الإرتقاء إلى جبل الكرمل

الكتاب الثالث

يبحث في ما يتوجّب على النفس من تأهّب لكي تبلغ بسرعة مرحلة الإتحاد الإلهي، ويتضمّن إرشادات وطرقاً مفيدة جداً للمبتدئين والمتقدمين على حد سواء، فيعرفوا كيف يتخلصون من كل ما هو زمني، ولا يرتبكوا تجاه ما هو روحي بل يستمرّوا في عريٍ كلي وفي حرّية الروح التي يتطلّبها الإتحاد الإلهي.

تأليف

الأب الجليل يوحنا الصليب، الكرملي الحافي.

الباب الثالث

يبحث في التركيبة وفي الليلة  النشيطة للذاكرة والارادة يعلّم كيف يجب على النفس ان تتصرف حيال هواجس هاتين القوّتين بقصد السعي الى الاتحاد بالله بحسبهما، من خلال الرجاء الكامل والمحبة.

الفصل الاول

1- بعد ان روّضنا الذهن، قوة النفس الاولى، على كل ادراكاتها في الفضيلة اللاهوتية الاولى، اي الايمان – لكي تستطيع النفس، بحسب هذه القوة، ان تتحد بالله بواسطة صفاء الايمان  يبقى الان ان نفعل تالشيء نفسه في قوتي النفس الاخرين، وهما الذاكرة والارادة، بقصد تطهيرهما من تصوراتهما وهواجسهما، فيتسنّى للنفس حينئذ ان تتحد بالله، بحسبهما، بالرجاء الكامل والمحبة. هذا الهدف سنحاول تحقيقه في هذا الباب الثالث، وسنتوخّى الايجاز في ذلك نظرا الى اننا سبق ان اتينا في البابين السابقين على بعض جوانب الموضوع لدى بحثنا في الذهن الذي هو بمثابة الوعاء لسائر المواضيع الاخرى – فالروحاني اذلا ما روض الذهن جيدا على الايمان وفق عقيدتنا التعليمية فلا بد له ايضا من ان يعرّج على القوتين الاخريين فيروضهما على الفضيلتين الاخريين، نظرا اى تشابك العمليات في قوى النفس الثلاث والى ارتباط بعضها ببعض.

2- على اننا تقيدا منا بالاسلوب الذي اعتمدناه، وتوخيا لفهم افضل لكل شيء، نرى من الضروري ان نتكلم بشكل مخدد في كل مادة على حدة وتبعا لذلك سنبحث هنا في تصوّرات كل قوة، بادئين بتصوّرات الارادة. وهذه نبدأ بتمييزها بموجب مواضيعها الثلاثة:

الطبيعية والخيالية والروحيّة، مما يحتّم التمييز بين معارف الذاكرة الى معارف طبيعية ومعارف فوطبيعية خيالية ومعارف روحية.

3- وسنبدأ بحثنا، بعون الله، بالمعارف الطبيعية التي هي مواضيع اكثر خارجية. ثم نتطرق الى ميول الارادة، منهين بذلك هذا الباب الثالث من الليلة النشيطة الروحية.

الفصل الثاني

يبحث في التصورات الطبيعية للذاكرة، وكيف يجب تفريغها منها

لكي تستطيع النفس الاتحاد بالله بحسب هذه القوة

1- ينبغي على لاقارىء ان ياخذ في اعتباره القصد الذي نتوخاه في كل من هذه الابواب الثلاثة لئلا تأخذه الشكوك العديدة ي ما يقرؤه حول ما قلناه عن الذهن وما سنقوله عن الذاكرة والارادة. فلعله عندما يرى كيف اننا نفني قوى النفس في ما خص عملياتها سيظن اننا نحطم بالحري طريق التمرس الروحي بدلا من ان نعمّره، الامر الذي قد يكون صحيحا لو لم نكن اردنا هنا تعليم المريدين الذين يتحتم عليهم التهيؤ بواسطة هذه التصورات الاستدلالية والمدركة.

