دعوة علماء المسلمين للبابا للحوار.. المغزى والدلالات
مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية - البحرين
أخبار الخليج البحرينية 18\10\2007
جاء الخطاب الموجه من 138 من شيوخ وعلماء الدين الإسلامي إلى البابا «بنديكت« السادس عشر بابا الفاتيكان وكبار رجال الدين المسيحي في العالم يوم 12/10/2007- ليعيد من جديد الحديث عن الحوار بين الأديان والحضارات،
اقرأ
وليفرض نفسه وبقوة كأحد أهم الموضوعات التي ينبغي أن تحظى بالاهتمام ممن يسعون إلى سلام هذا العالم؛ حيث يبدو ذلك الحوار من وجهة نظر الكثيرين.. هو المدخل أو المفتاح لحل العديد من القضايا والأزمات التي تتطلب أن يكون هناك حد أدنى من التوافق بين الغرب والعالم الإسلامي، نظرًا لارتباط أغلبها بالصراع الأزلي بين الجانبين بدءًا من فلسطين ومرورًا بالعراق وأفغانستان ولبنان والسودان وانتهاءً بقضايا أخرى كانت من إفرازاتها كالإرهاب والعنف والتطرف.
ومما يجعل هناك أهمية خاصة للدعوة إلى الحوار بين الإسلام والغرب في هذا التوقيت أن هناك رغبة مشتركة - تبدو بوضوح أكبر لدى رموز المسلمين استشعارًا لأهميته - في فتح قنوات للاتصال وتفعيل الحوار من أجل تجاوز المرحلة السابقة بكل ما شهدته من أحداث ووقائع صبت في مجملها في خانة إيجاد ما يمكن وصفه بأنه حالة من الجفاء والتحفز بين الجانبين تحت تأثير الحملات الغربية - التي جاءت كأحد إفرازات أحداث 11 سبتمبر عام 2001 - والتي أخذت عدة أشكال..
الأول: أمني، وتمثل في ملاحقة المسلمين وتوسيع دائرة الاشتباه فيهم في الدول المعنية..
والثاني: اجتماعي، وتمثل في تغير نظرة المجتمعات الغربية تجاه المسلمين والنظر لهم باعتبارهم إرهابيين ومتطرفين، مما عرضهم للأذى وفرض عليهم العزلة داخل هذه المجتمعات..
والثالث: إعلامي وتجسد في الحملات الإعلامية المنظمة التي استهدفت الإسلام كعقيدة ودين بالادعاء أنه دين يدعو إلى العنف والتطرف.. بل تعدت ذلك إلى تناول رموزه بما لا يليق مثلما حدث في أزمة الرسوم الكاريكاتيرية التي
لمن يقرأ الايطالية ، اقرأ تحليل الاب العلامة سمير خليل سمير اليسوعي من بيروت، حول رسالة العلماء المسلمين الى البابا
عن موقع www.asianews.it
استهدفت رسول الإسلام (صلى الله عليه وعلى آله وسلم). ولو استعرضنا أحداث ووقائع التاريخ سنجد أن الحديث عن الصدام بين الحضارات والصراع بين الأديان أبعد ما يكون عن أدبيات الإسلام وحضارة المسلمين.. تلك الحضارة التي تدعو إلى التعاون والحوار بين الأمم، وتؤكد التفاعل بين الحضارات من أجل خير الإنسانية.. والمؤكد أن الغرب هو الذي فرض هذا الصراع على العالم الإسلامي منذ بداية الحملات والحروب الصليبية في أواخر القرن الحادي عشر (1095م) التي لعبت الكنيسة الكاثوليكية دورًا مهمًا في توجيهها، فكانت نموذجًا للحروب الدينية.. مرورًا بالحملات الاستعمارية وتحديدًا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين، وانتهاء بزرع الدولة الصهيونية في قلب منطقة الشرق الأوسط في أواخر أربعينيات القرن