صدر مؤخراً عن منشورات الكرمل - الحازمية لبنان، الكتاب القيّم الذي يحوي المحاضرات التي ألقتها القديسة إديت شتاين الكرملية، حول موضوع المرأة. إنها امرأة ناضجة فكرياً وإنسانيا، قادرة على القيام بالخيارات الصعبة، لذلك يهمنا أن نطرح فكرها كأمثولة أمام المرأة المعاصرة. فلجميع الراغبين التعرّف على فكر القديسة، خاصة في هذه الدراسة ذات البعد الروحي، ذات المرتكزات الأنتروبولوجية، الفلسفية والاجتماعية، ندعوهم لخوض المغامرة وقراءة هذه النصوص (غير السهلة) التي ستكون حتماً مصدراً ووحياً للتجديد والسعي إلى الأفضل. إن مجتمعنا بحاجة إلى نساء مثل إديت شتاين قادرات على الموت من أجل الكنيسة، من أجل الإنسان؛ ولكن قبل الموت هنّ قادرات على قول كلمة فيها تطرحنَ الأسباب والحوافز التي تبرر عطاء الذات في حبٍّ وحده يسوع كلّّله بالقيامة، ووحدها العذراء أثمرت منه التجسّد، وإديت أثمرت منه وردة فواحة عطِرة: شهادتها التي يتردد صداها من خلال هذه الكتابات... وأكثر.
للراغبين بقراءة الكتاب وللمزيد من المعلومات حول النص الاتصال بمنشورات الكرمل
القديسة تريزا بنديكت للصليب (إديت شتاين)
المرأة
دراسات في تربية المرأة ورسالتها
نقلتها الى العربية عن الأصل الألماني رندى أبي عاد، بيروت 2005 التراث الكرملي 21، الجزء الأول من المؤلفات الكاملة.
مقدمة المترجِمة
إنّ هذا الكتاب يضمّ في طيّاته مجموعة من المحاضرات التي كتبتها إديت شتاين بين العامَين 1928 و 1932، أي خلال الفترة الممتدّة من ارتدادها إلى الإيمان الكاثوليكي (1921)، وتلقيها سر العماد المقدس (1922)، حتى دخولِها الكرمل سنة 1933. وتناسِب هذه الحقبة من حياتِها، على الصعيد الروحي، مرحلة التعمّق في الصداقة الحميمة مع الله والنضوج في التأمل والإلتزام، من خلال الرغبة المتنامية في التكرّس لله وحده. أمّا على الصعيد المهني، فَتَتَزامن مع نشاطٍ كثيفٍ يشمل اطّلاعها، أولاً بماهمها كمعلمة في دير الراهبات الدومينيكيات في شباير Speyer، حيث أقامت من 1923 إلى 1931، ومن ثمّ كأستاذة محاضِرة في المعهد العالي للعلوم التربوية في مونستر Münster حتى شباط 1933. كما ويشمل انكبابها على نقل بعض كتابات القديس توما الأكويني من اللاتينية إلى الألمانية، و تحديداً ترجمة أجزاء معينة من De Veritate. إضافة إلى ذلك، شاركت إديت شتاين خلال هذه السنوات في عدد من المؤتمرات والحلقات الفلسفية، لعلّ أهمها لقاء Juvisy /فرنسا (1932) حول فكر توما الأكويني والفلسفة الظاهراتية. وامتازت هذه المرحلة أيضاً بتبادل رسائل منتظم وغزير مع عدد غفير من الأصدقاء وطالبي النصح والإرشاد ورجالات الدين والعلم.
في خضمّ هذا الدفق من العطاء حيث تألقت إديت شتاين فيلسوفة ومربية، انهالت الدعوات من المانيا وسويسرا والنمسا، فلبّتها شتاين محاضِرةً في شؤون المرأة وقضاياها ممّا أدّى إلى ذياع شهرتها كخطيبة واستقطابها للإعجاب والتقدير في أوساط المثقفين آنذاك.
في هذا الإطار الذي رسمنا معالمه باقتضاب تندرج إذاً المحاضرات المذكورة حول المرأة والتي يقدمها هذا الكتاب في ترجمتها العربية.
