتحاد.

في ليلة معتمة

1- إن مرور النفس هذا نحو الإتحاد الإلهي يمكن أن يسمّى ليلة لثلاثة أسباب. في المقام الأول يذكر الحد الذي منه تنطلق النفس. أعني فطام شهواتها عن كل ما تملكه من أشياء العالم، وهو أشبه ما يكون بالليلة بالنسبة إلى حواس الإنسان كافة. السبب الثاني يبحث عنه ناحية الوسيلة أو الطريق الذي يجب على النفس اعتماده للوصول إلى الإتحاد، وهو الإيمان الذي يبدو في نظر العقل أشبه ما يكون بليلة دامسة. أما السبب الثالث فيتأتّى من الحد الذي اليه تنطلق، وهو الله الذي يظل بمثابة ليلة مظلمة للنفس في هذه الحياة. وهذه الليالي الثلاث يجب أن تمر بالنفس، أو بالحري على النفس أن تمر بها، لبلوغ الإتحاد بالله.

2- يرسم لنا سفر طوبيا صورة عن هذه الليالي الثلاث من خلال الثلاث ليال التي أمر الملاك الشاب طوبيا أن يمرّ بها قبل أن يعرف أوانه في الليلة الأولى أمره أن "يحرق كبد الحوت"(طوبيا 6/18-22)؛ ان القلب، الذي يرمز إلى محبة أشياء العالم والتعلق بها، يجب في بدء الرحلة إلى الله أن يحرق وأن يطهّر على نار محبة الله من كل ما هو خليقة، فأثناء هذا التطهير ينهزم الشيطان الذي له سلطة على النفس المتعلقة بطعم الأشياء الجسدية والزمنية.

3- في الليلة الثانية، يقول له الملاك أنه "سيكون مقبولاً في شركة الآباء القديسين"، وهم آباء الإيمان. ذلك أن النفس ما أن تمر بالليلة الأولى التي تعني الحرمان من كل مواضيع الحواس حتى تدخل في الليلة الثانية ببقائها وحيدة مع الإيمان – لا من حيث يستبعد المحبة بل من حيث يقصي معارف الذهن الأخرى، كما سنبيّن ذلك – وهو شيء لا يقع أبداً في متناول الحواس.

4- في الليلة الثالثة قال له الملاك أنه سينال البركة التي هي الله. فالله يتصل في الليلة الثانية، من خلال الإيمان، بالنفس اتصالاً سريا وحميماً لدرجة أنه يصبح بالنسبة إليها ليلة أخرى هي أشد عتمة من لليلتين السابقتين، كما سنبيّن ذلك لاحقاً. وبعد انتهاء هذه الليلة الثالثة، أي بعد انتهاء اتصال الله بالروح، هذا الإتصال الذي يحصل عادة والنفس محاطة بالدياجير، يتم حالاً الإتحاد مع العروس التي هي حكمة الله، على غرار ما قال الملاك أيضاً لطوبيا: "وبعد انقضاء الليلة الثالثة تتخذ البكر بخوف الرب"؛ على أن خوف الله هذا عندما يكون كاملاً فكذلك يكون الحب، وهذا ما يحصل عندما تتم استحالة النفس بالله عبر المحبة.

5- هذه الأنواع الثلاثة من الليالي أن هي كلها إلا ليلة واحدة ولكن مجزّأة إلى ثلاثة أقسام، كما الليل. فالقسم الأول من الليل، رمز الحس، يمتد من الغسق حتى منتصف الليل؛ والثاني، رمز الإيمان، يشبه منتصف الليل الكامل العتمة؛ أما الثالث، رمز الله، ويشبه الفجر الذي يتبعه حالاً نورُ النهار. وسندرس كلا من هذه الأسباب على حدة من أجل زيادة الإيضاح.