2- لكن بما اننا نعطي هنا مذهبا تعليميا يساعدنا على تجاوز مرحلة التطلع الى مرحلة الاتحاد بالله، وهي نتيجة يترتب علينا من اجل بلوغها ان نخرس كل الوسائل والتمارين الحسية لقوى النفس وان نلجمها الى الوراء لكي يحقق الله وحده الاتحاد الالهي بالنفس، من اجل ذلك يتعين اتباع هذا الاسلوب في تخليص النفس من كل ما يعيق تقدمها، وذلك بتفريغ قواها من عملياتها الطبيعية، ويجعل هذه القوى تتخلى تلقائيا عن اختصاصها لتفسح في المجال امام الانبثاث والاستبانة الخارقين، اذ لو بقيت في الساحة لشكلت بسعتها المحدودة عائقاً يمنع بل يبعد هاتين النعمتين عن التحقق في النفس.

3- واذا كان صحيحا – وهو كذلك – انّ على النفس ان تعرف الله بما ليس هو لا بما هو، فانها بالضرورة لا بد لها ان تذهب اليه وهي تنفي حتى آخر جهد ممكن تصوراتها الطبيعية او الخارقة، لا وهي تقبلها. وهذا الذي نقوله ينطبق الان على الذاكرة، ولذا فاننا سنسعى الى اخراجها عن طورها والى جعلها تتخطى حدودها الطبيعية، وسندفعها الى عل بحيث تتجاوز ذاتها، اي فوق اي معرفة متميزة ودرك خاص بها وحدها، لتندمج في سمو رجاء الله الذي لا يسبر غوره.

4- واذ ابدأ بالمعارف الطبيعية التي في الذاكرة اقول انها تتألف من كل ما تصوغه هذه من مواضيع بواسطة الحواس الخمس، وهي البصر والسمع والشم والذوق واللمس. فكل هذه المعارف والاشكال يجب على الذاكرة ان تطرحها عنها وتتعرى مها، وان تسعى الى فقدان حتى تصوراتها الخيالية، بحيث انها لا تدع اي معرفة مطبوعة فيها، ولا اثرا لاي شيء، وعلى العكس من ذلك تظل صلعاء وحليقة كما لو انها لم تكن ابدا ممرا لاي شيء من هذا القبيل، كما لو انها نسي منسي معلق في الهباء. هذا اقل ما معليها فعله، اعني ان تنعدم بالمرة في ما خص كل الاشكال، ان هي ارادت الاتحاد بالله. فالاتحاد مستحيل ان لم تنفصم انفصاما تاما عن كل الاشياء التي ليست الله، لانه جل جلاله لا يقع البتة تحت اي شكل ولا اي فكرة متميزة، كما اشرنا الى ذلك في ليلة الذهن. وبما انه "ما من احد يستطيع ان يعمل لسيدين"(متى6/24)، كما قال السيد المسيح، فالذاكرة لا تستطيع ان تكون متحدة بالله وبالاشكال والمعارف المتميزة، في آن معا. وحيث ان الله لا شكل له ولا صورة يمكن ان تلتقطها الذاكرة، نرى ان النفس عندما تكن متحدة بالله (كما نرى كل يوم بالاختبار) تظل من دون شكل ولا صورة، والمخيلة ضائعة، والذاكرة غارقة في الخير الاسمى وقد نسيت كل شيء حتى ذاتها. لان هذا الاتحاد الالهي يفرغها من الفنطازيا ونظفها من ك الاسكال والمعارف ويرفعها الى حيث تفوق الطبيعة.

5- وهكذا فانه لشيء يستحق الذكر ما يجري هنا احيانا: فالله عندما يصنع لمسات الاتحاد هذه في الذاكرة يتكون فجأة في الدماغ – وهو مركز هذه القوة – ترنُّح مؤثر جدّا حتى ليبدو ان كل الرأس قد غشي عليه وان الحكم والحس قد فقدا : وهذا الترنح، مع نتائجه، يقوى او يخف بمقدار ما تكون لمسة الله قوية او خفيفة. وحينئذ، وبسبب هذا الاتحاد تفرغ الذاكرة وتتطهر من كل معارفها (كما قلت)، وتظل في نسيان كبير احيانا لدرجة انها تكون في حاجة الى بذل كثير من الجهد والعناء لتتذكر شيئا ما.