الماضي لتكون عنصر عدم استقرار واستنزاف لطاقات وموارد دول وشعوب المنطقة.. وامتدت تلك الحملات لتستهدف خلال ربع القرن الأخير السيطرة على مواقعها الاستراتيجية وثرواتها النفطية تحت ذريعة محاربة الإرهاب والعمل على نشر الإصلاح والديمقراطية. ويبدو أن الصراع بين الغرب والحضارات الأخرى قد وجد هوى لدى بعض غلاة المتطرفين من المنظرين اليمينيين وتحديدًا في الولايات المتحدة، الذين وجدوا في الإسلام بديلاً للشيوعية ليصبح هو الخطر الأول على الحضارة الغربية الذي تتعين مواجهته، وهو ما ظهر في كتاب «صامويل هنتنجتون« عن «صراع الحضارات«، وكذلك كتاب «فرانسيس فوكوياما« عن «نهاية التاريخ«. ولا شك في أن تدخل الكنائس الغربية، وتحديدًا الكنيسة الكاثوليكية، وبروزها كعنصر مُصعد لتلك الحملات المستهدفة للإسلام والعالم الإسلامي بعد الانتقادات التي وجهها البابا «بنديكت« للإسلام ورسوله - قد أعطى للمواجهة بعدًا خطرًا تحولت معه إلى مواجهة بين الإسلام والمسيحية، أي مواجهة بين أتباع أكبر ديانتين في العالم، الذين يمثلون 55% من عدد سكانه. وفي ظل ذلك الوضع واستمرار رواسب أزمة الرسوم الكاريكاتيرية، التي عادت لتظهر على السطح من جديد بعد قيام بعض الصحف السويدية بنشر بعض هذه الرسوم، ومع استشعار المخاطر التي من الممكن أن تترتب على تصعيد المواجهة واستمرار حالة الاحتقان والتحفز بين الجانبين - كان لا بد من تحرك يسهم في احتواء ذلك الوضع الذي ينذر بمخاطر جمة على مستقبل البشرية، فكانت المبادرة هذه المرة من جانب العالم الإسلامي متمثلة في الخطاب المفتوح الذي وقعه 138 من المسؤولين والعلماء المسلمين البارزين إلى البابا «بنديكت« والزعماء المسيحيين الكبار من أجل توسيع الحوار بين العقائد والأديان والقضاء على المفاهيم والنظرة السلبية تجاه الإسلام والمسلمين في الغرب..ولقد كانت تلك المبادرة من جانب كبار رموز المسلمين بمثابة دعوة للمسيحيين إلى أن يلتقي الجانبان على كلمة سواء حول
البابا بندكتس 16 في لقائه في الفاتيكان بالسفراء المعتمدين من الدول العربية والمسلمة ، عقب محاضرته في ألمانيا
الأساسيات المشتركة للديانتين (الإسلام والمسيحية)، في محاولة لتوجيه الحوار بينهما بعيدًا عن فكر المواجهة الذي يذكيه الراديكاليون على الجانبين؛ إذ يحث الخطاب من خلال التركيز في أوجه الشبه بين القرآن والإنجيل معتنقي ورموز الديانتين الذين يشكلون - كما سبقت الإشارة - 55% من سكان العالم على الاعتراف بأن مستقبل البشرية يعد في خطر فعلي في حالة عدم القيام ببذل كل جهد ممكن من أجل السلام والعيش معًا في وفاق. ولم يكن الغرض من ذلك الخطاب سوى نوع من المتابعة للرد الاحتجاجي - الذي سبق إرساله في أكتوبر 2006 من جانب 38 من علماء الدين الإسلامي - على خطاب البابا «بنديكت« بجامعة ريجينسبورج الألمانية في سبتمبر 2006، الذي اقتبس فيه أجزاء من خطاب للإمبراطور البيزنطي «مانويل بالايوجوس«، الذي ادعى فيه أن نبي الإسلام لم يأت إلا بالشر وأنه أمر أتباعه بنشر عقيدة الإسلام بحد السيف.
