ORDRE DES PERES CARMES AU LIBAN

رهبانية الآباء الكرمليين في لبنان

القديس يوحنا الصليب

شعلة الحب المتقدة

S. Juan de la Cruz ocd: “Llama de Amor viva”

شرح ادوار الاغنية الاربعة المتضمّنة بوح اسمى درجات

الاتحاد التي تستطيع النفس بلوغها في هذه الحياة بنعمة الله

ديباجة

1- لقد واجهتُ بعض الصعوبة، ايتها السيدة الشريفة والمتعبدة في اعلان هذه الادوار الاربعة التي طلبتها مني، فتلك امور شديدة التجذّر في قرارة النفس وأعماق الحياة الروحية بحيث ان البوح بها تعجز عنه الالسن أو تشتطّ فيه – على اعتبار ان ما هو من شأن الروح يتعدى الحس وليس في الوسع اطلاق قول ما في جوهره الاّ بشق النفس – وأيضا لأن لا أحد يستطيع الكلام، الاّ بروح حمساء على ما في داخل الروح؛ فإن استطاع الى ذلك سبيلاً فلأنه سبق له ان عاش حالات روحية حميمة، وهذا ما لم يتوفر لي الا لماما وجعلني أماطل الى الآن. اما الآن، بعد ان بدا ان ربنا كشف لي بعض الشيء معرفة ما بداخل الروح وأضرم فيّ قليل شوق الى البوح (وهو ما اعتبره حدث لي من اجل الرغبة المقدسة التي تعتمل فيكِ فبما ان هذه الادوار كتبت خصيصا لك فلربما كانت ارادة الرب أن تشرح من اجلك)، فقد تشجعت وانا اعلم علم اليقين انني ان تركت لقواي الذاتية فلن استطيع قول اي شيء مناسب حول اي موضوع، فكم بالحري حول امور سامية وجوهرية كهذه. من اجل هذا لن يتأتّى عنّي الاّ ما كان رديئا وخطأاً، وعليه فإني أخضع ما سأكتبه لرأيٍ أفضل ولحكم أمّنا الكنيسة الكاثوليكية الرومانية – ومَن اتّبعها جانبه الضلال، فإذا ما سلّمنا بهذا الامر، واستنادا مني على الكتاب المقدس – شريطة الاعتقاد ايضا بوجود فرق بين ما سأقوله وما هو موجود هنا كالفرق بين الرسم والشيء الحي – فإني سأتجرّأ على قول ما سأعرفه.

2- والحال انه لا سبيل اطلاقا الى التعجب من كون الله يسدي نعما كهذه، فائقة وغير مألوفة، الى النفوس التي يبتغي ان يحبوها ويعلّلها بها. لانه اذا اعتبرهنا انه الله وأنه يسبغ هذه النعم بصفته إلها وبطيبة ومحبة لا متناهيتين، فإن الأمر لا يعود يبدو لنا خارجا عن المألوف؛ فقد قال أن الآب والابن والروح القدس "يجيئون الى من يحب الله ويجعلون لهم عنده مقاما" (يوحنا 14/23) وهذا لا يتأتّى الا بجعله يحيا ويستمر في حياة الله، الآب والابن والروح القدس، مثلما تلحن النفس في هذه المقاطع.

3- على أنه بالرغم من أننا نعالج، في الأدوار التي أعلنّاها فوق هذا الكلام، ارفع درجات الكمال التي يتاح للنفس بلوغها في هذه الحياة – وهي الاستحالة في الله – الاّ أن هذه الادوار الاربعة تبحث في الحب الالهي الاكثر تقدما وكمالا في هذه الحالة من الاستحالة. وفي الواقع لئن لم يكن ما ورد في هذه الادوار الحالية وفي تلك السابقة سو حالة واحدة من الاستحالة التي لا يمكن للنفس تجاوزها على هذا الصعيد، غير ان هذه تستطيع، مع مرور الزمن وطول الممارسة أن تتنامى في الحب وتتحد بجوهره. لا أكثر ولا أقل من النار التي ولجت الخشب. فبالرغم من أنها أحالته اليها وهي اتحدت به كلية، الاّ أنها مع ذلك كلما تضرّمت واستطال رسوخها فيه جعلته أكثر احتداما والتهابا بحيث يقذف بعنف اللهب والشرر.