 

الفصل الثالث

نبدأ فيه البحث في السبب الأول لهذه الليلة: حرمان الشهوات من

كل الأشياء، ولماذا سمّيناها ليلة

1- نسمّي هنا ليلة فقدان شهوات النفس ميولها إلى الأشياء كافة، فكما أن الليل ليس إلا الحرمان من الضوء، وبالتالي من كل الأشياء التي يمكن رؤيتها فيه – مما يجعل أن قوة البصر تبقى في العتمة وكأنها لم تكن – هكذا يمكن القول إن إماتة الشهوات هي ليلةٌ للنفس، لأن حرمان الشهوات من ميولها إلى الأشياء كافة هو كالبقاء في العتمة وكأن هذا الميل لم يكن. لأنه كما أن قوة البصر تمارس بواسطة الضوء وتتغذى بكل ما يرى من الأشياء، وتبعاً لذلك تتعطل إذا حرمت الضوء، كذلك النفس فإنها بواسطة شهواتها تعيش وتقتات من كل الأشياء التي يمكن لقواها أن تميل إليها، فإما همدت هذه الشهوات أو، بتعبير أفضل، أميتت تكفّ النفس عن أن تتغذى من خلال ميلها إلى كل الأشياء، وهكذا تمكث في الظلام وتعتبر كالعدم من جهة الشهوة.

2- ولنعطِ مثالاً عن كل قوى النفس. إن شهوات النفس إذ تُحرم من ميلها إلى ما يحلو للأذن تكون في الظلام وتفنى بحسب هذه القوة؛ وإذ تُحرم من الميلِ إلى كل ما يمكنه أن يشكل بهجة للنظر تكون في الظلام وتفنى بحسب هذه القوة؛ وإذ تُحرم من الميل إلى كل الروائح العذبة من خلال حاسة الشم تكون بلا شك في الظلام وكأنها لم تكن من وجهة نظر هذه القوة؛ وكذا الأمر عندما تتنكّر لميلها إلى كل الأطعمة التي من شأنها أن تسيل لعابها، أو عندما تميتُ ذاتها عن كل الملذات والإشباعات التي يمكن تلمّسها عبر حاسة اللمس؛ بحيث أننا نستطيع القول عن أن النفس التي تكون تنكرت لميول شهواتها فأماتَتْها وإطَّّرحَتها عنها وأنها محاطة بعتمة الليل، التي ليست إلاّ خواء من الأشياء كافة.

3- يعود سبب ذلك إلى ما ذكَرَه الفلاسفة من أن النفس منذ أن خلقها الله في الجسد شبيهة بصفحة بيضاء صقيلة لم يخطّ فوقها حرف؛ وفي ما عدا ما تعرفه بواسطة الحواس فلا شيء يتّصل بها طبيعياً من جهة أخرى. وهكذا فطالما هي في الجسد تشبه من يكون في سجن مظلم فلا يعرف شيئاً باستثناء ما يستطيع رؤيته من خلال نوافذِ السجن، فإذا لم يشاهد شيئاً من خلالها فلن يرى شيئاً من أي مكان آخر. وهكذا فإن النفس لا تستطيع بالوسائل الطبيعية أن تعي شيئاً ما إن لم يتصل بها بواسطة الحواس التي هي نوافذ سجنها.

