الأب إستانسلاس للقلب الأقدس
بيوس إنترتشالاليي
Padre Stanislao del Sacro Cuore
(Pius INTRACCIALAGLI)

توطئة
- سيرته الذاتية
ولد بيوس إنترتشالاليي(PIUS Intraccialagli) (ستانسلاس) في قرية مونتيكومباتري (Montecompatri) روما في 7 /1/1866 أبرز النذور البسيطة في الرهبانية الكرملية في 19/4/1883، سيم كاهناً في 12/4/1889 ، جاء الى الإرسالية الكرملية في سوريا سنة 1898 الى دير الآباء الكرمليين في القبيات، وأصبح رئيساً لها ما بين عام 1919 وعام 1922. وحاز على العديد من الأوسمة منها وسام صليب فارس التاج الملكي الإيطالي، سنة 1921. وتوفي في طرابلس بتاريخ 18/10/1928 عن عمر ناهز 52 سنة بسبب ضعف في القلب.
- لمحة تاريخية عن الإرسالية الكرملية في لبنان
وصل الآباء الكرمليون الى الشرق سنة 1627 فاقاموا في حلب إذ اسسوا لهم مركزاً لأستقبال المرسلين المتوجهين الى بلاد فارس.
سمع البطريرك الماروني جرجس عميرة الغيرة الرسولية التي تحلى بها رهبان الكرمل فسألهم المجئ الى جبل لبنان وبعد أن أجابوا بالقبول، أعطاهم دير ما راليشاع في وادي قاديشا.
وصل الى بشري الأب شلستينو مع الأخ الطبيب أغسطينس والأخ كارلو عام 1643.
ثم إفتتح المرسلون الكرمليون محطة لهم في طرابلس سنة 1645 وذلك لقربها من المرفأ لتسهيل أتصالهم بالغرب ولإستراحة القادمين والمغادرين من المرسلين.
نزولاً عند رغبة البطريرك الماروني يوسف حبيش فتح الآباء الكرمليون محطة إرسالية لهم في القبيات سنة 1827، علماً أن إستقرارهم النهائي في القبيات كان سنة 1835 عندما أوقف لهم الأهالي ديراً قديما كان يعرف بدير مار ضومط الذي رممه رهبان الكرمل وأضافوا عليه لاحقاً كنيسة.
"كان الرهبان يعملون في حقل التعليم بنشاط في إحدى قاعات الدير وتحت السنديانة الملاصقة له أيام الصحو. كان طلابهم من الذكور حتى سنة 1894 فقبلوا بعض البنات، ثم سنة 1904 استقدموا الراهبات الكرمليات اللواتي افتتحن مدرسة للبنات فور وصولهن وأخذن على عاتقهن تعليم البنات وتربيتهن في دير الى جانب دير الرهبان. في العام نفسه، أي سنة 1904 انتهى الآباء من تشييد المدرسة المخصصة للصبيان، وهي بناء مستقل الى جانب الدير، ويتألف من خمس غرف للطلبة مجهزة بالمقاعد الخشبية وألواح الإردواز السوداء المستوردة ... "[1].
بالإضافة الى تلك المحطات الإرسالية، كانت هناك محطة أخرى مهمة في لواء إسكندرون، في تركيا حالياً.
وصل الأب ستانسلاس الى لبنان سنة 1897، وفور وصوله عين في دير القبيات إذ عمد الى دراسة اللغة العربية غير مهتماً بما يدور حوله في الإرسالية وبالأخص في محطة القبيات. وبعد سنة من وجوده في القبيات بدأ يشعر بحالة الإرسالية، بدأ بإرسال التقارير عن الإرسالية بشكل عام وعن دير القبيات بشكل خاص.
عيّن الأب ستانسلاس في إسكندرون لكن إصابته بالملاريا أجبرته على العودة الى روما، لكنه عاد الى القبيات من جديد بعد شفائه من مرضه مصطحباًً معه الدكتور كاسيني.