6- على ان نسيان الذاكرة وتعطل المخيلة نتيجة الاتحاد بالله يحدثان احيانا بشكل تفقد معه النفس احساسها بالزمن، فيمر وقت طويل لا تشعربه ولا ترعف ما طرأ خلاله من احداث. وبما ان المخيلة تكون حينئذ معلقة، فاذا ما طرأ على النفس اشياء مؤلمة فانها لا تحسها، لان الشعور ينتفي من دون مخيلة، ثم هي لا تدركها بالفكر نظرا الى انه معطل بدوره. ولكي يأتي الله ويصنع لمسات الاتحاد هذه يليق بالنفس ان تجرد الذاكرة من كل المعارف المدركة. هنا تجدر الاشارة الى ان تعليق هذه القوة تلا يتم على هذا النمط عند من بلغ الكمال، لان هذا يكون دخل مرحلة الاتحاد الكامل، وانما هو يحصل في بداية الاتحاد.

7- ولربما تقولون لي ان هذا يبدو حسنا، لكنه يستتبع حتما هدم الاستخدام الطبيعي للقوى ووقف مجراها، وترك الانسان عادم الذاكرة كالبهيمة، بل أسوأ: لا يفكر ولا يتذكر لا الضرورات ولا العمليات الطبيعية. وقد تزيدون ان الله لا يهدم الطبيعة ب يكملها، وان في ما يتم هنا هدما حتميا لها لانها تنسى ما هو معنوي ومعقول ينتظر الممارسة، وما هو طبيعي ينتظر التنفيذ؛ وهي تنسى ذلك ولا تتذكره البتة لانها تنحرم من المعارف والاشكال التي هي وسيلة الذكرى.

8- على كل ذلك اجيب ان الامر هو ما تقولون، اذ ان الارادة بمقدار ما يقوى اتحادها بالله بمقدار ما يزداد للمعارف المتميزة حتى يبلغ تمامه عندما تصل النفس بالكمال الى حال الاتحاد. ومع ذلك عندما تبدأ النفس هذه السيرورة، لا تستطيع ان تمتنع عن نسيان الاشياء ما دامت تتدرج في فقدان الاشكال والمعارف؛ وهكذا تقترف اخطاء عديدة في مجال العرف والمعاطاة الخارجية، فتنسى انه عليها ان تأكل وتشرب ولا تذكر هل عملت او رات ام لا، وهل قيل هذا الامر ام لا، وكل ذلك لانها مستغرقة في الله. لكن ما ان تبلغ ملكة الاتحاد، وهي خير عميم، حتى لا تعود تشكو النسيان بهذا الشكل على الصعيدين المعنوي والطبيعي. وعلى العكس من ذلك فانها في العمليات المناسبة الضرورية تكون اكثر كمالا حتى وان لم تضعها موضع العمل بواسطة ومعارف الذاكرة. ذلك ان الذاكرة عندما تحوز ملكة الاتحاد، وهي حالة تفوق الطبيعة، تصاب بالوهن في عملياتها الطبيعية ، مثلها في ذلك مثل القوتين الاخريين. فعندما تنتقل من حدها الطبيعي الى حد الله الخارق فانها تستحيل آنذاك في الله ولا يمكن اذاك ان ينطبع فيها اي من اشكال ومعارف الاشياء. ولذلك فان عمليات الذاكرة والقوتين الاخريين تكون ي هذه الحالة الهية محض. فالله يمتلك من الان فصاعدا كسيد مطلق القوى التي استحالت فيه. وهو الذي يحركها ويقودها اليها بحسب روحه الالهي ومشيئته. وهكذا لا تعود عمليات قوى النفس متميزة لان ما تقوم به النفس حينئذ انما هو الله بحيث يمكن القول ان عمليات قواها هي عمليات الهية. وقد عبر القديس بولس عن هذه الحقيقة بقوله: "واما من اقترن بالرب فقد صار واياه روحا واحدا" (1قور6/17). واذا، فعمليات النفس في حال الاتحاد مصدرها الروح الالي وبالتالي فهي الهية.

