الإرتقاء إلى جبل الكرمل
الكتاب الثاني
يبحث في ما يتوجّب على النفس من تأهّب لكي تبلغ بسرعة مرحلة الإتحاد الإلهي، ويتضمّن إرشادات وطرقاً مفيدة جداً للمبتدئين والمتقدمين على حد سواء، فيعرفوا كيف يتخلصون من كل ما هو زمني، ولا يرتبكوا تجاه ما هو روحي بل يستمرّوا في عريٍ كلي وفي حرّية الروح التي يتطلّبها الإتحاد الإلهي.
تأليف
الأب الجليل يوحنا الصليب، الكرملي الحافي.
الباب الثاني
من الارتقاء الى جبل الكرمل
يبحث في اقرب السبل للإرتقاء الى الاتحاد مع الله، اي الإيمان،
وفي القسم الثاني من هذه الليلة التي قلنا إنها تنتمي الى الروح
والتي يتضمنها الدور الثاني الذي نثبته في ما يلي:
الفصل الاول
الدور الثاني (من القصيدة)
2
تحتَ جنحِ الظلام تَسَلَّلتُ بأمان
متنكّرة عَبْرَ السُلَّم السِرّي،
فيا للحظ السعيد!
في العتمةِ، خفيةً،
وبيتي صار منذ الآن هادئا.
1- في هذا الدور الثاني تنشد النفس المغامرة السعيدة التي أتاحت لها أن تعرّي الروح من كل النقائص الروحية وكلِّ النوازع ذات الميزة الروحية. وهذا ما جَلَبَ لها سعادةً كبيرة بسبب أنه يوجد صعوبة أكثر في تهدئة هذا البيت في الجزء الروحي، وفي الدخول في هذه الظلمة الداخلية التي هي تَعرّي الروح من كل الاشياء الحسيّة منها والروحية، مستندةً فقط على الايمان الصِرف وصاعدة بواسطته الى الله. من أجل هذا أسمِّي الايمان هنا سُلَّما وسريّا، لأن كلَّ درجاتِه وكل بنوده سرية ومحجوبة عن كل الحواس وعن الادراك. ولذا فالنفس تظل محرومة من كل نور من انوار الحواس أو الذهن، وخارج كلِ الحدود الطبيعية والمدركة، لتصعد بواسطة سُلّم الايمان الالهي هذا، الذي يتسلّق ويَلج حتى عمق أعماق الله. من أجل ذلك تقول النفس إنها كانت تذهب متنكّرة، لأن كسوتها وثوبها وطريقتها الطبيعية في التصرف قد تحوّلت الى الهيّة وهي ترتقي بالإيمان. وهكذا فإن هذا التنكّر كان يقيها فلا تُعرَف ولا تُؤسَر ولا من قبل الشيطان: فلا أحد من هذه يستطيع أن يُضرّ بِها طالما هي سائرة في طريق الايمان. ليس هذا فقط، بل انها تسير وقد اتّشحت واستترت وَنَأت عن كل خُزَعْبَلاتِ الشيطان حتى إنها في الحقيقة (كما هو وارد هنا ايضا) تمشي في العتمة، خِفيةً عن الشيطان الذي يعتَبِرُ نور الإيمان بالنسبة اليه اكثر ظلمة من العتمة. وهكذا نستطيع القول عن النفس السائرة هكذا إنها تتقدّم مجهولةً من الشيطان ومحجوبة عنه، كما سنفصّل ذلك بوضوح اكثر في ما بعد.