رسمت الأحداث التي كانت تحصل في القبيات وتداعياتها علاقة الأب ستانسلاس بالعائلات القبياتية ووجهائها:
- طنوس أفندي عبدو: إن ما قام به طنوس عبدو من افعال سيئة جعلت الأب ستانسلاس يحدد وقفه تجاهه. ففي بادئ الأمر كانت العلاقة جيدة لكنها ساءت عندما دس البيك السم للطبيب كاسيني.
- إن علاقة الأب ستانسلاس مع العائلات القبياتية الأخرى كانت جيدة، فكان هناك زيارات متبادلة في الأعياد والمناسبات. أما نظرته لهم كمسؤولين عن الشعب كان نظرة فيها بعض النقد لخوفهم من السلطات التركية بالأخص عندما يتعرض أهالي القبيات للإعتاد من قبل القرى المجاورة وخصوصاً من عرب العتيق والبيرة فكان رد المشايخ هو دفع المال للسلطات التركية بغير وجود حل لهذه المسألة مما استدعى تدخل الأب ستانسلاس لدى قناصل الدول وبالأخص القنصل الإيطالي الى وقف هذه الاعتداءات وعودة الحق لأصحابه.
بدأت علاقة الأب ستانسلاس بأعيان القرى المجاورة طبيعية في بادئ الأمر، إلا ان التجاوزات التي كان يمارسها رعاياها، بدأت تضغط على أهالي القبيات. فوقف الأب ستانسلاس بكل قواه للدفاع عن مصالح القبيات وسكانها، واستعمل جميع الوسائل للوقوف بوجه أعيان المنطقة، وأهم تلك الوسائل اللجوء الى قناصل الدول الأجنبية الفرنسية أولاً ومن ثم إيطاليا. وبعد تدخله نفي عن القبيات وعاد إليها مجدداً مما جعل علاقته بالأعيان في القرى المجاورة تتحسن وتتحول الى صداقة شخصية تجلت بزيارات متبادلة حصلت بين الفريقين في مناسبات عديدة رافقها تقديم الهدايا العطايا.
- علاقته بالسلطات الأجنبية وبالأخص القنصل الفرنسي والقنصل الإيطالي.
بما أن حماية المسيحيين في الدولة العثمانية كانت مناطة بالدولة الفرنسية، كان من الضروري قيام علاقة للمسيحيين بشكل عام والمرسلين بشكل خاص مع قنصل دولة فرنسا في لبنان. وكانت تلك العلاقة في بادئ الأمر جيدة، ولكن تقاعس الفرنسيين عن نصرة المرسلين والأهالي بعد الأحداث التي حصلت بين أهل القبيات والقرى المجاورة، دفعت بالأب ستانسلاس الى اللجوء الى قنصل إيطاليا في بيروت. هذا العمل أجج نار الخلاف بين الأب ستانسلاس الإيطالي الأصل وبين القنصل الفرنسي العام في بيروت وبصورة مباشرة مع القنصل الفرنسي في طرابلس.
"طابع الدولة العثمانية حربي. الحكومة فيها جيش قبل أي شيء آخر. اما القضاء فهو فكرة تقوم على العدالة والمساواة وعلى الإعتراف بحقوق الأفراد والجماعات. وهذا يتناقض مع الطابع العام للدولة العثمانية أي الطابع العسكري الذي يبني قانون الأقوى.
ولأن السلطة العثمانية وارثة للخلافة الإسلامية، كان لا بد لها من أخذ مبادئ الشريعة الإسلامية بعين الإعتبار. من هنا كان للقضاء العثماني طابع الإزدواج: من جهة ساد القضاء الشرعي، كمبدأ أساسي. من جهة أخرى قام قضاء إقطاعي ذو منشأ عسكري"[2].