9- ينتج تعن ذلك ان اعمال هذه النفوس هي تلك الأعمال اللائقة والحكيمة وليست تلك التي لا تناسب المقام. فروح الله يجعلها تعلم ما ينبغي ان تعلمه، وتجهل ما يجب ان نتجهله، وتتذكر ما يتعين عليها ان تتذكره باشكال وبلا أشكال، وتنسى ما وجب نسيانه، وهو يدفعها الى محبة ما يتحتم عليها ان تحبه، وإلى عدم محبة ما ليس من الله. وهكذا فكل الحركات الاولى لقوى هذه النفوس هي إلهية. ولا عجب في ان تكون حركات وعمليات القوى الهية ما دامت هذه قد استحالت في الكائن الالهي.

10- سأذكر هنا بعض الامثلة من هذه العمليات لنتصور شخصا يطلب من آخر بلغ هذه الحالة ان يتشفع له امام الله. وان هذا الاخير لم يعد يذكر ما طلب منه بأي شكل من الاشكال. ولم يعد في ذاكرته اي اثر لطلب الشفاعة. فاذا كان مستحسنا تزكيته امام الله – الامر الذي يحصل عندما سيطيب لله ان يتقبل الصلاة المقدمة على نية هذا الشخص – فان الله سيحرك شعور المصلي ويضع فيه رغبة لطلب الشفاعة. اما اذا كان الله لا يريد هذه الصلاة. فمهما جهد المصلي فانه لن يستطيع اتمام صلاة التشفع ولن تحدوه اي رغبة اليها. وقد يتفق ان الله يمنحه النعمة لكي يصلي على نية اشخاص آخرين لم يسبق له ان عرفهم او سمح بهم. ذلك لان الله وحده هو الذي يحرك قوى هذه النفوس (كما قلت آنفا) لتقوم بهذه الاعمال التي تتوافق مع ارادته وتدبيره الالهيين، بحيث انها تعجز عن التحرك لانجاز غيرها من الاعمال. وهكذا فان افعال وصلوات هذه النفوس تؤتي دائما أُكُلَها. كذا كانت صلوات امنا اعذراء المجيدة التي رفعت منذ البداية الى هذه الحال السامية فما انطبع ف ينفسها اي شكل لاي خليقة غير الله، ولا تحركت يوما الا بتاثير من الروح القدس.

11- وعلى سبيل المثال ايضا لنفرض ان شخصا ما عليه ان يتفرغ لمسألة ضرورية اثناء وقت معين، الا انه لن يتذكر هذه المسألة بأي شكل من الاشكال. لكن، من دون ان يعرف كيف، يجد نفسه وقد اوحي اليها متى وكيف يناسب ان ينجز عمله بلا اي نقص.

12- فالروح القدس لا ينير النفوس في هذه الامور حسب بل ايضا في العديد من الحالات التي تحصل وستحصل حتى ولو كانت النفوس غائبة. وهو يتدخل حينا بواسطة اشكال فكرية، واحيانا من دون اشكال مدركة فيتساءل المرء كيف تمت له هذه المعرفة. وانما يأتيه النور من لدن الحكمة الالهية. فلكون هذه النفوس تتمرن على عدم معرفة ودرك أي شيء بواسطة القوى تتوصل عادة الى معرفة كل شيء (كما اشرنا في رسم الجبل، وفق قول الحكيم: "لان الحكمة مهندسة كل شيء هي علّمتني".

13- قد تقولون لي ان النفس لن يكون في استطاعتها تفريغ وحرمان الذاكرة من كل الاشغال والفنطازيات والوصول مع ذلك الى هذه الحالة السامية. وتضيفون ان ثمة صعوبتين هما فوق القوى والمهارات البشرية اولهما استبعاد ما فطر ليه الانسان بواسطة المهارة الطبيعية، وهذا امر لا يكون؛ وثانيتهما الاتصال والاتحاد بما يفوق الطبيعة، وهو امر تحقيقه اكثر صعوبة. ردا على ذلك اوافق على ان ذلك مستحيل بالمهارة الطبيعية فقط، وان الحقيقة تفرض القول ان الله هو من يجب ان يريفع النفس الى هذه الحالة الخارقة؛ لكنني اضيف ان على النفس ان تستعد لقبول هذه الحالة ما امكنها ذلك، وهو امر تستطيع القيام به طبيعيا، لا سيما اذا اعتمدت على مساعدة الله لها. وهكذا فانها ما ان تندخل من جهتها في نفي وفراغ الاشكال حتى يروح الله يضعها في حالة امتلاك الاتحاد. وهو يفعل ذلك فيها سلبيا (كما سنبيّن ذلك بعونه تعالى يفي بحثنا عن ليلة النفس السلبية)، بمعنى انه يسبغ عليها ملكة الاتحاد الكامل عندما يحلو له ذلك وعلى قدر استعداداتها.