2- من اجل ذلك تقول النفس إنها تسلّلت بأمان تحت جنح الظلام، لان من كان سعيداً جداً لاستطاعتهِ السيرَ في ظلام الايمان، متخذاً منه بمثابة مرشد للعميان وخارجاً من كل التخيّلات الطبيعية والمدارك الروحيّة، فذاك يسير بأمانٍ كلّي، كما قلنا. وهكذا قالت ايضا انها خرجت في تلك الليلة الروحية وقد اصبح بيتها هادئا، اي القسم الروحي والعاقل منها، بحيث إنها عندما تتوصل الى الاتحاد بالله فإن قواها الطبيعية واندفاعَها ولهفتَها الحسيين تصبحُ ساكنةً في هذا القسم الروحي. من اجل ذلك فهي لا تقول هنا إنها خرجت بقلق، كما في ليلة الحس الاول (الدور الاول)، لأنها لكي تستطيع آذاك ان تنجز خروجها بعد ان تتجرّد من المحسوس كانت في حاجة الى شجن الحب الحسي، فيما أن المطلوبَ الآن لكي يصبح بيت الروح هادئا أن يقضي الايمانَ الصِرف على اي اثر لقوى النفس وميولها ونوازعها الروحية، حتى تلتحمَ النفس بالحبيب في اتحادٍ من البساطة والطهارة والحب والتماثل.
3- يلاحظ أن الدورَ الاول عندما تكلّم عن القسم الحسي قال إن النفس خرجت في ليلة مظلمة، بينما الدور الثاني الذي يتكلم عن الناحية الروحية يقول أنها تسللت في العتمة. لغوياً، إن العتمة تعبّر عن فقدان النور أكثر مما تفعله الليلة المظلمة. وهكذا ففيما لا تزال النفس تتلمّس بعض الوضوح في ليلة الحس المظلمة – لأن الإدراك العقلي لا يعميه الظلام تماماً – نراها في عتمة الايمان الروحية محرومة كلية من كامل قواها الحسيّة والفكرية. من أجل ذلك تقول النفس إنها تسللت بأمان تحت جنح الظلام، وهو ما لم تقله في ظلمة الحس. والامان هنا يتأتى للنفس من كونها لا تعتمد البتة على مهارتها الذاتية بل على الإيمان، وهذا ما سوف نشرحه في هذا الباب الثاني. وإني اتوجه الى القارىء المتعبد ان يبدي انتباها كاملا لأننا سنقول فيه اشياء شديدة الاهمية بالنسبة الى الروح الحقيقي، وهي ان بدت اولا غامضة نوعا ما الا انها سيفسر بعضها بعضا بحيث انها كلها ستفهم، على ما اظن.
الفصل الثاني
يبدأ البحث بالقسم الثاني أو سبب هذه الليلة، الذي هو الايمان؛
ثم يعطي برهانين على انها مظلمة اكثر من الاولى والثالثة
1- علينا البحث الآن في القسم الثاني من هذه الليلة، أي الايمان الذي وصفناه بأنه الوسيلة العجيبة لبلوغ الهدف، اي الله الذي قلنا ايضا انه بالنسبة الى النفس، بحسب نظام الطبيعة، سبب ثالث او قسم لهذه لليلة. فالايمان بما هو وسيلة، يشبه بمنتصف الليل، ولهذا نستطيع القول إنه اشدُ ظلاما للنفس من الليلتين الاولى والثالثة. فالاولى، ليلة الحس، تشبه هزيع الليل قبل منتصف الليل، عندما تتوقف رؤية كل شيء حسي، الا انها تظل اقرب الى النور من منتصف الليل. اما القسم الثالث الذي يلي منتصف الليل حتى بزوغ الفجر فلا ريب في انه اقل ظلمة من منتصف الليل لان شروق الشمس يشكّل امتداداً له؛ وهذا القسم نشبهه بالله. فلئن كان صحيحاً أن الله هو بالنسبة الى النفس ليلة مظلمة بقدر ما هو الايمان مظلم على صعيد الطبيعة، إلا انه ما ان تجتاز النفس هذه الاقسام الثلاثة من الليلة حتى يبادر الى تشريفها بشكل فائق الطبيعة بشعاع نوره الالهي، مبدإ الاتحاد الكامل الذي يلي مباشرة الليلة الثالثة؛ من اجل هذا نقول عن هذه إنها أقل ظلمة.
2- والليلة الثانية هي ايضا اشد ظلمة من الاولى التي تنتمي الى القسم الاسفل من الانسان -القسم الحسي- وهي بالتالي خارجية اكثر، فيما ليلة الايمان تنتمي الى القسم الاعلى من الانسان – القسم المدرك – وهي اذا داخلية اكثر ومظلمة اكثر لانها تحرم النفس من نور الادراك، او بالحري تُعميها، ولذا وجب تشبيهها بمنتصف الليل، القسم الاكثر داخلية وعتمة من الليل.