وكان ذلك الرد الاحتجاجي الأولي - الذي يعد الخطاب الحالي نوعًا من المتابعة له - بمثابة رد على بعض القضايا التي أثارها ما اقتبسه البابا من خطاب الإمبراطور البيزنطي، والتي شملت قضايا العقل والعقيدة والإرغام على التحول عن العقيدة وقضية الجهاد والعلاقة بين المسيحية والإسلام..ولم يكن صدور خطاب ثان بعد مرور عام، وموقع من جانب عدد أكبر من علماء الدين الإسلامي سوى إشارة رمزية مهمة على الصداقة والرغبة في الحوار حيث تزامن صدوره مع نهاية شهر رمضان، ليمثل دعوة واضحة لقيام كلا الجانبين بالتغلب على سوء الفهم، وبناء جسور للتفاهم، والتواصل اعتمادًا على مبدأ التسامح المتبادل. ومثل هذه المحاولة من جانب المسلمين تبدو على درجة كبيرة من الأهمية بحيث يصعب تجاهلها، لأنها تضع حدًا لاستغلال الدين من كلا الجانبين في تعميق الانقسامات والنزاعات بين المسيحية والإسلام في بقاع ودول شتى مثلما يحدث في نيجيريا والشيشان والبلقان والسودان واندونيسيا، ويشمل ذلك أيضًا الطوائف المسيحية في الشرق الأوسط، التي أصبحت هي الأخرى ضحية للحرب على الإرهاب التي يشنها الرئيس الأمريكي بوش.. حيث إنه في أنحاء مختلفة من المنطقة وتحديدًا في العراق وفلسطين تأثر المسيحيون العرب بشدة بالعنف وعدم الاستقرار اللذين تسبب فيهما الغزو الأمريكي للعراق والعدوان الإسرائيلي المستمر على الفلسطينيين، مما أدى إلى تعميق الانقسامات الدينية التي نتجت عن انتشار الاعتقاد في العالمين العربي والإسلامي أن الحرب على الإرهاب موجهة في الأساس ضد الإسلام والمسلمين بشكل عام. ولقد برزت تلك النقطة تحديدًا في الخطاب الذي جاء فيه بوضوح: نقول للمسيحيين إننا كمسلمين لسنا ضدهم ما لم يقوموا بشن حرب ضد المسلمين بسبب ديانتهم وما لم يقوموا باضطهادهم وطردهم من أوطانهم وبيوتهم. ويستطرد الخطاب: إن الحوار والمصالحة بين الإسلام والمسيحية ضروريان جدًا من أجل ضمان وتقوية السلم الدولي، حيث إنه مع الأسلحة الفتاكة في العالم الحديث، ومع وجود المسلمين والمسيحيين في تداخل في كثير من مناطق العالم، فإن ذلك يعني أنه لن يكون هناك جانب واحد يمكنه الانتصار في نزاع بين ما يزيد على نصف سكان العالم. وبالتالي انتهى موقعو الخطاب إلى القول: إن مستقبلنا
الحوار والمصالحة بين الإسلام والمسيحية ضروريان جدًا من أجل ضمان وتقوية السلم الدولي
المشترك في خطر؛ لأنه في حالة عدم وجود سلام بين المسلمين والمسيحيين.. لا يمكن أن يكون هناك سلام في العالم.. ولهذا السبب دعا الخطاب إلى إيجاد أرضية مشتركة بين الديانتين على المستويات السياسية والاجتماعية كافة، حيث إن العلاقة بين أتباع هاتين الديانتين تعد أهم عامل للإسهام في سلام حقيقي وذي معنى في أنحاء العالم.
وفي واقع الأمر.. لا ينفصل ذلك الخطاب المفتوح المعنون بـ «كلمة سواء بيننا وبينكم« عن كونه جزءًا من محاولة أكبر من جانب موقعيه لإصلاح الضرر الذي ألحقته الحكومات الغربية بقيادة إدارة الرئيس بوش بالحوار بين الأديان والعلاقات بين معتنقي الديانات المختلفة منذ وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وذلك بإشارتهم إلى الحروب التي يشهدها بعض الدول الإسلامية، وحثهم تلك الحكومات على عدم اضطهاد الجاليات المسلمة لديها، ووفقا لذلك فإنهم بمحاولتهم تلك يسعون إلى تضميد جرح تسبب في نشوب صراع بين العالم الإسلامي والغرب ترتب على اتباع حكومات دول غربية ردود فعل ضيقة الأفق تمثلت في تشريعات وقوانين استهدفت الجاليات الإسلامية لديها، وهمشتها مما أدى إلى انتشار التوترات الدينية واستفحال النزعة الراديكالية بين عناصر معينة في كلا الجانبين.. وبناء على ذلك، كان لابد من أخذ ندائهم الداعي إلى فتح حوار بين الأديان على محمل الجد في الغرب