14- ان النتائج الالهية التي يحدثها الاتحاد الكامل بالنفس، ان من جهة العقل ام من جهتي الذاكرة والارادة، لسنا في وارد ذكرها اثناء بحثنا هذا عن الليلة والتزكية النشيطة، حيث لا يمكن ان تتم اللمسات الاخيرة للاتحاد الالهي، لكننا سنتحدث عنها لدى بحثنا عن الليلة السلبية التي ينجز خلالها قران النفس بالله. فقط سأتكلم هنا عن الوسيلة اللازمة للذاكرة لكي تنشط ما وسعها ذلك في ليلة التطهير النشيطة هذه، فأقول انه من طبيعة الامور ان يتحلى الروحاني بهذه الحيطة: لا يسجّل ويحفظ في ذاكرته اي شيء يسمعه او يراه او يشمه او يذوقه او يلمسه، بل ينسيه حالا ويجتهد في نسيانه مثلما يجتهد الآخرون في تذكيره، بحيث لا يبقى في ذاكرته اي معرفة او هيئة، كما لو ان عالم الاشكال غير موجود في هذا العالم، فتحرر الارادة وتخلو من اي اعتبار يقيدها بأعلى او بأسفل، كأنها غير موجود بالفعل، لأنه اودعها عالم النسيان وتخلص منها كما يتخلص من شيء مزعج. فما فطر عليه الانسان يزعج اكثر مما يفيد اذا اريد استخدامه على الصعيد الفوطبيعي.

15- اما اذا اثيرت هنا الشكوك والاعتراضات التي سبق ان طرحت لدى بحثنا عن الذهن، وفحواها اننا لا نعمل شيئا وانما نهدر وقتنا سدى ونحرم ذواتنا من الخيرات الروحية التي يمكن للنفس قبولها عن طريق الذاكرة، فنجيب بأننا رددنا عليها في حينه وسنرد ايضا لدى بحثنا عن الليلة السلبية. ولهذا السبب ليس ما يوجب توقفنا هنا لمعالجة مثل هذه الامور. فلنذكر فقط هذه النصيحة: لئن كنا لا نتلمس في البدء النفع الحاصل من تعليق المعارف والاشكال فما على الروحاني ان يتضجّر من ذلك لان الله لن يتوانى عن المجيء في حينه. وفضلا عن ذلك، أفلا يجب ان نقاسي ونتألم بصبر ورجاء من اجل خير عميم كهذا؟

16- واذا كان صحيحا انه بالكاد توجد نفس يحرّكها الله وحده في كل الاشياء وفي كل الاوقات، ويبقيها في حالة اتحاد متواصل لدرجة ان قواها تتحرك دائما بقوة الهية من دون ما حاجة الى اي شكل، فإنه صحيح ايضا ان ثمة نفوسا كثيراً ما يحركها الله في عملياتها، ومع ذلك فليست هي من يتحرك، بحسب كلمة بولس الرسول القائل: "ان الذين ينقادون الى روح الله يكونون حقا ابناء الله" (روم8/14)، اي ان نفرسهم استحالت واتحدت به بسبب الافعال الالهية الحاصلة في قواهم. فليس عجباً اذا ان تكون الافعال الهية ما ام اتحاد النفس هو بدوره الهيا.

الفصل الثالث

يذكر ثلاثة انواع من الاضرار التي تصيب النفس عندما لا تطرد

من الذاكرة المعارف والأقوال، ويفيض في شرح الأولى.