أمّا من حيث موضوعاتها، فتتمحور المحاضرات كلها حول عنوان عريض هو "المرأة" من خلال دراسات نفسية، إجتماعية، فلسفية، تربط بينها، على غناها وتنوعها، وحدة المنحى اللاهوتي والمدى الروحي المسيحي. صحيح أن شتاين تتطرق إلى مواضيع حساسة مثل دور المرأة الإجتماعي وإمكانيات وشروط خوضها لمعترك الحياة المهنية وممارستها لحقوقها السياسية وتحديات تربية الفتاة وأهمية وضرورة تثقيف المرأة في عصرنا كأساس لدينامية حياة المجتمع والوطن، غير أنّ لبّ خطابها يكمن دون شك في تحليلها للخصوصية الأنثوية التي تتوغل في استكشاف مقوماتها وتسبر أغوارها على ضوء ما يسكب عليها الكتاب المقدس وتعليم الكنيسة الجامعة من قيمة وبهاء. بهذا تُرسي إديت شتاين قواعد مقاربة أنطولوجية-لاهوتية جريئة لخصوصية المرأة بأسلوب تطغى عليه تأثيرات ثقافتها الظاهراتية من حيث منهجية المعالجة وشفافية التساؤل وقوة الربط. ولعلّ البعد الأنطولوجي- اللاهوتي المذكور هو الذي يفسّر كون النص لا يزال يخاطبنا في الكثير الكثير مما يحاكي مشكلاتنا وزمننا الحاضر، وربما كل زمن، في ما يتخطى التفاصيل التاريخية والمادية العاكسة لواقع محدود في الزمان والمكان ونعني به تحديداً مطلع القرن العشرين في ألمانيا.
ولقد اعتمدنا في ترجمتنا للأصل الألماني نص المجلد الثالث عشر من مؤلفات إديت شتاين الكاملة في اللغة الألمانية تحت عنوان "المرأة" والصادر في طبعة أكاديمية علمية وافرة الحواشي جاءت ثمرة مراجعة دقيقة لمخطوطات المؤلِّفة الموجودة بمعظمها في محفوظات دير الكرمل في مدينة كولن Köln /ألمانيا.
إن هذا الكتاب هو باكورة الترجمات العربية لمؤلفات إديت شتاين التي يُعنى الآباء الكرمليون في لبنان بنشرها إلى جانب اهتمامهم بنشر سائر كنوز الكرمل وكتابات أعلامِه وقديسيه. ولقد جهدنا في أن نروّض الجملة الألمانية مع الحرص على الأمانة المطلقة لدقّة المضمون والمعنى رغبةً منّا في أن نقدّم للقارئ العربي نصّاً يعكس مفاصل وتركيبة وعمق الأصل الألماني في قالب سلسٍ وجميل.
ونتوجه هنا بعميق الشكر إلى الأب شاهين ريشا الكرملي الذي أعاد قراءة النص العربي ونقّحه فكان أن ساهمت ملاحظاتُه الثمينة جلّ المساهمة في سكب الجملة سكباً أنيقاً وواضحاً وعاد علينا سخاؤه في وضع خبرته الطويلة في الترجمة ومعرفته العميقة بروحانية الكرمل في خدمة هذا المشروع بالفائدة الكبيرة.
أمّا الشكر الأكبر فأولاً وأخيراً لله ومن بعده لمربم سيدة الكرمل وللقديسة تريزا بنديكتا للصليب (إديت شتاين) التي رعت هذا العمل ورافقت إنجازه في جميع لحظاته مضفيةً على كل لحظة شيئاً من فرح السماء.
رندى ابي عاد
خصوصية المرأة وأهميتها في حياة الأمّة.
يبدو ان هذه المحاضرة -وفق ما أسفرت عنه الأبحاث حتى الآن- هي الأولى من سلسلة ألقتها إديت شتاين حول موضوع المرأة وذلك بدعوة من مجلس اتحاد المعلمات الكاثوليكيات البافاريات. وشكلت المحاضرة البيان الرئيسي في إطار الجمعية العامة الخامسة عشرة للإتحاد المنعقدة في لودفيغسهافن Ludwigshafen من 11 إلى 14 نيسان/ابريل 1928 تحت عنوان "تربية المرأة ورسالتها في الوضع الراهن".