3- بقي علينا إذا ان نبرهن كيف ان هذا القسم الثاني الذي هو الايمان هو ليلة للروح مثلما ان القسم الاول هو ليلة للحس. ثم نعالج الجانب المقابل من الموضوع، اي كيف يجب على النفس ان تتأهب بطريقة نشيطة لتدخل فيه، تاركين لكتاب "الليل المظلم" ان يبحث في الطريقة المنفعلة او السلبية حيث الله يفعل بها وفيها من دونها.
الفصل الثالث
يسوق براهينَ عقليةً وحججاً ورموزاً من الكتاب المقدس ليبرهن
كيف ان الايمان هو ليلة مظلمة للنفس.
1- يقول اللاهوتيون ان الايمان هو عادة (HABITUS) في النفس اكيدة وغامضة. والسبب في انها غامضة كون موضوع الايمان الحقائق التي اوحاها الله نفسه والتي تفوق النور الطبيعي وتتعدّى بما لا يقاس العقلَ البشري. من هنا أن نور الايمان الزائد اذا اعطي للنفس كان لها ظلاما دامسا لان الكثير يغمر القليل ويخضعه فيحرمنا منه: تماما كما ان نور الشمس يكسف وينير سائر الانوار الاخرى بحيث لا تعود تبدو لقوة النظر فينا وقد غمرتها الشمس لا بل اعمتها وحرمتها من الرؤية المعطاة لها لما لها من نور زائد وغير متناسب اطلاقا مع قوة النظر. وهكذا فنور الايمان من فرط ما هو قوي يقهر ويخضع نور العقل الذي لا يتجاوز نطاق العلم الطبيعي الى ما هو فائق الطبيعة الا اذا حسُن في عين الرب ان يجعله يقدم على فعل فائق الطبيعة.
2- فنور العقل لا يستطيع ان يعرف من ذاته اي شيء الا عبر السبيل الطبيعي، اي الحواس. ولكي تتم المعرفة الطبيعية بواسطة الحواس لا بد لنور العقل الطبيعي من ان يتمثّل صُوَرَ الاشياء وأشكالها اما في ذاتها او في ما يشبهها، وإلا عجز عن الفهم؛ فالمعرفة، كما يقول الفلاسفة تولّد من الموضوع (الشيء المحسوس) والذات (القوة العاقلة). وعلى هذا فلو قلنا لأحدهم انه يوجد في جزيرة ما حيوان لم يسبق ان رآه، ولم نقل له ماذا يشبه من بين سائر الحيوانات، فإن كلامنا هذا لا يفيده اي معرفة بهذا الحيوان وهو مساوٍ من حيث قيمته العملية للسكوت. ولقد نفهم ما نريد قوله بمثل اكثر وضوحا: لو قلنا لضرير منذ ولادته ما هو لون الابيض او الاصفر وشددنا على شرحنا وتشابيهنا ما استطعنا، لعجزنا عن افهامه ما هو اللون بسب عجزه عن تصوره او تصور ما يشبههه من قريب او بعيد، وكل ما يبقى لديه هو الاسم الذي استطاع ادراكه بحاسة السمع، اما الصورة والشكل فلا يعنيان له شيئا لأنه لم يرهما قبلا.
3- بهذه الطريقة يتصرّف الايمان مع النفس، فيقول لنا اشياء لم يسبق ان رأيناها او سمعنا بها لا في ذاتها ولا في ما يشبهها، لان ليس ما يشبهها على الارض. لذا لا يعطينا الايمان أياً من انوار العلم الطبيعي نظرا الى ان ما يقوله لنا لا يتناسب مع اي حاسة. ومع ذلك فان هذا الذي يقوله لنا نعرفه بواسطة السمع، فنؤمن بما يعلِّمنا اياه ونخضع ونعمي نورَنا الطبيعي. "فالايمان اذا من السّماع"(روما 10/17)، كما يقول القديس بولس، وهذا معناه ان الايمان ليس علما يدخل بواسطة ايٍ من الحواس، بل هو فقط قبول النفس بما يدخل عبر السمع.