4- وفي هذه لدرة من الحب الملتهب يتعيّن علينا أن نفهم ما تحكيه النفس هنا، بعد أن تحوّلت كلية وتبدّلت داخليّاً الى نار محبة بحيث أنها لم تتّحد فقط مع هذه النار بل أن هذه اخذت من الآن فصاعدا تنفث فيها شعلة متّقدة. هكذا تحس النفس هنا، وهي تعبّر عن احساسها منخلال هذه المقاطع تعبيرا يتّسم بحلاوة الحب الرهيف النابع من الصميم، هذا الحب الذي تحترق في لهيبه. واذا، فها هي تتهوّس مبدية في هذه الادوار بعض النتائج التي تسببها هذه النار فيها – وهي نتائج سوف نعلنها وفق النمط ذاته الذي اتّبعناه آنفا: فلسوف أنشرها أولا مجتمعة، ثم آخذ كل دور بمفرده وأوجز فحواه، وأخيرا أفيض في شرح كل آية.

نهاية التوطئة

 

تنشدها النفس وقت اتحادها الحميم مع الله.

1- يا لَشعلة الحب المتقدة

مَن حنانُهل يُدمي الفؤاد

في عمقِ أعماقِ نفسي!

الآن وقد زال احتدامُكِ

أَكملي، اذا شئتِ، هذا اللقاءَ السعيد

وعنه شقّي الحَجاب.

2- يا مَيسماً مستعذَبا

ما أرقَ جرحَه!

يا يدا مداعِبه ومَلمَسا رقيقا

ينضح بالحياةِ الابدية،

فيفي عنّا كلَّ الديون؛

وبطعنتك، من الموت صنعت الحياة

3- يا مصابيح من نار

يا مَن بوهجِ بهائك السنّي

تجعل الكهوفَ الغائرةَ للحس

المعتّم والاعمى بالامس

تسكُبُ برهافةٍ لا مثلَ لها

دِفئاً ونوراً معا على خِلّك!

4- ما أعذبَ وما أحب

يقظتَك في أحشائي

حيث تقيم سكناك وحدك في الخفاء!

وفي انفاسك العطرة

الثريّة بالمجدِ والخير

كم تفعمني حبا ولا أرهف!


 

تتبع هذه المقاطع الشعرية نَسقا شبيها بما نراه عند "بوسكان"، بعدما تُوجَّه الى الإِلهيات، ومن ذلك قوله:

في صحراء وحدتي

اتّبع الدروب الضائعة

نادبا حظي

...الخ

وهي مقاطع يتضمّن كل منها ستة ابيات: الرابع والاول لهما القافية نفسها، كذلك الخامس والثاني والسادس والثالث.

 

الدور الاول

يا لَشعلة الحب المتّقدة

مَنْ حنانُها يُدمي الفؤاد

في عمقِ أعماقِ نفسي!