1- يتعرض الروحاني لثلاثة اضرار اذا اصرّ على استخدام المعارف والاقوال الطبيعية للذاكرة من أجل الذهاب الى الله او ما يشبه ذلك منها اثنان ايجابيان وواحد سلبي. الاول يتأتّى عن أشياء هذا العالم والثاني عن الشيطان، اما الثالث فيتطرّق الى العائق السلبي الذي تشكله يالمعارف والاقوال في وجه الاتحاد الالهي.

2- الضرر الاول الذي يصيب النفس من قبل العالم ناتج من ان امعارف والاقوال تعرضها للبهتان والنقائص والنوازع والاحكام وضياع الوقت وغيرها من الامور التي تولد شوائب عديدة تلطخ صفاء النفس. ويتّضح ان النفس لا بد ان تتعرض للبهتان اذا لم تلجم المعارف والاقوال، من حقيقة ان الصحيح غالباً ما يبدو خطأ، والأكيد مشكوكاً فيه – وبالعكس – لكوننا بالكاد نستطيع ان نلج جذر حقيقة ما. فلنتخلص اذا من هذه المعارف والاقوال، مُخْلينَ الذاكرة منها تماما.

3- تجد الذاكرة في كل مناسبة نقائص في ما تسمع وترى وتشم وتلمس وتذوق، ولا بد ان يبقى فيها بعض الانفعالات من الالم او الخوف او الكره او الامل الوهمي او الفرح التافه او المجد المباطل...الخ، وهي على الاقل شوائب واحيانا خطايا عرضية حقيقية، من شأنها ان تلوّث نقاء النفس من دون ان تعي هذه خطر هذا التلوث حتى ولو كان موضوع الاقوال والمعارف الله نفسه. ويبدو لنا بوضوح ايضا ان الانفعالات المذكورة تولّد في النفس نوازع، ويتضح ذلك من كون النوازع تولد طبيعيا من المعارف والاقوال، قم من ان مجرد ميل الارادة اليها ان هو الاّ نازع ويتضح كذلك ان النفس، في اجواء كهذه، لا بد لها من ان تطلق الاحكام، فليس ما يمنع تعثرها بواسطة الذاكرة ف يما يفعله الغير من خير أو شر، حيث تختلط المقاييس أحيانا فيبدو لخير شراً والشر خيراً. وهذه كلها أضرار لا أظن أن في وسعنا التملص منها ان لم نعتم الذاكرة تعتيما كاملا بالنسبة الى كل الاشياء.

4- فإذا ما قلتم لي أن من مكنة الانسان ان يقهر كل هذه الاشياء عندما تطرأ عليه، أجيبكم انه من المستحيل ان يتوصل الى التغلب عليها بالكامل ان هو اولى المعارف انتباهه. فهذه تجعل النفس تنزلق الى ألف نقيصة وشائبة، ومنها ما كان رفيع المخرز بحيث تبقى عالقة في لانفس من دون أن تشعر، مثلما يفعل تالقطران في يد من يحمله. وأزيد على ذلك أن النفس تتغلب على كل شيء دفعة واحدة وبطريقة افضل ان هي جعلت ذاكرتها لا تذكر شيئا.

5- وقد تُحاجّوني ايضا بأن النفس ان هي فعلت ما تطلبه منها انما تحرم من عدة افكار صالحة واعتبارات تقوية تفيدها كثيرا في استجلاب أنعام الله. فأجيبكم بأن صفاء النفس يفيد اكثر في اجتذاب النعم، وهذا الصفاء قوامه الاّ يعلق بالينفس أي ميل الى الخليقة او الى شيء عابر، وهذا لن يتم ما دام في النفس قوة عاملة نظرا الى النقص الحاصل تلقائيا في عمليّاتها. ولذلك كن الاولى بنا ان نخرس القوى ونعوّدها على الصمت، حتى يتكلم الله. لأننا (كما قلنا) لكي نبلغ هذه الحالة يجب أن تغرب العمليات الطبيعية عن بالنا، الامر الذي يتم – كما يقول النبي – عندما تأتي النفس مع قواها "الى البرية ويخاطب الله قلبها" (هوشع2/14).