4- إن ما ذكرناه من امثلة لاعجز عن أن يفي الايمانَ حقه من الوصف. فهو ليس فقط لا يقدم الوضوح او العلم، لكنه – كما قلنا – يحرمنا من كل المعارف والعلوم ويعمينا عنها لكي نستطيع ان نحسن الحكم عليه. نحن نكتسب بنور العقل سائر العلوم، باستثناء نور الايمان فهو يكتسب من دون نور العقل (اذ يدحضه الايمان) وبه يُفْقَد، ان لم نقل، يُحْجَب. من اجل ذلك قال إشعيا النبي: "وأنتم ان لم تصدّقوا فلن تثبتوا"(أشعيا 7/9). فمن الواضح إذا ان الايمان ليلة مظلمة للنفس وبهذه الطريقة يعطيها نورا. وهو كلّما عتّم النفس كلما منحها نورا اعظم من ذاته، لانه ينير فيما هو يعمي، بحسب قول إشعيا: لأنكم ان لم تؤمنوا (تصدقوا) فلن تفهموا، أي لن يكون لكم نور. ولذا فقد رُمِزَ الى الايمان بعود الغمام الذي فصل بين المصريين وبني اسرائيل أثناء دخول هؤلاء البحر الأحمر، بحسب قول الكتاب المقدس: "ودخل بين عسكر المصريين وعسكر اسرائيل فكان من هنا غماما مظلما وكان من هناطك ينير الليل"(خروج 14/20).
5- يا لَلعجب كيف ينير الغمام المظلم جنبات الليل! ذلك لأن الايمان، وهو غمامة مظلمة ومعتمة للنفس – التي هي بدورها ليلة لأنها في حضور الايمان تلبث محرومة من نورها الطبيعي وعمياء – اقول إن الايمان بعتمته ينير ويفيض نورا على عتمة النفس لكي يتماثل هكذا المعلم بالتلميذ. لأن الانسان الذي في العتمة لا يستطيع ان يحصل على النور بشكل مناسِب الا بواسطة عتمةٍ اخرى، كما يعلمنا داود بقوله: "يوم ليومٍ يفيض قولا وليل لليل يبدي علما"(مزمور 18/3)، وهذا معناه ان النهار، ويرمز هنا الى الله في نعيم الآخرة، يتصل بالملائكة وبالأنفس الطوباوية، التي يمثلها النهار ايضاً، وينطق بالكلمة التي هي ابنه، لكي تعرفه وتتنعم به؛ وأنّ الليل، الذي يمثل الايمان في الكنيسة المجاهدة، يظهر العلم للكنيسة، وبالتالي الى اي من النفوس، التي يرمز الليل اليها ايضا نظرا الى انها ما زالت غير متنعمة بالحكمة الطوباوية النيّرة، وهي في حضور الايمان تصاب بالعمى في نورها الطبيعي.
6- وبالنتيجة، فإن ما يجب ان نستخلِصه هنا هو أن الايمان، بما أنه ليلة مظلمة، ينير النفس التي في العتمة، لكي يتحقق ما قاله داود في هذا الصدد: "وان قلت ان الظلمة تغشاني كان الليل حولي نورا"(مزمور 138/11)، الذي معناه: إن ليل الإيمان سيكون مرشدي في ملذات استغراقي الصرف في التأمل واتحادي بالله؛ مما يوحي بوضوح ان على النفس، في سلوكها طريق الاتحاد، ان تكون في الظلام لتحصل على النور.
الفصل الرابع
يبحث بشكلٍ عام في كيف يتحتّم أيضاً على النفس
أن تكون في الظلام من ناحيتها هي، لكي تُقاد حسناً بالايمان
نحو استغراق عميق جداً في التأمل.