الآن، وقد زال احتدامُك

أكملي، اذا شئتِ، هذا اللقاءَ السعيد

وعنه شقِّي الحجب

بيان الدور الاول

1- ان النفس، اذ تشعر انها ملتهبة كليّا في الاتحاد الالهي، وتحس أن مذاق فمها مفعم بالمجد والحب لدرجة أن صميم جوهرها يطمو كجدولِ مجد، وبما أنها تتمتع بفيضٍ من اللذائذ وتستشعر أنهار هذا الماء الحي تجري من جوفها (يوحنا7/38) – وهي المياه التي قال عنها السيد المسيح انها لا بد أن تسيل من نفوس كهذه – ولكونها استحالت في الله فامتلكها بقوة هائلة، وعربونا لذلك زيّنها بالثروات العظيمة من العطايا والفضائل...أقول إن النفس يتراءى لها انها تكاد تنتقل الى الغبطة السماوية لولا حجاب رقيق جدا ونحيل يفصلها عنها. وبما انها ترى أن شعلة الحب الرهيفة هذه المتقدة فيها تبدو كلما حلت بها كما لو انها تمجّدها او انها تجعلها متنعّمة بمجدٍ لذيذ وقوي – بحيث أن هذه الشعلة كلما انقضّت على النفس وشغفتها تَبادَرَ الى هذه الاخيرة انها ستمنحُها حالا الحياة الابدية وتشق حجاب الحياة الفانية، وخيّل اليها أن هذا الامر لا يحتاج الى كبي عناء لولا أن هذا الحجاب الرقيق يمنعها من أن تمجّد جوهريّا – من أجل ذلك تقول بشوق كبير لتلك الشعلة، التي ليست سوى الروح القدس، أن تحطم من الآن فصاعدا الحياة الفانية بهذا اللقاء العذب الذي يبلغها أثناءه بالكامل والكمال ما يبدو أنها مقدمة على تبليغها أياه كلما التقتها، أعني ان تمجدها كليّا وبالتمام، وهكذا فهي تقول:

يا لشعلة الحب المتقدة

2- ان النفس، كي تُظهر مُهوسةً الاعتبارَ والعاطفةَ اللذين تسجّلها في هذه الادوار الاربعة، تستخدم في كلٍّ منها احدى هاتين الكلمتين يا ل و ما اللتين يضيفان إغناءً شعورياً. فهما كلما وضعتا لَحَنتا الى معنىً داخلي أعمق مما يعبّر عنه اللسان في الخارج. ان يا ل (1) تستخدم كدليل على رغبة كبيرة وعلى الحاح في الطلب، مع قوّة في الاقناع كما في هذا الدور الاول حيث استعملت لتشير الى المعنيين المذكورين لأنّ النفس تتحمّس من خلالها للحب وتبثّه شوقها الكبير، محاولة اقناعه بأن يفكّ أسرها.

3- ان شعلة الحب هذه هي روح قرين النفس، أعني الروح القدس، الذي تأخذ هذه تستشعِره في داخلها ليس فقط مثل نار تقبض عليها فتستهلكها وتحيلها الى حب عذب، بل فوق ذلك أيضا مثل نار تحترق في داخلها وتطلق لهيبا، كما اسلفت القول؛ وكلما توهّج هذا اللهيب كلما غمر النفس بالمجد ثم برّدها بمسقىً من حياةٍ إلهيّة. وهكذا يتم عمل الروح القدس في النفس التي استحالت الى حب: الافعال الداخلية التي يقوم بها – كما لو انه يقذف اللهب – هي، على حد قولي تأجّجات حبٍ تحل ارادة النفس المتحدة من خلالها حباً شديد السمو اذ انها تكوِّن مع هذه الشعلة حبا واحدا. بناء عليه، إن افعال المحبة ذات ثمن كبير جدا والنفس تستحق في واحدٍ منها أكثر من كل ما قامت به اثناء حياتها من أفعال أُنجزت من دون هذه الاستحالة، مهما كان نوعها. والحال ان الفرق بين العادة والفعل هو نفسه كالفرق بين هذه الاستحالة الى حب وشعلة حب – وهو ليس سوى ما نراه من فرق بين حَطبة ملتهبة والشعلة الصادرة عنها، فهذه إن هي الاّ نتيجة النار التي في الحطبة.

4- من هنا يمكننا القول إن الحالة الطبيعية لنفسٍ قد استحالت الى حب شبيهة بحالة الحطبة التي تنقضّ عليها النار دائما، وان افعال هذه النفس هي الشعلة المنبثقة عن نار الحب والتي تقذف بحميّا تتناسب شدتها مععنف نار الاتحاد؛ وفي هذه الشعلة تتحد افعال الارادة المخطوفة والمأخوذة في شعلة الروح القدس وتصعد على غرار الملاك الذي صعد الى الله في لهيب مذبح منوح (قضاة13/20). وهكذا فان النفس عاجزة عن الإتيان بأفعال وهي في هذه الحالة، لذا يقوم بها الروح القدس ويحرّك النفس في إتّجاهها، وهذا هو السبب الذي يجعلنا نقول عن هذه الأفعال انها إلهية اذ إنها صادرة عن نفس يحرّكها الله ويفعل من خلالها. ومن هنا ايضا انه كلما اخذت هذه الشعلة بالتوهّج، جعلت النفس تحب بمذاقٍ وحلاوةٍ إلهيتين، بحيث يخيّل إليها أنها على وشك ان تهبها الحياة الابدية لأنها ترفعها الى عملية من الله الى الله.