لعب دير الآباء الكرمليين في القبيات لمدة طويلة دور القضاء ، فكان كل من له شكوى على الآخر توجه الى الدير لكي يسترجع للمظلوم حقه، وبالأخص الفترة التي كان الأب ستانسلاس في القبيات فأصبح هو القاضي الذي يحكم وكان الجميع يطيعونه وينفذون ما يأمر به. لم يقتصر هذا على القبيات فحسب بل تعداها الى القرى المجاورة أيضاً. وهناك شهادات موثقة بهذا الخصوص.
لعب الآباء الكرمليون دوراً كبيراً على الصعيد الروحي في القبيات. فاسسوا الجمعيات والأخويات، وأعتنوا بخدمة الأسرار والإحتفالات السيدية في جميع أزمنة السنة الطقسية وبالأخص عيدي الميلاد والفصح، حيث كانت كنيسة الدير كبيرة بالنسبة الى كنائس الرعية. وعندما أصبحت كنيسة الدير لا تتسع لعدد المؤمنين الذين يؤمون الدير للصلاة عمد الآباء الكرمليون الى تشييد كنيسة كبيرة حسب الطرق الحديثة للهندسنة والبناء.
إن الدور الذي أداه الأب استنسلاس الكرملي بين المؤمنين يظهر جلياً في الرسالة التي وجهها الى أبناء القبيات عتدما كان في بشري. عندما عمد مشايخ آل الضاهر بعد خلاف حصل بينهم وبين كهنة الرعية الى إستدعاء البرتستانت الى القبيات. هذا العمل دفع برئيس الإرسالية الطلب الى الأب استانسلاس بكتابة رسالة موجهة الى أهالي القبيات يذكرهم بها بكل التضحيات التي عاناها في سبيل إيمانهم. ويحثهم الى التمسك بالأيمان لكاثوليكي.
إهتم الأب ستانسلاس بالشأن الإجتماعي وأعطاه إهتمام كبيراً على جميع الأصعدة، كشق طرقات وإقامة الجسر والإهتمام بالفقراء. وبعد عودته من إيطاليا إصطحب معه طبيب جرّاح وهو الطبيب كاسيني إذ بقي في القبيات طيلة حياته يؤمن الخدمة الطبية لسكانها وسكان القرى المجاورة. بالإضافة الى ما كانت تؤدي صيدلية الدير في المجال الطبي من أدوية.
عانى سكان القبيات كثيراً من القرى المجاورة بسبب تعدياتهم المستمرة. مما اضطر الأب استانسلاس في بادئ الأمر الى اللجوء الى قناصل الدول الأجنبية لتأمين الحماية ومعاقبة المجرمين، لكن تقاعس القناصل وتعنت الدولة العثمانية أبطل كل محاولاته، وخصوصاً عندما أصبح الإعتداء على القرى المسيحية وإبادتها عمل مباح، عمد الأب استانسلاس بالتعاون مع أهالي القبيات من مشايخ وفلاحين الى وضع خطة دفاع يلجأون إليها في حال الخطر.
الأب ستانسلاس الراهب الكرملي والمرسل
أول صفة نستطيع ان نصف به الأب ستانسلاس هو أنه راهب كرملي مرسل، عاش حياته الروحية في هذا الإطار الروحي، فقد ترك كل شيء، زهد في الدنيا وجاء الى الشرق كمرسل الى سوريا تاركاً وراءه الحياة الرغيدة والعيش الكريم، لابساً ثوبه الكرملي متشحاً بنذوره الرهبانية، ونلحظ ذلك في مذكراته.
كان مجمع نشر الإيمان في روما هوالسلطة المباشرة عن الإرساليات في العالم إذ كان الكاردينال غاتي المسؤول عن هذا المجمع في تلك الفترة. كان الأب ستانسلاس يرفع تقارير عن ما يدور حوله من مشاكل وخصوصاً مع رئيس الإرسالية الأب سيريل. وكان الكاردينال غاتي يتّهم الأب ستانسلاس بالخروج عن الطاعة لأنه لم يصدق ما كان يحاك ضده.