1- أعتقد أننا شرحنا كفاية كيف أن الايمان هو ليلة مظلمة للنفس، وأيضاً كيف أن على هذه أن تكون مظلمة أو أن تظل محجوبة النور لكي تُسلِسَ قيادها للإيمان فيرقى بها النهاية المهيبة التي هي الإتحاد. ولكن سيكون من المناسب أن نستفيض في تفاصيل هذه الظلمة التي يتحتّم أن تغشى النفس لكي تدخل في لجة الإيمان، فذلك أجدى للنفس لعلها تحسن التصرّف. لذا سأتكلم في هذا الفصل عن هذه الظلمة عموماً، وبعد ذلك سأستنتج بالتفصيل الوسيلة الواجب اتباعها لتحاشي الخَوَر في الايمان أو وضع العراقيل في درب هذا المرشد الأمين.
2- أقول اذاً إن النفس لكي تحسن سلوكَها بالإيمان نحو هذه الحالة لا ينبغي عليها فقط أن تظلَّ في الظلمة بحسب القسم الذي يتطلّع الى المخلوقات والى ما هو زمني (وهو القسم الحسي والسفلي الذي تكلمنا عنه)، بل أيضاً أن تغشى وتحجب عنها النور بحسب القسم الذي يرنو الى الله والى ما هو روحي (وهو القسم المدرك والأعلى الذي نبحث فيه الآن). لأنه من الواضح أن على النفس لكي تبلغ الاستحالة الفائقة الطبيعة أن تنحجب وتتغيّب عن كل ما تتضمنه فطرتها. علماً بأنها مفطورة على الإحساس والإدراك. ففي اللغة يعني التعبير "فائق الطبيعة" كل ما يعلو فوق ما هو طبيعي. وبالتالي فان هذا يظل في أسفل. لأنه بما أن هذه الاستحالة وهذا الاتحاد لا يستطيعان أن يقعا تحت الحواس والمهارة البشرية يتحتّم على النفس أن تخلوَ تماماً وارادياً من كل ما يقدر أن يسقط فيها إن من علُ أو من أسفل، أعني: من إرادتها ومن انعطافها. لأنه من يمنع الله من ان يفعل ما يحلو له في النفس المستسلمة والمتلاشية والمتجردة؟ غذا، عليها ان تخلو من كل ما يمكنه ان يقع في قدرتها، بحيث انها حتى ولو كان فيها اشياء كثيرة فائقة الطبيعة عليها ان تظل دائما كما لو انها متجردة عنها، وان تمكث في الظلمة كالاعمى، معتمدة على الايمان المظلم ومتخذة اياه مرشدا ونورا، ومن دون ان تستند الى اي من الاشياء التي تسمع وتذوق وتحس وتتخيل، لان كل هذا ان هو الا ظلمات تجعلها تتيه؛ والايمان يفوق كل هذه الانواع من السمع والذوق والاحساس والتخيّل. والنفس ان لم تخلُ من كل هذا لتغشاها الظلمات من كل صوب فلن تصل الى ما هو أهم منه، وهو ما يعلّمه الايمان.
3- ان الاعمى اذا لم يكن عماه كاملا لا يدع نفسه ينقاد جيدا من بل دليل؛ لأنه ان كان يرى قليلاً يظن ان اول طريق هو الافضل لعجزه عن رؤية غيره من الطرق الافضل منه. وهكذا يستطيع ان يضلل من يقوده ويرى افضل منه؛ لأنه، في النتسجة، يستطيع ان يأمر اكثر مما يفعل الدليل. هكذا النفس اذا استندت الى علمها او الى طريقتها في تذوّق الله او الاحساس به فإنها تتيه بسرعة او تتوقف في هذا الطريق لعدم توافر العمى المطلق لها بالإيمان الذي هو مرشدها الحقيقي، فعلمها وتجاربها مهما سمت تظل اصغر بكثير من الله وغيرَ متلائمة معه على الاطلاق.