4- من هنا إنها إذا أنكرت وصدّت ما يمكنها جنيه بالحواس ينطبق عليها جيداً قولنا أنها تلبث في العتمة، خاوية، لأنها لا تقدر طبيعياً أن تتلقى النور إلا عبر الكوة التي ذكرناها في ما سبق من كلامنا. وصحيح أنها لا تستطيع الكف عن السمع والبصر والشم والذوق واللمس، إلاّ أنه سيان عندها أن أنكرت وصدّت ما تسمعه أو إن كانت طرشاء، وما تبصره أو إن كانت عمياء... ألخ، مثلها في ذلك مثل من يطبق عينيه ليبقى في العتمة، فلا فرق بين وضعه هذا وإن يكون أعمى لا يبصر. وفي هذا المعنى قال داود النبي: "اني في البؤس والشقاء منذ صبائي"(مزمور87/16). فهو يسمي نفسه فقيراً (مع أنه كان بالتأكيد غنياً) لأن إرادته في أن يتخلى عن خيرات هذا العالم توازى كونه فقيراً في الواقع. لكن على العكس من ذلك، لو كان فعلاً فقيراً وإنما افتقر إلى الإرادة في أن يكون كذلك لما كان حقا فقيراً لأن نفسه تعتبر غنية ومكتنـزة في اشتهائها الثروة. ومن أجل ذلك نسمّي هذا العري ليلة بالنسبة إلى النفس. علماً بأننا لا نبحث هنا في حرمان النفس من الأشياء بعينها؛ فهذا لا يعتبر تجرداً ما دام في إمكان النفس اشتهاء ما حرمت منه، وإنما نقصد تعريها حتى عن هذا الإشتهاء وما يولده فيها من ميول. فوحده هذا التعري يترك النفس حرة وخاوية رغم امتلاكها أشياء هذا العالم، فلا تعود هذه تشغلها ولا تسبّب لها الأذيّة ما دامت خارج نطاق اهتماماتها ، علماً بأن عدم امتلاكها، كما أسلفنا القول، يشغلها ما دامت النفس محتفظة بالإرادة والنـزعة إلى امتلاكها.

5- هذا النوع الأول من الليالي ينتمي، كما سنشرح في ما بعد إلى النفس في جزئها الحسي، وهي ليلة من ثلاث سبق أن قلنا أن النفس يتعيّن عليها أن تمر بها لكي تصل إلى الإتحاد. فلنقل الآن كيف يجب أن تخرج من بيتها، في ليلة الحس المعتمة هذه، لكي تتحد بالله.

 

الفصل الرابع

كم هو ضروري للنفس ان تجتاز بدِراية ليلة الحس المعتمة هذه،

التي هي إماتة الشهوات، لكي تتدرج نحو الإتحاد بالله.

1- إن السبب الذي يحتم على النفس الهادفة إلى الإتحاد بالله أن تجتاز هذه الليلة المعتمة لإماتة شهواتها واستئصال ميولها إلى الأشياء كافة، يتلخص في ان انفعالاتها حيال الخلائق تعتبر أمام الله بمثابة ظلمات دامسة تغشاها فتجعلها عاجزة عن أن يشرفها ويمتلكها نور الله الصافي والكلّي البساطة. ولذا من الضروري أن تطرح عنها الظلمات، التي لا تأتلف مع النور، لأن القديس يوحنا يقول: "والنور يشرق في الظلمات ولا تغشاه الظلمات"(يو1/5).

2- تلخص الفلسفة هذا السبب في عجز الضدَّين عن أن يلتقيا في موضوع واحد. وبما أن الظلمات التي هي انفعالات النفس تجاه المخلوقات، والنور الذي هو الله، هما ضدان وليس بينهما أي تماثل أو توافق – كما علّم بولس الرسول أهل قورنتس بقوله: "أي علاقة للنور بالظلمة؟"(2قور6/14) - فلذلك لا يمكن لنور الإتحاد الإلهي أن يستقر في النفس ما لم تُقَص عنها قبلاً انفعالاتها.