ألقت إديت شتاين محاضرتها يوم الخميس المصادف 12 نيسان/ابريل عند الساعة العاشرة في بيت الاتحاد المذكور.
أيها المدعوون المحترمون،
أيتها الزميلات العزيزات،
1- اسمحوا لي أن أستهلّ خطابي بملاحظة صغيرة ذاتِ طابع شخصي. قبل يومين، وفي خضمّ التحضيرات لهذا المؤتمر، توجهت إلى Beuron في منطقة Ludwigshafen حيث كان لي أن أعيش أسبوعَ الآلام وأيام الفصح. إنه لمن شبه المستحيل أن يتصوَّر المرء مفارقةً أكبر من تلك التي بين سكون وادي السلام، هناك، حيث، يوماً بعد يوم وعاماً بعد عام، يرتفع التسبيح للرب ترنيماً، من انفجار الصبح إلى الليل، في غربة عن العالم الخارجي، وهذا الحفل المجتمع هنا لمناقشة قضايا راهنة وساخنة. فلقد كان الأمر بالنسبة إليّ أشبهَ بسقوطٍ من السماء على الأرض. لكن ربما يكون هذا التباين بالذات رمزاً لرسالتنا نحن جميعاً. فبعد أن صعدنا كلنا، في الأسابيع المنصرمة، دربَ الجلجلة مع مخلِّصنا، لا تزال قلوبنا تجذل بالهللويا الفصحية. وإذ نعود بعد أسبوع من جديد إلى الخدمة في الحياة اليومية، وجب ألاّ تنحصر فعاليةُ الآلام والفصح في أن تكون مجرّدَ بهجةٍ عابرة تتلاشى في رتابة الحياة اليومية، بل قوة إلهية حيّة فينا، ملازمة لنا في حياتنا المهنية، فاعلةٌ فيها؛ وهذا ما يفترض أن يساعدنا عليه مؤتمرُنا. فلندخل الآن مباشرةً في موضوعنا. هذا الموضوع كان بالنسبة إليّ، في عنوانه العريض، بمثابة علامة تشير إلى التغيير الذي آلت إليه صورة الحركة النسائية في السنوات الأخيرة. فقبل عشرين عاماً من اليوم، لم يكن ليخطر في بال أحد أن يطرح موضوعاً كهذا. لقد كان «التحرير» هو شعار البدايات في الحركة النسائية، وكان للكلمة وقع مؤثّر وثوري معاً، إذ يوحي بالانعتاق من سلاسل العبودية. أمّا التعبير عن هذا الطموح فقد جاء أقلّ فخامة بعض الشيء عن الشعار، وتجسّد مطالبةً بإزاحة القيود المعيقة لتربية المرأة ولنشاطها المهني وإلغائها، إضافةً إلى فتح دروب التثقيف والفروع المهنية الذكورية أمامها.....
للمزيد من المعلومات حول النص الاتصال
الأبعاد الأخلاقية المميزة لدعوة المرأة
حاضرت إديت شتاين في "الأبعاد الأخلاقية الميمزة لدعوة المرأة" في 1/9/1930 في تمام العاشرة في قاعة المحاضرات التابعة لمبنى المعهد العالي في سالزبرغ Salzburg وذلك في إطار مؤتمر الخريف لرابطة الأكاديميين الكاثوليك المنعقد من 30/8 إلى 3/9 1930 تحت عنوان: " المسيح وحياة الإنسان المعاصر المهنية". والجدير بالذكر هنا أن إديت شتاين كانت المرأة الوحيدة بين محاضرين بلغ عددهم ستة عشر محاضراً.
لقد أثارت هذه المحاضرة تعليقات ومناقشات نقلتها الصحف والمجلات الألمانية والنمساوية كما ساهمت إلى حدّ كبير في انتشار شهرة إديت شتاين كمحاضرة وخطيبة.
في ربيع 1931 أصدرت منشورات غرابهر Haas Grabherr /Augsburg المحاضرة في كتاب مستقل ضمن سلسلة "مكتبة الفكر الكاثوليكي".