5- "أقوالك مممحّصة جدا" (مزمور118/140). بهذه اللهجة وهذه الكلمات المضطرمة يخاطب الله الانفسَ النقيّة والمطهّرة على لسان داود النبي. أما ارميا النبي فيقول: "أليست كلمتي كالنار؟" (ارميا23/29) ان كلمات كهذه، كما يقول الروح القدس على لسان يوحنا الرسول، هي "روح وحياة" (يوحنا6/63). والانفس التي لها آذان لتسمعها، أعني تلك التي هي، كما سبق القول، نقيّة ومُغرمة، تشعر بها أحسن شعور. لأن تلك التي تفتقد المذاق السليم ولكنها تستلذّ غير ذلك وتنعم به فلا يمكنها أن تتذوّق الروح والحياة من تلك الكلمات، وإنما تشمئز منها. هذا ما يفسّر كلام يوحنا الانجيلي: "فتولّى عنه عندئذ كثيرٌ من تلاميذه وانقطعوا عن مصاحبته" (يوحنا 6/66)، اذ كلما كان ابن الله يتحدّث بلغة أكثر سموّا، كما جرى مثلا أثناء تعليمه العذب والمحَبّ عن سرّ الاوخاستيا العذبة والمحبّة، كلما ازداد البعض نفورا من كلامه بسبب نجاستهم.

6- لئن كان أناسٌ لا يميلون الى كلام الله هذا، الذي يخاطب به الباطن، فعليهم الاّ يظنوا أن الغير لا يستسيغه بدوره، بل أن يأخذوا المثل من القديس بطرس الذي قال للرب وقد تذوّق طعم كلامه في نفسه: "ربِّ الى من نذهب وكلام الحياةِ الأبدية عندك!" (يوحنا6/66) وهذه السامرية تنسى بدورها مياهها وجرّتها وقد أُخِذَت بعذوبة كلمات الله (يوحنا4/28). وفي عودةٍ الى النفس التي استحالت الى لهيبٍ من الحب وفيها يتواصل الآب والابن والروح القدس، فبسبب شدة قربها من الله أي عجب في أن يقال انها تتذوّق قليلا الحيا الابدية، وانما ليس بالكامل، لأن شروط هذه الحياة لا تسمح بذلك؟! ان اللذة التي يولّدها الروح القدس في النفس، وهو يطلق هذه الشعلة، هي كبيرة لدرجة انها تكشف لها طعم الحياة الابدية. من أجل ذلك تصف هذه الشعلة فتقول انها متّقدة، بمعنى حيّة، ليس للدلالة على ديمومة حياتها المتقدة بل للإشارة الى انها تسبّب للنفس هذه النتيجة التي تجعلها تحيا روحيّا بالله وتشعرها بحياة الله. هكذا قال داود: "يرنم قلبي وجسمي للإله الحي" (مزمور83/3). لم يستعمل النبي كلمة حي للتأكيد على كون الله كان حيّا، فالله حي دائما، ولكن ليفهمَ السامع ان الروح والحس كانا يتذوّقان الله بحَميّا بعدما جعلا حيّين في الله – هذا معنى تذوّق الله الحي – وهذا ما يشكل حياةً في الله وحياةً أبدية. وان داود في هذا الموضع ما كان ليسمي الله حياً لو لم يكن يتذوّقه بعمق، وان لم يكن على الوجه الاكمل، وانما كاستشراف للحياة الابدية. وهكذا ففي هذه الشعلة تحسّ النفس الله بحميّا شديدة العمق وتتذوقه بكثير من النكهة والعذوبة لدرجة انها تقول:

يا لشعلة الحب المتقدة

من حنانها يدمي الفؤاد

7- أي: كم استشعر من حنان عندما تبمسينني وأنت في أوجِ احتدامك. وبما أنها شعلةُ الحياة الإلهية فإنها تجرح النفس بحنوِّ حياة الله؛ وهي تجرحها جرحا كبيرا وعميقا وتثير كوامنها لدرجة أنها تذيبها في الحب، لكي يتمّ فيها ما تقوله عروس "نشيد الأناشيد" من انها حَنَّت حتى ذابت وسالت: "ان نفسي قد خُطِفَت بنُطقِهِ"  (نشيد5/6)؛ لأن هذه هي النتيجة التي يحدثها كلام الله في النفس.

ولكن كيف يمكن القول انها تجرحها ما دام من الآن فصاعدا لم يعد ثمة شيء يُجْرَح في النفس بعد أن أصبحت موسومةً كلها بنار الحب؟ انه لشيء مذهل ناتج عن أن الحب ليس عديمَ الفائدة ابدا بل هو في حركة مستديمة، وإن شعلته تطلق دائما لَهَبا يَثِب هنا وهناك وان من طبعه أن يجرحَ حتى يداوى بأنامل تداعب وتبثّ الغرام. وبما انه في نفس كهذه يكون بمثابةِ شعلةٍ حيةٍ فإنه يلهب جراحها بحميّةِ اندفاعاته الملتهبة بالحب الرهيف، محترفاً لعبةَ الحب كما في قصر زفافه – كما كان يفعل أحشورشُ مع زوجته أستير (أستير2/17)– مظهراً لها هنا نعمه، وكاشفاً لها هناك عن ثرواته ومجدِ عظمته، حتى يتمَّ في تلك النفس ما جاء في سفر الأمثال: "وكنت في نعيمٍ يوما فيوما العب امامه في كل حين، العب مع مَسكونَةِ ارضه ونعيمي مع بني البشر" (مثل8/30-31)؛ يعني أن يشيع بينهم هذه المباهج. من هنا إن هذه الجروحات – التي هي العابه – هي شعلات ذات ملامسات ناعمة، تلمس النفس من حين الى آخر، على طريقة نار الحب الذي لا يعرف البطالة ابدا. واذاً فالنفس تقول أن شعلة الحب الحيّة تدمي الفؤاد.

"في عمق أعماق نفسي"

9- ذلك لأن احتفال الروح القدس هذا يتمّ في جوهر النفس حيث لا مركز الحس ولا الشيطان يستطيعان الدنوّ؛ وبالتالي فهو من باب أوّلي ثابت وجوهري وشهيّ بمقدار ما هو داخلي، ولأنه كذلك فهو طاهر، وبمقدار ما تزداد طهارته بمقدار ذلك يكون اتصال الله بالنفس اكثر خصبا وتواتراً ودَيمومة – وهكذا تكون ملاذ وفرح النفس والروح اكبر، لأن الله هو من يفعل كل شيء من دون ان تقوم النفس من جهتها بأيّ جهد. فنظراً الى ان النفس لا تستطيع صنع شيء البتة من ذاتها اذا لم تلقَ مساعدةً من حواسِ الجسد – التي تحررت منها كليا وابتعدت عنها وهيفي هذه الحالة – فلا يبقى لها حينئذ الاّ ان تستسلم فقط لعمل الله الذي وحده يستطيع ان يفعل فعله في عمقها من دون مساعدة الحواس وان يحثّها على استعادة حركتها الذاتية. وهكذا فكل حركات نفسٍ كهذه هي إلهية؛ وهذه الحركات، بالرغم من انها ناتجة عنه، الا انها ناتجة ايضا عنها لان الله يكوّنها في داخلها وبالاشتراك معها اذ انها بفعل ارادي توافق على وضع ذاتها في تصرّفه.