كانت المراسلات تصل من الإرسالية الكرملية في سوريا الى الرئاسة العامة في إيطاليا، وكما نرى في مذكرات الأب ستانسلاس انه كان متهم بعدم طاعته فهنا يتوجب علي مراجعة جميع هذه الرسائل الموجودة في أرشيف الرهبانية في روما للوقوف على حقيقة هذه العلاقة.
إن علاقة الأب ستانسلاس والسلطة الكنسية المحلية لم تكن صورتها أفضل من علاقته برؤسائه في الرهبانية الكرملية، وهذه الخلافات تتلخص ببعض المشاكل التي واجته مع كهنة رعية القبيات، ومن ثم مع المطران الماروني أنطوان عريضة مطران طرابلس، وهذه الخلافات كانت تدور حول بعض الإحتفالات الدينية في كنيسة الدير، وما يخص أخوية الحبل بلا دنس وأخوية قلب يسوع.
توفي رئيس الإرسالية الكرملية الأب أنسلمو في 4 تشرين الأول 1904، وترك وراءه فراغاً كبيراً في رئاسة الإرسالية. وعيّن الرئيسُ العام الأبَ سيريل البلجيكي رئيس دير جبل الكرمل في ذلك الحين، رئيساً على الرسالة الكرملية في سوريا. ومع تعيينه عاد الأمل الى المرسلين لأن له خبرة في الرسالة ولأنه كان يرئس المعهد الكرمل للمرسلين في روما. وزار الرئيس الجديد أديار الإرسالية واطلع عن كثب على حالتها وحاجاتها المادية، فشرع بإعمار الأديار وتجديدها.
كان علاقة الأب ستانسلاس مع الرئيس الجديد الأب سيريل جيدة في البداية إذ كان يصفه بالأب الحنون. إن التعديات المستمرة على أهالي القبيات من قبل القرى المجاورة، ووقوف القنصل الفرنسي منها موقف اللامبالي دفع بالأب ستانسلاس الى رفع شكواه الى القنصل الإيطالي. هذا العمل أثار غضب القنصل الفرنسي. إن تدخل القنصل الفرنسي لدى الرئيس العام الأب سيريل أوقع خلاف عميقاً بين الأب ستانسلاس والأب الرئيس، كان للخلاف أبعاد سياسية تجلت بإصرار الأب ستانسلاس على معاقبة المجرمين من أبناء قرية البيرة واسترجاع الأمن الى القبيات، وزعم الأب سيريل المدعوم من القنصل الفرنسي أن كل هذه الإعتداءات كانت من نسج خيال الأب ستانسلاس.
أتهم الرئيسُ الأبَ ستانسلاس بإختلاس الأموال المؤتمن عليها لتشييد الكنيسة الجديدة، فأعفي من صلاحياته في دير القبيات وأرسله من بعدها الى روما، فحيفا وأخيراً بشري. ولم يرجع الى القبيات إلا بعد إقصاء الأب سيريل عن منصبه كرئيس للإرسالية وتعيّين الأب جوزيف داربينو رئيساً جديداً للإرسالية محلّه عام 1908.
إن الضغط الذي تعرض له الأب ستانسلاس وخصوصاً نفيه عن القبيات ومنعه من العيش بين شعبها الذي أحبه منذ وصوله الى الإرسالية ودافع عنه حتى الموت، خلق عنده صراعاً داخلياً تجلى بتشبيه نفسه بيونان النبي الذي ابتلعه الحوت ثلاثة أيام ومن بعدها عاد الى الحياة. وعمد الأب ستانسلاس بكلامه مع يونان الى معاتبة نفسه تارةً وتشجيعها طوراً، مترجياً قيامته القريبة، ستكشف كل الحقائق، وكتب ذلك معتمداً على أسلوب حوار نثري شعري.