4- وهذا ايضا ما اراد ان يقوله القديس بولس عند قوله: "لأن الذي يتقرّب اليه لا بدّ له ان يؤمن بأنه موجود"(عبرانيين 11/6). وهو يعني ان من يجب ان يتحد بالله عليه ان يؤمن بأنه كائن. فكأنه يقول إن من رغب في وصال الله بالاتحاد لا ينبغي عليه الاعتماد على الذوق او الحس او المخيّلة، بل الإيمان بوجوده الذي لا يطاله العقل ولا النوازع لا المخيّلة، بل الإيمان بوجوده الذي لا يطاله العقل ولا النوازع ولا المخيّلة ولا اي من الحواس، والذي لا يمكن معرفة ماهيته في هذه احياة. وعلى العكس، فان اسمى ما نستطيع الاحساس به وتذوقه من قبل الله على هذه الارض بعيد بشكل لا متناهٍ ممّا هو في طبيعته ومن امتلاكه الصِرف. ورد في الكتاب: "اعد الله للذين يحبونه كلَ ما لم تره عين ولا سمعت به اذن ولا خطر على قلب بشر"(1قور 2/9). والحال كيفما سمعت النفس في هذه الحياة للاتحاد الكامل بالنمة مع ذاك الذي عليها ان تتحد به في الحياة الاخرى بالمجد – وهذا هو الخير الذي لم تره عين، كما يقول القديس بولس، ولا سمعت به أذن ولا خطر على قلب بشر لا يزال يحيا بموجب الجسد – فمن الواضح انها لكي تتوصل اللى الاتحاد الكامل به في هذه الحياة بالنعمة والحب عليها ان تكون مظلمة بالنسبة الى كل من يمكن ان يدخلها بواسطة العين ومن كل ما يمكن ان تتلقاه بواسطة الاذن ومن كل ما يمكن ان تتخيله بواسطة الخيال المبدع وان تفهمه بواسطة قلبها، الذي يعني هنا النفس. وبالتالي فان النفس تحيد كثيرا عن طريق هذه الحالة السمية من الاتحاد عندما تتعلّق بطريقة ما لفهم الامور او بعاطفة او تخيل او رأي او ارادة او طريقة عمل او اي عمل او شيء خاص، وتعجز عن ان تتخلص وتتجرد منها كلها. لأن الهدف الذي تسعى اليه، كما قلنا، هو اسمى من كل الأشياء، مع انه اسمى ما يمكن بلوغه من معرفة وتمتع، وهكذا يجب العبور الى عدم المعرفة من خلال تجاوز كل شيء.
5- وعلى هذا، ففي هذا الطريق يعتبر الدخول في الطريق كالخروج منه، أو بتعبير افضل، كالوصول الى الهدف وتجاوز الكيفية، كالدخول في ما كيفية له، اي الله. لأن النفس التي تبلغ هذه الحالة لا يعود لها لا كيفية ولا طريقة، ثم لا هي تتعلق بهما ولا هي قادرة على ذلك. وأعني بالكيفية كيف تفهم النفس وكيف تميل وكيف تحس، علماً نها تتضمن في ذاتها كل الكيفيات، على غرار ذاك الذي لا يملك شيئا ويملك كل شيء (2قور 6/10). لأنها بإقدامها الشجاع على تجاوز فطرتها المحدودة على الصعيدين الداخلي والخارجي فإنها تدخل في النطاق الفائق الطبيعية الذي لا كيفيةَ له فيما يحوي في جوهره كل الكيفيات. من هنا إن الوصول إلى هنا كالخروج من هناك، فتخرج النفس من هنا وهناك وتبتعد عن ذاتها لكي تصعد من ذاك الأسفل الى هذا الاعلى من كل شيء.
6- من أجل ذلك فالنفس اذ تبتعد عن كل ما تستطيع معرفته وإدراكه طبيعيا بقواها الروحية عليها ان ترغب الرغبة كلها في ان تصل الى ما لتستطيع ادراكَه في هذه الحياة ولا يخطر لها ببال. ثمّ إنها بتركها وراءها كل ما تستذوقه وتحسه زمنيا وروحيا وكل ما تستطيع تذوقه والشعور به في هذه الحياة يترتب عليها ان ترغب الرغبة كلها في بلوغ ما يتعدى كل شعور وكل ميل. ومن اجل ان تظل خاوية وحرة بالنسبة الى خير كهذا عليها الاّ تتعلّق قط بكل ما سوف تقبله في ذاتها روحيا وحسيا (كما سنقول في ما يلي عندما سنبحث في هذا الأمر على وجه الخصوص)، معتبرة كل الأشياء دون ذلك بكثير. لأنها بمقدار ما تفكر في ما هو ما تدركه وتميل اليه وتتخيله، وكذلك بمقدار ما توليه اعتبارا، أكان روحيا أم لا، فإنها بمقدار ذلك تنقص الخير الأعظم وتتأخر في الوصول اليه. وبمقدار ما تقلل التفكير في ما هو ما تستطيع الحصول عليه، مهما عظم شأنه، بالمقياس الى الخير الاعظم، فبمقدار ذلك تزيده تعظيما وقدرا، وبالتالي تقترب منه اكثر. وبهذه الطريقة فالنفس في الظلام تقترب كثيراً من الاتحاد بواسطة الايمان، وهو ايضا مظلم وبهذه الطريقة يعطيها نورا عجيبا. وبالتأكيد فلو ارادت النفس ان ترى لاظلمت ازاء الله اكثر بكثير ممن يفتح عينيه ليتطلّع على نور الشمس العظيم.