والنفس اذ تتحدث عن جرحها في عمق أعماقها فانما تَلْحَنُ الى أنَّ لها مراكز اقل عمقا، ولذا يستحسن ان تستنتج كيف يمكن ان يكون ذلك.

10- يجب ان نعلم، بادىءَ ذي بدء، ان النفس، بما انها روح، ليس لكيانها لا اعلى ولا اسفل، وليس فيها جزء يمكن القول عنه إنه اعمق من آخر، على غرار ما نقوله عن الاجسام ذاتِ الكمّ؛ وأنها من يث أنها غير مركّبة من عدة أجزاء ليس لها لا داخل ولا خارج وهي كلّها على النمط ذاتِه، من دون ان يكون لها أيّ مركز يكون اكثر او أقلّ عمقا من الناحية الكمّية؛ وبالتالي فلا يمكن ان تُنار في جزء اكثر مما تُنار في آخر، على غرار الاجسادِ المادية، بل تُنار كلها كثيرا او قليلا وفق نمطٍ واحد، تماما مثل الهواء الذي يكون إما مظلما كليّاً أو مضاءً كليّا.

11- في الاشياء الجسدية، عندما نتكلم على المركز الاعمقِ لشيء ما فإننا نعني ما يمكن لكيانه وخاصته وقوةِ فعله وحركته ان تَبلُغَه على الاكثر بحيث تعجز عن تجاوزه الى ما هو ابعد؛ كالنار او الحجر اللذان لهما الخاصة والقوة والحركة الطبيعية لكي يصل كل منهما الى مركز كُرَتِه، من دون ان يستطيع تجاوزه، او الوقوف قبل بلوغه، او الامتناع عن الاستقرار فيه، ما لم يحصل له مانع معاكس وبعض العنف. بمفتضى هذا المذهب سوف نقول إن الحجر هو نوعا ما في الارض، وان لم يبلغْ بعد اعمقَها؛ هو بطريقة ما في مركزِها لانه في داخل كُرَةِ مركزِها، اي داخل دائرةِ عملِها وحركتها؛ لكننا لن نقولَ انه في عمق اعماقِ مركزها الذي هو وسط الارض، بسبب أنه لا يزال حائزا على مزيدٍ من الخاصة والقوة والميلِ لكي ينحدرَ الى اسفل ويبلغَ مركز الارض الاكثر نهائية وعمقا، فيما لو نـزع من امامه أيُّ مانع، وسنكمِّل القول بانه اذا لم يبق له في حال وصوله لا الخاصة ولا الميل لكي يستمرَ في تحركه فانه يكون اذّاك في عمق أعماقِ مركزه.

12- والحال أن مركز النفس هو الله؛ وعندما تبلغه بمقتضى كامل قدرةِ كيانِها وبمقدار ما تحتمله قوةُ فعلِها وميلِها، فانها تكون قد بلغَت اعمقَ وآخر مركز لها في الله – وهذا ما سيتحقق عندما ستتصرّف بمقتضى كلِ قواها فتعرف الله وتحبّه وتتمتّع به. ولكن طالما انها لم تصل الى هناك – اي طالما تدوم هذه الحياة الدنيا حيث النفس لا تستطيع ان تصلَ الى الله وِفق كلِ قواها – وبالرغم من كون النفس في مركزها الذي هو الله، بواسطة النعمة والاتصال الذي يجريه معها، الاّ انها من حيث انها لا تزال غير راضية تماما اذ لديها بعد القوة والحركة لكي تتجاوز هذا المركز، فاننا نقول إنها ليست مستقرة بعد في عمق أعماق الله لانها لا تزال قادرة على تعميق اتحادها به.