إن الأتهامات التي حيكت ضده جاءت من كل ناحية قريبة كانت أم بعيدة. فعلى الصعيد الرهباني اتهم بأنه أهدر المال المؤتمن عليه لتشييد الكنيسة الجديدة في القبيات. اتهمه المشايخ بانه يشرب الخمر والمسكر، فجاءت عريضة من الأهلي تنفي عنه هذه التهمة مؤكدة حسن سيرته على جميع الأصعدة. كما اتهمه كهنة الرعية بالتعدي على صلاحياتهم بالأحتفالات الرعائية. كما قيل بأن الأحداث والإعتداءات التي كانت تقع ضد أهل القبيات هي من نسج خياله. والتهمة الأهم التي حيكت ضده من الدولة العثمانية، هي إشاعة خبر إنتشار مرض الطاعون في عكار ونشر الرعب بين الشعب.
الإنتماء الوطني الأوروبي وتأثيره على العلاقات بين المرسلين.
نما قبيل الحرب العالمية الأولى الإنتماء الوطني الأوروبي وخصوصاً بعد توحيد إيطاليا وسعيها لمنافسة الدول الكبرى في إنشاء مستعمرات لها وخصوصاً بعد إجتياحها ليبيا وأثيوبيا. إمتد هذا الشعور الوطني الى الإنتشار الأوروبي وخصوصاً في الإرسالية الكرملية في سوريا، لأن المرسلين كانوا ينتمون الى جنسيات أوروبية مختلفة. فإنعكس هذا الصراع سلبياً على جميع الأصعدة. فكانت جنسية الرئيس أو المسؤول تحدد الإتجاه السياسي في تدبير الأمور، والإلتجاء الى دولة دون الأخرى، في المساعدات والنفوذ.
إنجلت أوجه الصراع عندما أُرسِلَ المرسلون الإيطاليون الى الأديار التابعة لجبل الكرمل، خارج الإرسالية، والأتيان برهبان ينتمون الى جنسيات اوروبية أخرى لسد الفراغ. لم يتقبل بعض الرهبان هذا الواقع، فمنهم من ترك الإرسالية عائداً الى بلاد، وغيرهم ترك ثوب الرهبانية، أما البقية ففضلوا الصراع والمواجهة.
وصلت أخبار هذا الصراع الى أعتاب الكرسي الرسولي وخصوصاً الكاردينال غاتي، وبدأ توافد المرسلين الإيطاليين عائدين الى بلادهم. إستدعى الكاردينال غاتي الأب سيريل وأعفاه من مهماته. واوكل الى الرئيس العام النظر في شؤون الإرسالية.
وصل الرئيس العام للرهبانية الكرملية في روما الى كيفية حل هذه المسألة، فعمد الى التغيير الجزري في إدارة الإرساليات المنتشرة في العالم، فعمد الى ربط كل إرسالية بإقليم، وأصبح الإقليم الرومان هو المسؤول المباشر عن الرسالة في سوريا ولبنان.
بعد سماعه شكاوى المرسلين العائدين من سوريا، عزل الرئيس العام الأب سيريل من منصبه وعيّن مكانه الأب جوزيبي دربيو المرسل في سوريا والموجود في إيطاليا، رئيساً للإرسالية. تهلل المرسلين فرحاً عند سماعهم نبأ التعيين. فعاد الأمل بمتابعة نشاط الرسالة، وجاء معها هم جديد ألا وهو إكمال ما بدأ به الأب سيريل من ورشة إعمار طالة جميع أديار الإرسالية. ففي بشري لم يكتمل بعد بناء المعهد الجديد، وفي القبيات لا يزال العمل سارياً في بناء ديرللراهبات ومدرسة جديدة بالإضافة الى الأعمال المستمرة في دير إسكندرون.
عاد الأب ستانسلاس الى القبيات في شهر أيلول 1908 عن طريق الأرز القرنة السوداء يصحبه في الطريق الرئيس الجديد للإرسالية وعائلة الطبيب كاسيني. ما إن إقترب الموكب من أراضي القبيات حتى بدأ الأهلي يفرغون بنادقهم في الهواء إبتهاجاً وإستقبالاً للأب العائد اليهم والمرافقين له.