مقدمة:
في مفهوم البعد الأخلاقي، والبعدِ الأخلاقي للدعوة عامة، والبعدِ الأخلاقي لدعوة المرأة تحديداً.
1- تشير كلمة ethos بحرفيتها إلى قاعدة ثابتة مستديمة توجّه عمل الإنسان، لا نعني بها قانوناً يأتيه من الخارج أو يهبط من الأعالي، بل ما يفعل في داخله، قالباً باطنياً أو حالة النفس، تلك التي أسمتها الفلسفة الكلامية المدرسية habitus. مثل هذه الاستعدادات والحالات المستديمة تطبع الأنماط السلوكية المتغيّرة بطابع محدّد، مُوحِّدٍ لها، تصير من خلاله منظورة. منها الفطري، كالطبع والتوجّهات النفسية العامة عنينا بها البهجة أو السويداء مثلاً. ومنها التي يتمّ تحصيلها من خلال الاستعدادات الطبيعية وعلى أساسها، وفي عدادها نحصي المهارات والفضائل. وأخيراً نذكر نوعاً منها موحى به يشمل الفضائل الالهية، أي كلَّ ما يكوّن قداسة الانسان في المطلق ويحققّها. وكما يفوز الانسان بالحالات، كذلك يفقدها لأنها ليست للنفس مُلكاً غير متبدّل بل هي سهلة التغيّر.
2- إنّ مفهوم الـhabitus العام هذا، إذا ما نظر إليه من وجهة أخلاقية، تخصّص وصار يدعى ethos . ونعني بالكلام على الethos ، استعداداً أو حالةً مستديمة أو مجموعَ حالات تتميّز بقيمة أخلاقية وضعية تتطلّب مقتضيات وقواعد موضوعية معيّنة. أمّا من خلال عبارة «الأبعاد الأخلاقية في الحياة المهنية»، فإننا نعني مجموعَ الاستعدادات النفسية المستديمة المنبثقة من الداخل، على أنها المبدأ المكوّن للحياة المهنيّة والمتجسّد فيها. عندها فقط نستطيع الكلامَ على الشروط والظروف المؤدّية إلى أن تعكسَ الحياةُ المهنية في الواقع طابعاً موحَّداً لا يلبّي حاجةً تفرضها المؤتيات الخارجية فحسب، كتلك الناتجة عن توجيهاتٍ آتية من خارج أو عن التشريع الخاص بالعمل نفسه، بل [يلبّي حاجةً] تنبع من الداخل كالأمانة للواجب والضمير المهني اللذين يعتبران مقياساً لethos الحياة المهنية؛ أضف إلى ذلك موقف الإنسان من المهنة بذاتها، والذي لا يقلّ أهميةً عمّا سبق في تحديد ماهيّة الطابع الموحَّد. فمن ينظر إلى عمله على أنه مصدرٌ للرزق لا غير أو تمضيةٌ للوقت، ذاك يقوم بالعمل المذكور على نحو يختلف كلّياً عمّن يرى فيه مهنةً يشعر بأنه مدعوٌّ إليها، وهذا هو المعنى الأصيل. ولا يجوز الكلام على ethos الحياة المهنية بالمعنى الحصري، إلاّ في الحالة الأخيرة. وأخيراً، نذكر أن لكلّ مهنة ethos مميّزاً تفرضه نوعية المهنة ويُلْزِم به مفهومُها، كجهوزية الممرّضة واستعداداها الدائم للمساعدة، أو اليقظة والقدرة على القرار الجازم لدى ربّ العمل أو المقاول الخ… وقد يتمتّع المرء، بالفطرة، بهذا الethos ، وعندها نقول إن لدى المرء ميلاً وأهليةً طبيعيين لمهنته. كما من الممكن أن ينمو في الـethos رويداً رويداً، عبر إتمامه المتواتر للأعمال المطلوبة والتزامه في تصرّفاته نماذجَ معيّنة تحدّد سلوكه من الداخل ليأتي مطابقاً للمقاييس من غير أن يحتاج الى ضبطٍ إضافي من الخارج.