13- فضلا عن ذلك، ينبغي ان نلاحظَ ان الميل والقوة والخاصة الموجودة في النفس لكي تذهبَ الى الله ليست غير الحب اذ به تتحد النفس بالله؛ وهكذا كلما تدرّجت النفس في الحب كلما ازدادت دخولاً في الله وتمركزت فيه، حتى ليمكننا القول ان في وسع النفس ان تتخذَ في الله مقدارا من المراكز – التي يزداد عمقا واحدُها عن الآخر – يتناسب مع درجات محبتها لله؛ لان الحب الاقوى يجمع برباط اوثق، وبهذا المعنى يتعيّن علينا ان نفهم ما قاله ابنُ الله: "في بيتِ أبي منازل كثيرة" (يوحنا14/2). ولكي تتمكّن النفس من ان تستقرَّ في مركزها، الذي هو الله، يكفيها ان تملكَ درجة واحدة من الحب لانها تتحد به بالنعمة اذا تيسّرت لها هذه الدرجة الواحدة؛ حتى اذا حصلت على اثنتين توغلت اكثر في مركزها واتحدت بالله اتحادا اوثق؛ فاذا ما بلغت الدرجة الثالثة فان تمركزها يتضاعف ثلاث مرات؛ اما اذا وصلت الى الدرجة الاخيرة فان حبَّ الله سوف يجرح آخر مركز من مراكز النفس واشدها عمقا: وهذا يعني استحالتَها وإنارتَها بقدر ما تستطيع ان تحتمل طاقاتُ وقوى ومهاراتُ كيانِها، الى ان تستقرّ في حالة تبدو معها أنها تشبه الله. نرى ذلك في بلّورٍنقي وصافٍ يخترقه النور: فكلما ازدادت درجات النور الموجّه اليه كلما تمركز هذا النور فيه وبالتالي كلما استنار، حتى انه بسبب غزارة النور الذي يتلقاه قد يبلغ مبلغاً يبدو معه وكأنه جسمٌ من نور وانه لم يعد من فرق بينه وبين النور؛ فكونُه مُضاء بالنور حتى اقصى درجات قابليته يجعله يتشبَّه بالنور.

14- من كل ذلك أَستنتج: عندما تقول النفس ان شعلةَ الحب تدمي منها الفؤاد حتى عمقِ أعماقها، فكأنها تقول ان الروح القدس يجرح النفس ويقتحم كلَّ ما عندها من جوهر وقوة وخاصة؛ انما هي تقول ذلك من دون ان توحيَ بأن ما يحصل بينها وبين الروح القدس هو جوهري وكامل كما في تجلّي الخالق للطوباويين في السماء؛ ففي الواقع، بالرغم من أن النفس تبلغ في هذه الفانية درجةً عالية من الكمال كهذه التي بلغتَها هنا، الا انّها لا تصل ولا تستطيع الوصول الى حالة المجد الكاملة – مع انه قد يتفق احيانا ان الله يسدي اليها نعمةً مماثلة عن هوىً عابر – ومع ذلك فالنفس تقول ما قالته لكي تلمّح الى فيضِ وغزارةِ الملاذ والمجد التي تحسها في الروح القدس بواسطة هذا النوع من الاتصال. والحال ان هذه الملاذ تكون اكبر وأعذب كلما استحالت النفس وتمركزت في الله بأكثر ما يمكن من الفعالية والجوهرية؛ وهو ما تسمّيه عمق اعماقها بالنسبة الى ما في وسعها بلوغه من كمال في هذه الفانية (على اعتبار ان كمال هذه الدنيا لا يقاس بكمال الآخرة، ما سبق القول). على انه قد يكون من الصحيح القول ان في استطاعة النفس ان تكتسب عادة المحبة بالمقدار نفسه هنا في هذه الحياة وهناك في الحياة الاخرى، لكنها لا تملك لا الفعل ولا الثمرة، بالرغم من ان ثمرةَ وفعلَ الحب يعرفان نمواً في هذه الحياة شبيها تقريبا بحجمهما في الحياة الاخرى؛ لدرجة ان النفس، اذ يحلو لها ان يكون الامر هكذا تجسر على قول ما لا ينبغي قوله الا في الحياة الاخرى، اعني: في عمقِ أعماق نفسي.