6- أما اذا عدتم الى النقاش فقلتم إن النفس لن تحصل على أي خير اذا لم تتبصر الذاكرة في الله وتتذاكر في شؤونه، وانه مع ذلك سيتسرب اليها الكثير من الخور والشرود، لأجبتكم انه يستحيل على أي شر او شرود او شائبة او رذيلة ان يستقر في النفس لو أن الذاكرة انسحبت من اشياء هذه الحياة والحياة الاخرى معا، اذ لا مكان تقدر ان تتسرب منه كل هذه الشرور غير هَذْرِ الذاكرة. ولقد يحدث ما تقولون لو اننا وقد اقفلنا الباب في وجه انعام النظر والتذاكر حول الاشياء السامية شرّعناه في وجههما شأن الاشياء الارضية. لكننا هنا نغلق الباب في وجه كل شيء، من أي جهة أتى، ونتصرف بطريقة تجعل الذاكرة تسكن وتخرس، ليرنو الصمت على مسمع الروح، فيتوق الى الله قائلا: "تكلم يا رب، فإن عبدك يسمع" (1صموئيل3/10). وهكذا ينبغي على العروس أن تكون ليفرح بها الحبيب: "اختي العروس جنةٌ مقفلة، ينبوعٌ مقفل وعين مختومة"(نشيد4/12)، أي لا يمكن لأي شائبة ان تدخلها.

7- فلنختم اذا على ذاكرتنا فنقفل بذلك بابا يدخل منه الريح. فذاك الذي جاء والابواب مغلقة فوقف في وسط تلاميذه (يوحنا20/19 و26 ولوقا24/36) ومنحهم السلام من دون ان يعرفوا أو يفكروا في ان ذلك كان ممكنا وكيف، هو سيدخل روحيا في النفس من دون ان تعرف كيف ومن دون ان تساهم في ذلك لأن ابواب قواها الثلاث – الذاكرة والعقل والارادة – ستكون مقفلة في وجه كل التصورات، وهو سيملؤها سلاما "لأنه هكذا قال الرب هآنذا اميل اليها السلام كالنهر" (أشعيا66/12)، نازعا منها كل المخاوف والشكوك والاضطرابات والظلمات التي كانت تجعلها تدرك انها كانت هالكة او سائرة نحو الهلاك. ألا فلتعن دائما بأن تصلي وتنتظر بعرى وفراغ، فلن يطول وصول الخير اليها!

الفصل الرابع

يبحث في الضرر الثاني الذي يقدر  ان يصيب النفس من قبل الشيطان

عن طريق تصوّرات الذاكرة الطبيعية

1- الضرر الايجابي الثاني الذي يقدر ان يطال النفس بواسطة معارف الذاكرة يأتي من طرف الشيطان الذي يملك قدرة كبيرة على النفس في هذا المجال. فهو يستطيع ان يزيد اشكالا ومعارف واقوالا، وبواسطتها يجعل في النفس انفعالات من الكبرياء والبخل والحسد والغضب...الخ، ويضع فيها كرها ظالما وحبا باطلا، ويغشها في امور عديدة. وفضلاً عن ذلك، فان من عادته ان يغرس الاشياء في الفنطازيا وان يخلطها بحيث يبدو الخطأ صوابا والصواب خطأ. وبكلمة، فان كل خداعات الشيطان الكبرى وكل الشرور العظيمة التي يحدثها في النفس انما تدخل بواسطة معارف الذاكرة وأقوالها. ولذا فان هذه ان عتمت بيتها وانفَنَت بالنسيان تغلق الباب كلياً في وجه هذا الضرر الاتي من الشيطان، وتتخلص من كل هذه الاشياء، وفي ذلك خيرها العظيم. وفي الواقع، لا يستطيع الشيطان ان يفعل اي شيء في النفس الا بواسطة عمليات قواها، ولا سيما بواسطة الافكار المتضمنة في المعارف، اذ بها تتعلق تقريبا كل عمليات القوتين الاخريين. لذا فان الذاكرة ان انفنت وأفنت معها هذه الافكار تزيل من أمام الشيطان أي محك وتفقده بالتالي اي قدرة، فيعود من محاولاته بخفي حنين.