3- ولمّا طلب إليّ الكلام على ethos المهن النسائية، حوى الموضوع في نظري، ضمناً، فرضيةَ استعداداتٍ باطنيةٍ مستديمةٍ محدّدةٍ تستأثر بها النفسُ الأنثوية وتنبثق من داخلها لتقولب حياتها المهنيّة. وتستتبع هذه الفرضية أخرى تقول بأنّ الخصوصيّة الأنثوية تنطوي على دعوة إلى مهمّات معيّنة. يبقى علينا الآن أن نتفحّص الفرضَّيتَين ونُثبت صحّتهما.
للمزيد من المعلومات حول النص الاتصال
في 8/11/1930 ألقت اديت شتاين محاضرتها في "أصول تربية المرأة" تلبية لدعوة من اللجنة التربوية المركزية لرابطة النساء الكاثوليكيات الألمانيات وذلك في مركز انعقاد جلسات ومؤتمرات الرابطة في بندورف Bendorf/Rh. في اليوم التالي جرت جلسة مناقشة للمحاضرة أدارتها رئيسة الرابطة النسائية الدكتورة غرتا كرابل Gerta Krabbel من آخن Aachen .
بعد نحو أسبوعين من هذا التاريخ أرسلت الرئيسة الى المشاركات في الجلسات كتاباً دورياً تضمّن تقريراً حول المحاضرة وآخراً حول المناقشة على أمل أن يكون في المبادرة حافز للمزيد من التداول المستقبلي في موضوع أصول تربية المراة.
على اثر أيام بندورف، طلبت إحدى المشاركات وتدعى ماري بوسكوفسكا Marie Buczkowska من اديت شتاين مقالاً تفصّل فيه بعض الأفكار الواردة في محاضرتها على أن يُنشَر في البيان الشهري للجمعية الروحية للنساء العاملات التي تنتمي إليها والمعروفة بSocietas religiosa . لم يتسنَّ لاديت شتاين ان تلبّي الطلب قبل كانون الثاني/يناير 1932 فكان المقال الشهير: " دروب نحو السكون الباطني"
1- يتخبّط واقع تربيتنا العام منذ عشرات السنين في أزمة حادة. لقد جاءت الدعوة من كل صوب إلى الاصلاح، وبالرغم أنه من الممكن استنباط بعض الخطوط التوجيهية العريضة لهذا الغرض في خضمّ المحاولات العديدة، على تشابكها الفوضوي، تبقى القناعة أننا ما زلنا بعيدين كلّ البعد عن تطور هادئ مبني على قاعدة ثابتة واضحة، ولا نـزال في طور الاختبارات التمهيدية.
2- إن تربية المرأة جزءٌ لا يتجزَّأ من الأزمة العامة؛ لكنَّها تتفرّد عن الأزمة بمشاكل وصعوباتٍ خاصة بها. وإن الحل أو المخرج النهائي لها يبقى رهن إصلاح شامل لواقع التربية الألمانية في هيكليتها وجوهرها. أما إذا حاولنا عزلها ومعالجتها على حدة، فلا يجوز لنا قطع الخيوط التي تربطها بالمشكلة العامة حتى ولو بقيت في نظرنا وضعاً خاصاً تتجلى من خلاله الأسئلة الكبرى وتتوضَّح.
1- في المحاضرة التي ألقيتُها في تشرين الثاني 1930 في برندورف Berndorf حول أصول تربية المرأة، حاولت رسمَ معالم نفسِ المرأة وشخصيّتها وكيفيةِ مطابقتها لتحديد المرأة الأزلي، معدِّدة الصفات التالية: منفتحة، ساكنة، فارغة من ذاتها، دافئة وشفّافة. أما الآن فتطلبون مني أن أقول شيئاً في كيفية امتلاكها لهذه المزايا.
2- لا أعتقد أن الموضوعَ موضوعُ مقاربة مزايا متعدّدة يعمل المرء على الواحدة منها بمعزلٍ عن الأخرى، بقدر ما هو حالةٌ عامة وبسيطةٌ للنفس يمكن تصورُّها وفهمُها من نواحٍ مختلفة عبر تلك المزايا. ولا تُكتَسَبُ هذه الحالة بفعل الإرادة الشخصية بل هي تحلّ فينا بفعل النعمة. أمّا ما نستطيع أن نقومَ به فيتلخَّص في الانفتاح على النعمة بالتخلّي الكامل عن إرادتنا الشخصية ورهنها بالمشيئة الإلهية، أي وضع النفس بين يدي الله في استعدادٍ تام للتقبّل والقولبة.