15- وبما ان ما نَدَرَ ونَدَرَتْ خِبرتُنا فيه يبدو عجيبا وغالبا لا يصدَّق، مثلما يتبيّن مما قلناه عن النفس وهي في هذه الحالة، فإني لا أشكّ إطلاقا في ان اشخاصا عديدين ممن لا يدركونه لنفس في علمهم او لا يعرفون ما هو لعدم خبرتهم بن يشاؤوا الأخذَ به او انهم سيظنّون انه ضربٌ من الغلوّ وأن الأمر ليس في الواقع بهذه الاهمّية. هؤلاء أَجيبهم بأن "ابا الانوار" (يعقوب1/17)– وهو "اسخى من ان يقبِضَ يده" (أشعيا59/1)– يتواصل بوفرةٍ، "بلا تحيّز لأشخاص" (أفسس6/9)، وانّى يجدُ مكانا، على غرار شعاعِ الشمس، مظهراً نفسه لبني الانسان عند الطرق والمفارق (حكمة6/17) عبر كل انواع الملاذ، من دون ان يزدري او يستصعب ان يرتع مع ابناء البشر، حسب الاصول الشائعة، وفي كل مكان من الكون (أمثال8/31؛ حكمة 3/5-6). ولا يمكن بحال وجوب اعتبار غير قابل للتصديق كون النفس التي اختُبرت جيداً وابتُليت وطُهّرت في نار المحنة والعناء وكل انواع التجارب ووجدت امينةً في الحب، ينطبق عليها منذ هذه الحياة ما وعد به ابنُ الله من يحبه عندما قال: "اذا احبّني احد حفظ كلامي فأحبّه ابي ونجيْ اليه فنجعل لنا عنده مقاماً" (يوحنا 14/23) وهذا لا يعني سوى ان عقله سوف يُنار ربّانياا بحكمة الابن، وان ارادته سوف تنعم بالروح القدس، وان الآب سوف يبقيه مغمورا بقوته وقدرته في ضرامِ وبحرِ عذوبته.

16- فإذا كان الله يتعاطى هكذا مع بعض النفوس – كما هو الواقع – فينبغي الاعتقاد بأن النفس التي نحن في صددها لن تكون الا السبّاقة في ملاقات نعمِ الله هذه؛ لان ما تقوله عنها بشأن فعل الروح القدس فيها هو اكثر بكثير مما يجري في وصال الحب والاستحالة فيه؛ فهنا تشبه النفس جمرةً ملتهبة، اما هناك (كما سبق لنا القول) فالنفس جمرة تتأجج فيها لانار فتصبح اكثر من ملتهبة، تصبح مصدرا لشعلة مُتّقدة حيّة. من اجل ذلك فإن هاتين الطريقتين المختلفتين في الاتحاد – اعني: اتحاد الحب البسيط والاتحاد مع التهاب الحب – يمكن تشبيههما نوعا ما بنار الله التي يقول أشعيا انها في صهيون ويأتون الله الذي هو في أورشليم (أشعيا31/9)؛ لان صهيون تعني الكنيسة المجاهدة حيث نار المحبة ليست مشتعلة الى اقصى حد؛ امّا اورشليم، التي هي رؤيا السلام، فتعني الكنيسة المنتصرة حيث النار كأتّون متأجج بكمال الحب. ومن دون شك (كما قلنا)، فإن هذه النفس لا تصل الى الكمال الذي تبلغه في الحياة الأخرى، غير انها بالمقارنة مع الاتحاد الشائع تبدو كأتّون متأجّج، منظره هادىء وبهي وعذب، لا سيّما وان شعلته هي اكثر اضاءة وتألّقا، كما النار في الجمرة.

17- وعليه، فان هذه النفس، اذ تروح تشعر ان شعلة الحب المتقدة هذه تصلها بحيوية بكل الخيرات – لان هذا الحب الالهي يجلب معه كل شيء – تقول: "يا شعلة حيّة من الحب، يا من تجرحين بحنان!" فكأنها تقول: يا حبّا يلهبني، يا من يبحركاتكَ الغرامية تروح تمجّدني من فرط ملاطفاتكَ وفق ما تستطيع تحمّله اقصى درجات القوة والقدرة في نفسي – وبكلام آخر، تعطيني فكر