ليس فقط من جانب رعاة الطوائف المسيحية الأرثوذكسية والبروتستانتية والكاثوليكية، ولكن أيضًا من جانب الساسة والقادة الغربيين. ومن الملاحظ أن ثمة إشارات إيجابية قادمة من الغرب كرد فعل على خطاب الزعماء وشيوخ الدين المسلمين حتى إن صحيفة كريستيان ساينس مونيتور أشارت في 16 /10/2007 إلى أن الزعماء المسيحيين في الولايات المتحدة يعملون الآن بجد من أجل إعداد رد على الخطاب ووضع الأسس العملية لتجمع مشترك بين الجانبين، ونقلت عن القس شانتا بريماوردانا مدير العلاقات الدينية بمجلس الكنائس العالمي قوله: إن الحوار قد بدأ.. والرسائل البريدية بدأت التطاير من هنا وهناك، كما كتبت مدرسة ييل الدينية بيانًا مطولاً وقعه الزعماء المسيحيون في معهدي اللاهوت بهارفرد وبرينستاون.. وكذلك نقلت الصحيفة عن ميروسلاف فولف من المدرسة إشادته بعمق هذا الخطاب ووصفه إياه بأنه تاريخي وشجاع، ويتميز بعمق النظر وسماحة الروح، وأنه اتخذ نهجًا مناسبًا جعله يقنع قادة مسيحيين بضرورة لقاء المسلمين للبناء على ما هو مشترك بين الديانتين. ورحب الدكتور روان ويليامز كبير أساقفة كانتربري - وأحد أبرز الذين وجه إليهم الخطاب - بفكرة توسيع نطاق الحوار بين المسيحية والإسلام، فأوضح أن الخطاب يدعو المسيحيين والمسلمين إلى احترام بعضهم بعضا، وإلى أن يكونوا عادلين ورحماء، وهذا يعد إيضاحًا للعلاقة الطيبة التي ينشدها الجميع في أصقاع العالم المختلفة، ولا سيما في المناطق التي يتعايش فيها المسيحيون والمسلمون مع بعضهم بعضا، وأنه من المهم تأكيد الحاجة إلى احترام الأقليات سواء في ظل وجود أغلبية مسلمة أو مسيحية.. وعلى هذا تعهد ويليامز بأن يبذل قصارى جهده للتوصل إلى الاستقامة التي نادى بها الخطاب بجعلها هدفًا مشتركًا، ودعا المسلمين والمسيحيين في جميع الدول إلى أن يحذوا حذوه. ولكن رغم سمو الدعوة التي تضمنها الخطاب لتفعيل الحوار بين المسلمين والمسيحيين والمؤشرات الإيجابية المبدئية التي حظيت بها، فإن هناك من لم يبد تفاؤلاً بخصوص ما يمكن أن تسفر عنه، فمثلاً الدكتور «مقتدر خان« - مدير الدراسات الإسلامية بجامعة ديلاور الأمريكية - شكك في أن يكون للدعوة تأثير كبير إلى الدرجة التي من الممكن أن تغير من النزعة الراديكالية المتأسلمة، التي - حسبما ذكر - دفعتها مواقف وأحداث سياسية واجتماعية ومنهجية مثل الغزو الأمريكي للعراق، ومعاملة إسرائيل للفلسطينيين، وتورط الغرب في استهداف المسلمين من خلال التشريعات والسياسات التي تم اللجوء إليها خلال الحرب على الإرهاب.
ويبدو أن الأمر - من وجهة نظر البعض - سيكون بحاجة إلى أكثر من مجرد خطاب ديني من أجل الإسهام بشكل فعال في حل الصراعات والتوصل إلى السلام في منطقة الشرق الأوسط ومناطق أخرى من العالم تتزايد فيها الصراعات حدة بسبب التوترات الدينية، على اعتبار أن تلك الصراعات تدفعها بشكل أساسي عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية وهو ما يتطلب أن يكون الحل شاملاً لكل جوانب هذه الصراعات.. ويمكن القول: إن ذلك الخطاب المفتوح الذي وقعه علماء الدين الإسلامي بمثابة إشارة إيجابية تتطلب أن يتفاعل معها الغرب بشكل إيجابي من أجل وضع حد لذلك الفهم السلبي للإسلام والربط الخاطئ بينه وبين الإرهاب.. وبدورهم يحتاج رجال الدين المسيحي في الوقت الحالي إلى تركيز انتباههم في الدور الذي يلعبه بعض الحكومات الغربية في اختلاق وإثارة الأزمات المتلاحقة في العالم الإسلامي ومنطقة الشرق الأوسط تحديدًا، وهي الأزمات التي توفر للمتطرفين في كلا الجانبين أرضية خصبة لنشر أيديولوجيتهم الراديكالية العنيفة، التي من شأنها جعل العالم أكثر خطرًا وأقل أمنًا.
أين وصل الحوار الاسلامي المسيحي؟
محمد كمال غانم، صحفي فلسطيني