للمزيد من المعلومات حول النص الاتصال
دعوة المرأة
بتاريخ 8-4-1931 ألقت إديت شتاين هذه المحاضرة في ميونيخ، بناء على دعوة من الإدارة المركزية لمؤتمر المعلمات الكاثوليكيات البافاريات الشابات. وكانت إديت شتاين بعد أن ودّعت دير سانتا ماغدالينا Santa Magdalena ومدرستها في شبيير Speyer قد توجهت إلى بيورون Beuron للمشاركة كالعادة في احتفالات أسبوع الآلام وعيد الفصح. من هناك كتبت في 28 آذار/مارس إلى الأخت كاليستا كوبف Callista Kopf تقول: أتوجه يوم الثلاثاء إلى ميونيخ حيث تعقد جمعية تشارك فيها معلمات شابات من كلّ بافاريا إضافة إلى خمس عشرة معلمة من مقاطعة بفالز Pfalz (التابعة آنذاك لبافاريا).
من المعتقد أن إديت شتاين حضرت في 7-4-1932 لقاء بعد الظهر لقائدات المجموعات المختلفة وأنها شاركت في أمسية الترحيب الاقتتاحية. أمّا محاضرتها فقد ألقتها في اليوم التالي بعد القداس الحبري الذي احتفل به الكاردينال فاولهابر Faulhaber .
1- لعلّ أسبوع الآلام وأيام الفصح من أكثر الأوقات وأنسبها الى أن تدعونا على مدار السنة إلى التفكّر الصامت في معنى كياننا وغايته. ولمّا كان الله قد تألم ومات من أجل الإنسان فكم وجب أن تكون دعوة الإنسان إذاً عظيمة! ولمّا كان ليفتح لنا السماء في بهائها وجلالها فماذا علينا ان نفعل لندخل البهاء والجلال؟ إن من أعطي له أن يمشي درب الآلام مع الربّ في صمتِ قدسيّتها وأن يُنشِدَ بعد ذلك الهللويا مبتهجاً جذلا،ً لا يعود يطيب له إلاّ أن يستمرّ منشداً بدون انقطاع وهو لا يقرّر العودة إلى الحياة اليومية إلاّ على مضض، ولا يرضى بالرجوع إليها إلاّ بصعوبة كبيرة. غير أن الربّ لم يسمح أن يصعد تلاميذه معه إلى السماء؛ لقد تركهم على الأرض وأرسلهم يحملون النور إلى الذين يقبعون في الظلمات وفي ظلال الموت. وهكذا هي الحال اليوم أيضاً بالنسبة الى صحبه حتى يحملوا الحياة الفصحية الجديدة التي أهديت إليهم، إلى العالم المنسحِق والغارق في العبودية.
2- في اتحاد المعلمات الكاثوليكيات تقليد قديم يقضي بأن يكون اسبوع الفصح مخصَّصاً للتأمل في كبريات القضايا المتعلقة بالحياة المهنية. ولقد تبنّت شاباتُ الاتحاد هذا التقليد وكبرت الرغبة في أن يصار قبل الخوض في المسائل المهنية البحتة إلى مناقشة دعوة المرأة لتوضيح علاقتها في ما هي عليه في ذاتها بمهنة التعليم.
3- من خلال الكلام على دعوة المرأة في حدّ ذاتها، يتولّد شكٌّ حول حقوقها الإنسانية وحقوقها الفردية الشخصية وميل إلى أن تُنكَر هذه الحقوق عليها؛ لذا أرغب في التشديد على أن دعوة المرأة ثلاثية، هي، أولاً، دعوة الإنسان العامة ومن ثم دعوة الشخص الفردية وأخيراً دعوة المرأة الخاصة. وإنني أرغب أيضاً في معالجة البعدين الأول والثاني معالجة مقتضبة.
للمزيد من المعلومات حول النص الاتصال
دعوة الرجل والمرأة بحسب الطبيعة وبحسب النعمة.