7- وعلى هذا، فالنفس اذ تُغشي على بصر قواها في هذه الطريقة سترى النور، كما يقول المخلص في الانجيل: "جئت هذا العالم لامضاء الحكم: حتى يبصر الذين لا يبصرون ويعمي الذين يبصرون"(يو9/39). هذا الكلام يجب فهمه بمعناه الحرفي في ما خص الطريق الروحي هذا، اي ان النفس التي ستصير في العتمة اذ تغشي على كل انوارها الخاصة والطبيعية ستبصر بشكل فائق الطبيعة؛ وتلك التي ترغب في التوقف عند نور ما من انوارها ستكون اكثر عمىً في طريق الاتحاد.
8- يبدو لي اننا لكي نتجنب اكثر الغموض الذي نتخبط فيه علينا ان نشرح في الفصل الآتي ما هو ذاك الذي ندعوه اتحاد النفس بالله، لأننا إذا فهمنا هذه النقطة توضحت لنا أمور كثيرة لاحقة. وعلى هذا فإني اعتبر انه قد حان الاوان الحقيقي لعرضها، حتى ولو قطعنا بذلك سياق عرضنا، فلن يكون استطرادنا خروج على الموضوع ما دام من شانه ان يسلّط الاضواء على بحثنا. وهكذا فان الفعل التالي يبدو بمثابة معترضة وموضوعا في القياس الاضماري ذاته، وسننتقل بعده الى البحث بصفة خاصة في قوى النفس الثلاث بالنسبة الى الفضائل اللاهوتية الثلاث ذات العلاقة بهذه الليلة الثانية.
الفصل الخامس
يشرح ويبيّن بالمقارنة ماهية اتحاد النفس بالله
1- رسمنا في الفصول السابقة بعض ملامح ما نسمّيه اتحاد النفس بالله، والآن سنستكمل شرحنا حتى تنجلي الصورة. وليس قصدنا هنا ان نعدد اقسام الاتحاد ونشرح كلا منها، لأنني لن انتهي ابدا اذا بدأت الآن افيض في الكلا عن ماهية اتحاد العقل وماهية اتحاد الارادة وكذلك ماهية اتحاد الذاكرة، وعن الاتحاد الظرفي والاتحاد الدائم لكل من هذه القوى، وأخيراً عن الاتحاد الكامل الظرفي والدائم لهذه القوى مجتمعة. فالكلام سيأتي عرضا عن كل من هذه الأنواع، عندما تدعو الحاجة الى ذلك. اضف الى ذلك ان هذا التقسيم لا يخدم غريضنا الآن، فهو لن يفي بالغرض الاّ في حينه عندما نطنب في الكلام عن مادة بينها، مستلهمين المثل الحي مقرونا بذكاء القارىء، فحينئذ يستقيم فهمنا وتكمل ملاحظتنا ويتحسّن حكمنا.
2- اتكلّم هنا فقط عن هذا الاتحاد الكامل والدائم بحسب جوهر النفس ووفق قواها بالنسبة الى عادة الاتحاد المبهمة، تاركاً لوقت لاحق الكلام عن الاتحاد اياه بالنسبة الى الفعل، حيث سنقول بعون الله كيف اننا لن ننحصل ولن نتمكّن من الحصول في هذه الحياة على اتحاد دائم لقوى النفس، بل على اتحاد عابر فقط.