إن كل الأحداث التي تكلمنا عنها أدت الى تغيير جذري في العلاقة بين الإرسالية الكرملية وقنصل فرنسا. بدأ المرسلون الكرمليون يفكرون بنقل الحماية من السفارة الفرنسية الى السفارة الإيطالية. ساعد هذا التفكير بروز المؤسسة الحكومية الأيطالية لدعم المرسلين في العالم التي ابدت إستعدادها لمساعدة المرسلين في لبنان شرط إنتقال الحماية من الدولة الفرنسية الى الدولة الإيطالية.
إنضمت إيطاليا الى الحلفاء سنة 1914 وأعلنت الحرب على دول المحور ومنها الدولة العثمانية، وبهذا الإعلان أصبح وجود الرعايا الإيطاليين في سوريا أمر غير مرغوب به فأصدرت السلطات التركية أمراً بترحيل الأجانب عن لبنان. طال هذا الإجراء المرسلين الكرمليين، فعملوا على ترتيب المراكز قبل رحيلهم. غير أن الأتراك أستباحوا حرمة الأديار وحول بعضها الى مدارس والبعض الآخر الى ثكنات عسكرية، عابثين بكل ما طالت أيديهم.
كان مصير المرسلين بشكل عام والأب ستانسلاس بشكل خاص الإلتحاق بصفوف الجيش الإيطالي، والعمل الديني داخل الثكنات العسكرية.
انتهت الحرب العالمية الأولى بتوقيع معاهدة الهدنة، وعاد المرسلون الى لبنان لأستعادة أديارهم، وبما أن تسريح الجيوش لم يتم بعد وبذلك فإن الرهبان الكرمليين لم يستطيعوا ترك ثكناتهم، عمل الرئيس العام للكرمليين للتوسط لدى السلطات العسكرية فارسل الآباء الكرمليين في عداد الجنود الذين سيمثلون الدولة الإيطالية في تسلم مفاتيح بيت المقدس. وصل المرسلون الى أديارهم لابسين بذاتهم العسكرية التي تحمل رتبهم العسكرية.
عاد المرسلون الكرمليون الى لبنان، فيما بقي الأب جوزيبي داربينو رئيس الإرسالية في إيطاليا يتابع تدبير الأمور لعودة المرسلين. أسباب عدة أدت الى عدم عودته الى سوريا منها فداحة الدمار والخراب الذي منيت به الأديار. عندها عيّن الأب ستانسلاس رئيساً للرئاسة ما بين عام 1919وعام 1922.
خاتمة:
إن الصراع الذي بدأه الأب ستانسلاس في القبيات، ضد القرى المجاورة، للدفاع عن كرامة أهلها، أدى الى أحداث كثيرة غيرت مجرى الإرسالية بأكملها، وأثرت على علاقة المرسلين بالبطريركية المارونية، خصوصاً بعد نقل الحماية من القنصلية الفرنسية الى القنصلية الإيطالية. كما أثرت سلباً على وضع الأديار، خصوصاً إبان الحرب التركية الإيطالية، عندما طلبت السلطات التركية من رهبان الكرمل ترك اديارهم والعودة الى إيطاليا، لكن تدخل وزارة الخارجية الإيطالية لدى الباب العالي بتهديدها طرد كل رعايا الدولة العثمانية من إيطاليا، حال دون تنفيذ هذا القرار.
خاطر الأب ستانسلاس في كل هذه العلاقات لكي يحصل على سلام عادل ودائم بين القبيات والقرى المجاورة. نَعِم أهالي القبيات في ظل هذا السلام فترة من الزمن الى أن حطت الحرب العالمية رحاها وحملت معها تغيير جذري في موازين القوى المسيطرة على الأرض.
الأب هياف فخري الكرملي
رهبانية الآباء الكرمليين في لبنان (تاريخ وشخصيات)
ORDRE DES PERES CARMES AU LIBAN (Mission, Histoire, personnalités, archives...)