3- لكي نقدّم برهاناً أفضل على هذا الكلام علينا أن نعرف أن انفعال النفس بالخليقة وتعلقها بها يساوياها بها، وأنه كلما ازداد هذا الإنفعال كلما قوي التماثل والتشابه بينهما، لأن من شأن الحب أن يقيم مماثلة بين الحبيب ومحبوبه. بهذا المعنى يجب فهم ما كان يقوله داود النبي عمن يعلّقون قلوبهم بالأصنام: "مثلها ليكن صانعوها وجميع المتكلين عليها"(مزمور113/8). وهكذا فإن من يحب الخليقة يبقى مثلها بخسا، لا بل يفوقها خسة نوعاً ما من جهة أن الحب ليس فقط يساوي بين المحب والمحبوب ولكن فوق ذلك يخضع الأول للثاني. وقياساً على ذلك، فإن النفس عندما تحب شيئاً ما تجعل ذاتها عاجزة عن الإتحاد الصرف مع الله وعن الإستحالة به. يضاف إلى هذا أن البَون بين خساسةِ الخليقة وسموّ الخالق أكبر بما لا يحدّ من الفرق بين الظلمة والنور، لأن كل ما في السموات والأرض إذا قيس بالله كان كالهباء المنثور. تبعاً لقول إرميا النبي: "نظرت إلى الأرض فإذا هي خاوية خالية وإلى السموات فلم يكن فيها نور"(ارميا4/23). ففي قوله إنه رأى الأرض خاوية، ألمح إلى كون كل الخلائق التي عليها هي، مثلها، خالية؛ وفي قوله إنه نظر إلى السموات فلم يكن فيها نور دلالة على أن كل أنوار السماء هي بالمقارنة ليست شيئاً قياساً على هذه النظرة إلى الأمور، وإننا نستطيع القول إن انفعالات نفسنا حيالها هي أقل من لا شيء لأن بها مَنعَ وفقدانَ الإستحالة بالله، تماماً كما أن الظلمات هي لا شيء وأقل من لا شيء، لأنها فقدان للنور. وكما أن من استوى في الظلمات لا يقبض على النور، هكذا النفس التي تنفعل بالخليقة ليس في وسعها أن تقبل الله، وهي إن لم تتنـزه عن انفعالها هذا فلن تستطيع أن تمتلكه لا على هذه الفانية عبر استحالة الحب الصافية، ولا في السماء من خلال الكشف الجليّ ولتسليط الأضواء الكاشفة على ما نقوله هلم بنا ندخل في التفاصيل.

4- كل كائن مخلوق ليس شيئاً بالقياس إلى الله، الكائن اللامحدود من هنا ان النفس المنفعلة بهذا اللاّ شيء ليست هي أيضاً أمام الله شيئاً، بل هي أقل من لعدم بناء على ما سبق قوله من ان الحب يولّد المساواة والمماثلة، وفوق ذلك يدني رتبه المحب. وعلى هذا، فإن هذه النفس لن تستطيع بأي شكل كان أن تتحد مع الله، الكائن اللامحدود لأن من ليس كائناً لا يمكن أن يتوافق مع ما هو كائن. ولنعطِ على سبيل المثال، بعض الحالات الخاصة:

أ- إن كل جمال الخلائق، بالمقارنة مع بهاء الله اللامحدود هو دمامة ما بعدها دمامة، على حد قول سليمان الحكيم: "النعمة غرور والجمال باطل"(مثل31/30). وهكذا النفس المنفعلة بجمال خليقة ما هي كلية البشاعة في عيني الله؛ ولهذا فهي لن تستطيع أن تستحيل جمالاً هو الله بذاته، لأن الدمامة أعجز من أن تبلغ الجمال.

ب-ان كل الظرف اللطف في الخليقة، اذا قيس بفضل الله ونعمته هو شيء يثير الكراهية والاشمئزاز. من هنا ان النفس التي يستهويها ظرف المخلوقات واغراؤها هي في منتهى الشناعة والتفاهة أمام الله وبالتالي ليست جديرة بنعمته اللامتناهية وجماله؛ فما يثير الكراهية ينأى كثيراً عن المستحب الى أقصى حد.

ج- إن كل صلاح مخلوقات العالم، إذ قورن بطيبة الله اللامتناهية يمكن أن تسمّى مَكرا، لأن "لا برّ إلا الله وحده"(لوقا18/19). لذا فإن النفس التي تعلّق قلبها بخيرات العالم هي في منتهى الشر أمام الله. وبما أن المكر لا يفقه معنى المُبَرَّق، هكذا هذه النفس لن تقدر على الإتحاد بالله الكلي الجودة.

5-د- إن كل حكمة العالم وكل حذق البشر، بالمقارنة مع حكمة الله اللامتناهية، هما أقصى حدود الجها