3- واذا، فلكي نعرف ما هو هذا الاتحاد الذي نبحث فيه، يتعين علينا ان نعرف ان الله يمكث في كل النفوس، حتى في نفس اكبر الخطأة، وأنه حاضر فيها بالجوهر. هذا النوع من الاتحاد حاصل دائما بين الله وكل الخلائق، وبموجبه يحفظها الله في الوجود، فإذا انفصم عادت هذه الى العدم كأنها لم تكن. وهكذا فإننا عندما سنتكلم عن اتحاد النفس بالله لن نعني هذا الحضور الجوهري لله الحاصل دائماً في كل المخلوقات، بل نقصد اتحاد النفس بالله واستحالتها فيه، وهو ليس حاصلا دائما وإنما يتم فقط عندما يحصل مماثلة في الحب بين الله والنفس. وعلى هذا، فإننا سندعوه اتحاد المماثلة في مقابل ذاك الذي نطلق عليه اسم الاتحاد الجوهري. الاول فائق الطبيعي فيما الثاني طبيعي. والاول يتم عندما تتلاقى الارادتان: ارادة الله وارادة النفس، وتتطابقان بحيث لا تبغي الاولى ما ترفضه الثانية. وعلى هذا، فالنفس عندما تطرح عنها كلّي ما يتنافى مع ارادة الله ولا يتوافق معها تظل في حالة استحالة في الله بالحب.
4- لا نقصد فقط ان تطرح النفس عنها ما يتنافى مع ارادة الله بحسب الفعل، بل ايضاً بحسب العادة: بحيث انها لا تكتفي برذل الافعال الارادية التي تشوبها النقائص بل عليها ان تستأصل العادات الكامنة وراء هذه النقائص. وبما ان اي خليقة وكل افعالها ومهاراتها لا تليق بالله وليست من مُقامِه، فلهذا السبب لا بد للنفس ما أن تتجرَّدَ عن اي خليقة وعن كل افعالها ومَهارتها الفكرية والحسيّة والشعورية، حتى اذا طردت من داخلها كل ما هو متنافٍ مع الله وغير متلائم معه ولم يبق فيها اي شيء باستثناء ارادة الله، صارت حقا على صورة الله ومثالِه وبالتالي استحالت فيه. من هنا إنه بالرغم من حقيقة وجود الله الدائم في النفس (كما قلنا) وهو وجود يحقق لها كيانَها الطبيعي ويحفظه لها، الا انه لا ينقل اليها دائما ما هو فائق الطبيعة. فالوصول بين الفوطبيعي والنفس لا يتم الا بالحب والنعمة. وهي حالة لا تتوفر لكل النفوس، حتى إذا توفّرت لبعضها فبدرجات متفاوتة ومتناسية مع ضِرام الحب في تلك النفوس، حتى إذا توفّرت لبعضها فبدرجات متفاوتة ومتناسبة مع ضِرام الحب في تلك لنفوس. فالله إذاً يتَّصل اكثر بالنفس التي حظيت بحب اعظم من جرّاء مماثلة اكبر لارادتها مع ارادة الله. والنفس التي بلغت المماثلة الكاملة حتى اصبحت ندّاً لله تتحد به كليّا وتستحيل فيه فوطبيعيا. من اجل ذلك سبق ان ألمحنا الى ان النفس كلما كانت منشغلة بالخلائق ومهارتها – اي منفعلة بها ومعتادة عليها – كلما خف استعدادها لهذا الاتحاد لانها لا تدع المجال على رحبه لله لكي يحيلها الى ما هو فوطبيعي. وخلاصة القول ان النفس ليست في حاجة الى اكثر من ان تتجرد عن هذه العوائق والتباينات الطبيعية لكي يصلها الله فوطبيعيا بالنعمة اضافة الى اتصاله بها طبيعيا بالطبيعة.
5- هذا ما اراد القديس يوحنا الايحاء به عندما تكلم عن "الذين لا من دم ولا من مشيئة رجل لكن من الله ولدوا"(يو 1/13)، كما لو أنه أراد القول: أن اولئك الذين ل&