في تشرين الأول/أكتوبر 1931 انطلقت إديت شتاين في جولة طويلة تنقّلت خلالها عبر محطات عديدة في ولايتي وستفالن و راينلاند Westfalen /Rheinland الألمانيتين حيث ألقت العديد من المحاضرات. في رسالة إلى رومان انغاردن Roman Ingarden (رسالة 151 في المؤلفات الكاملة، المجلد الرابع) تتكلم إديت على هذه الرحلة الطويلة وتذكر منها محطّتين هما مدينتي بون Bonn و شبيير Speyer. لا نعرف حتى الساعة اسماء جميع المحطات، لكنه معلوم أن معظم المحاضرات التي ألقتها في هذه الفترة تمحورت حول القديسة اليصابات فون تورينغن Elisabeth von Thüringen أو تعلقت بالاحتفالات اليوبيلية لهذه القديسة.
ولقد ورد بالطبع ذكر هذه المحاضرات في العديد من المنشورات منها حولية الراهبات الأورسوليات في آخن Aachen . ومما جاء فيها أن الدكتورة إديت شتاين من برسلاو Breslau حاضرت بتاريخ 30 تشرين الأول/أكتوبر 1931 في قاعة المحاضرات حول "دعوة المرأة والرجل بحسب الطبيعة وبحسب النعمة" وأن الحضور احتشدوا في القاعة بحيث استحال إيجاد مقعد واحد شاغر.
كذلك نشرت المحاضرة في جريدة "المرأة المسيحية" الصادرة عن رابطة النساء الألمانيات الكاثوليكيات (كانون الأول 1932، عد 1)
1- إن لكلمة مهنة في اللغة الشائعة معنى باهتاً يكاد لا يعكس شيئاً من دلالتها الأصلية. فإذا ما شارف أولادنا على وداع المدرسة مثلاً، فكّرنا، للتو، في المهنة التي سوف يعتنقونها. ولطالما كان انخراط المرأة في الحياة المهنية أو التزامها البيت موضوعاً للجدل. فمفهوم المهنة، إذاً، صار مقتصراً، في غالبية الأحيان، على تصوّرٍ لنشاطٍ إنتاجي؛ ولم يبقَ من وهجٍ لمعنى الكلمة الأصلي سوى في أطر معيّنة ومواضعَ محدَّدة كقولنا، مثلاً إن فلاناً فوّت دعوتَه، أو في سياق كلامنا على الدعوة الرهبانية. فمن خلال هذه التعابيير تتجلّى ماهية المهنة ويظهر موضوعُ الدعوة.
2- ما معنى أن تكون مدعوّاً؟ يفترضُ الأمر دعوةً من أحدِهم لأحدهم لغايةٍ ما بصيغةٍ معقولة.
هذا ما نقصده مثلاً بقولنا إن عالِماً دُعي إلى كرسي الأستاذية. فتصدر الدعوةُ، عندها، عن هيئة معيّنة ممثَّلةٍ في مثل هذه الظروف، بالجامعة أو بالكلية عند الاقتضاء، وتُوجَّه الى رجلٍ يبدو، بالنظر إلى مواهبه وثقافته، مدعواً الى ما إليه قد دُعي. وقد يصله النداء هنا في شكل دعوة مكتوبةٍ وفقاً للأصول المعمول بها أو بالأسلوب اللغوي التقليدي.
للمزيد من المعلومات حول النص الاتصال
حياة المرأة المسيحية.
تندرج تحت عنوان "حياة المرأة المسيحية" مجموعة من أربع محاضرات ألقتها إديت شتاين في زوريخ/سويسرا في كانون الأول 1932 تلبية لدعوة وجّهتها إليها المنظمة النسائية الكاثوليكية المحلية. ألقت إديت شتاين كلَّ محاضرة مرتين؛ ولمّا كان القيمون على التنظيم حرصين على أناقة الحفل ورقيّه حرصاً شديداً فلقد سبق المحاضرة وتلاها في كلِّ مرة عزفٌ موسيقي رفيع المستوى.
رغم هذا الجهد ورغم الأفكار العميقة والمعرفة الواسعة المميزة لدى إديت شتاين والتي طبعت النص