2- لكم اود لو ان الروحانيين يرون للمرة الاخيرة كل الاضرار تحدثها الشياطين بواسطة الذاكرة في اتلنفوس التي تريد الاستعانة بها كثيرا. فكم من الاحزان والبلايا والافراح الرديئة الباطلة يحدثها الشياطين في الينفوس، أكان ذلك بواسطة الاشياء التي تتذكرها لتفكر في الله ام بواسطة تلك التي تجترها عن لعالم. وكم من الادران يغرزها اللعين في جذور الروح، فيلهي النفس من الاختلاء السني الذي يقضي بأن تضع كل قواها في الخير الوحيد الذي لا يدرك وبأن تنزعها عن كل الاشياء المدركة الامر الذي يشكل خيرا بارز المعالم لانه سبب في خلاص النفس من عنائها وأشجانها وأحزانها، ناهيك بنقائصها وخطاياها. هذا مع الاستدراك ان خيرا كبيرا مثل الاتحاد بالله لا ينبثق من مثل هذا الفراغ.

الفصل الخامس

في الضرر الثالث الذي يطال النفس من جرّاء المعارف المتميّزة الطبيعية في الذاكرة

1- الضرر الثالث الذي تتعرض له النفس من جراء تصورات الذاكرة الطبيعية هو سلبي من حيث ان هذه التصورات تستطيع ان تمنع عن النفس الخير الادبي وان تحرمها من الخير الروحي. ولكي نقول بادىء ذي بدء كيف تمنع التصورات الخير الادبي عن النفس لا بد من معرفة ان هذا الاخير قوامه لجم النوازع غير المرتبة وكبحها، الامر الذي ينتج عنه طمأنينة وسلام وراحة في النفس، فضلا عن الفضائل الادبية. على ان النفس لمن يكون في وسعها الامساك كما يجب بهذا اللجام او بهذا الكابح ما لم تنس وتبعد عنها الاشياء التي تولد الانفعالات. فلا سبيل للإضطرابات تدخل النفس غير سبيل تصورات الذاكرة. لأنه اسدل ستار النسيان على كل الاشياء لا يعود هناك ما يعكر السلام ولا ما يحرّك النوازع، طبقا لقول المثل: ما لا تراه العين لا يرغب فيه القلب.

2- وهذا ما تعلمناه اياه الاحداث كل يوم. فنحن نلاحظ انه عندما تفكر النفس في شيء ما تتأثر وتتشوه كثيرا او قليلا بمقدار نوع تصورها. فاذا كان هذا ثقيلا ومزعجا سبب لها التعاسة، وإذا كان مستحبا ولّد فيها الرغبة والفرح...الخ، مما جعل الاضطرابات يتلازم بالضرورة مع التغير الحاصل في التصور. وهكذا فتارة نرى النفس فرحة، وطورا حزينة، ومرة تكره، وأخرى تحب؛ فلا يمكنها الثبات على حالة واحدة – والثبات، كما لا يخفى، هو النتيجة الحتمية للطمأنينة الادبية – الا اذا حزمت امرها وحاولت نسيان كل شيء. وإذاً يتضح لنا من الاختبار اليومي ان المعارف تعرقل كثيراً في النفس الخير الناجم عن الفضائل الادبية.

3- وانه لمن السهل ايضا ان نبرهن مما سبق قوله ان الذاكرة المشوشة تعرقل الخير الروحي. فالنفس المضطربة والتي ليس لها اي اساس من الخير الادبي هي لهذه الجهة غير قادرة على اثبات الخير الروحي الذي لا ينطبع الا في النفس المعتدلة والمتمتعة بالسلام الداخلي. والى ذلك اذا احتفظت النفس بتصورات الذاكرة واولتها اهتمامها، فبما انها لا تستطيع ان تحصر انتباهها في اكثر من شيء واحد، تعجز ان تكون حرة حيال ما لا يُدرَك، اي الله. وخلاصة القول ان النفس اذا ارادت الذهاب الى الله يجدر بها ان تتوجه اليه من دون ان تفهم، فذلك احسن لها من ان تفهم، ثم عليها ان تستبدل ما هو متغير ومدرك بما هو ث