القديسة الشهيدة تريزا بنديكتا للصليب (إديت ٍشتاين) الكرملية

1891-1942

صلاة الكنيسة

 

مقدِّمة

عندما نشرت إديت شتاين صلاة الكنيسة سنة 1937، كانت تحمل منذ سنتين، اسم تريزيا – بنديكتا للصليب. وانتماؤها الى الكرمل يتراءى لنا من خلال النص الذي يرتكز، في الوقت نفسه، على حياة الصلاة التي عاشتها، وعلى مغامرتها الفكرية. فيا لها من مُفارقة تنعقد في ضمَّةٍ بين المسيرتين! فبينما تتخشّع الأولى في الصمت تتغنّى الثانية بنشيد الخلائق كلّها.

غير ان الصمت ايضاً يستدعي خدمات الفلسفة، من أجل تحديد موقعه؛ وبالمقابل، فالهوشعنا الكونية تنطلق مستندةً الى خبرة المصلّي الشخصية. ففي هذه الصفحات المنوّرة حول الصلاة أي الليتورجيا، والتأمل، والتطلّع، يتجلّى الجزء الخفي من نفس إديت شتاين، ذلك الجزء الذي طالما حافظت عليه. فلا يتسرّب من ذلك السرّ، الذي كانت تعتبره ملكاً لها، سوى تحديد مكانه؛ هذا المكان المُمعن في الإختفاء داخل مقدس القلب، في العزلة الجوهرية التي لا تنفتح إلا لله. "لا بدّ لنا من أن نُصغي، مدى ساعات، بصمت، ونترك الكلمة الإلهية تتفتّح فينا حتى تحرِّكنا الى حمد الله في الصلاة والعمل. والصمت، هنا، فعل قُبول، بل فعلُ إفراغ للذات من كلِّ ما ليس الله. ففي رسالةٍ لها تحمل تاريخ 13 آذار (مارس) 1940، توصي بأن "نصارعَ بكلّ قوانا لكي نظلَّ فارغين… ولكي نُفرغ عقلنا من كلِّ سعي وتفكير طبيعيَّين".

فبمقدار ما تمعن النفس في الدخول الى ذاتها بمقدار ذلك تُغرق في السكون. وهكذا تبلغ النفسُ المختلية بذاتها منبعَ كلِّ سلام، ومصدرَ كلِّ حياة. ففي عمق هذا الصمت تغرفُ النفسُ من الله القوَّةَ التي تخوِّلها نشر الحبّ الإلهي في العالم.

وإنَّ إديت لم تتعلّم ذلك في الكتب؛ ويشهد على ذلك المقطع التالي: "هناك حالة من الراحة في الله، حالةٌ من التعليق الكامل لأي نشاط فكري، لا يمكننا فيها، بَعدُ، وضعُ أيّ خطّة، ولا اتخاذ أيّ قرار، ولا حتّى عملُ أيِّ شيء؛ وإنما، فيها، نستسلم كليَّاً لمصيرنا، مُسَلِّمين أمرَ مستقبلنا إلى إرادة الإلهية. لقد عشتُ، نوعاً ما، تلك الحالة، إثرَ اختبار لا شيء طاقاتي الروحية كليّاً، متخطّياً قِوايَ الشخصيّة، وسرقَ مني كل قدرة على العمل. وقياساً على توقُّفِ النشاط، لنقص في دفع الحياة، فإن هذه الراحة في الله، هي أمرٌ جديدٌ للغاية، ولا يُمكن احتواؤه. قبله، كان يسود سكون الموت؛ فحلَّ مكانه شعورٌ بالطمأنينة الداخليَّة، والتحرُّر من كلّ همّ، والتزامٌ ومسؤولية في موقع العمل.

وبينما كنت مُستسلمةً لهذا الشعور، إذا بحياة جديدة بدأتْ تغمرني، شيئاً فشيئاً، وتدفعني الى العمل من جديد، دون أي إجهادٍ لإرادتي. وبدا لي أن هذا الدافع من الحيويَّة يصدُرُ عن نشاطٍ وعن قوةٍ ليست لي، وقد اصبحتْ فاعلةً في داخلي، دون ان تقهرَ قوَّتي. كما يبدو أن الشرطَ الوحيد، لمثل هذه الولادة الروحية الجديدة، هو نوعٌ من القابليَّة، هي، في الحقيقة، البُنيةُ، نفسُها، للشخص الانساني، البعيد عن كل آليّة نفسيّة".

وها إن إديت شتاين، في كرّاسها صلاة الكنيسة، تلاحظُ ذات العبور، من الصمت إلى العمل، لدى الله، ولدى العذراء، وفي الكنيسة الناشئة، ولدى شاول ولدى القديسة تريزا، ولدى آخرين كُثُر: "لقد اتُّخذَ قرارُ الفداءِ في سكون الحياة الإلهية الأزلي. وحلَّت قوةُ الروح القدس في العذراء، بينما كانت تصلّي، على انفراد، في بيت الناصرة المتواضع والهادىء، فحقَّقت في حشاها تجسُّد الفادي، الخ…".

بيد أن هذا العبور مُتزامنٌ معهما، دون أن ينتفي تعليله، وفي الواقع، فالعمل، هنا لا يتبعُ الصمت، "لأن عملَ الفداء قد تحقَّق في الخفْيَةِ والسكون". وهكذا فبمقدار ما تُغرق في السكون، بمقدار ذلك تُمعِنُ في العمل.

ويصبح الظهور مُفاجئاً ومتوقّعاً: فبين أعماقِ النفس، وانبساط السماء التي تضجُّ بتسابيح الكاروبيم، يتجلّى التضامن بينهما، في الملء المتفجِّر. فتصعدُ الصلاةُ من عمقِ الصمت، همساً من وراء الحصن… ولكن، ما أعظم ذلك الدويَّ، لو شاركتْ فيه جميع المخلوقات! لأن المسيح، حسبَ رأي إديت شتاين، "يدعو هذا العالم المخلوق كلَّه الى مشاركته في رقع الشكر الواجب للخالق". إن إديت شتاين تسمو الى فكرة ليتورجيا كونيَّة، من خلال لاهوتٍ افخارستيّ، ومنطقيّ مع ذاته، يكون امتداداً للاهوت حول الفداء الذي يشمل كلَّ الخليقة. وذلك، لأن الخبز والخمر قد تألَّها ساعةَ التقديس، كما تألهت بشريَّةُ المسيح بالتجسُّد : وتحولت ثمار الأرض إلى جسده ودمه، تملأُهما حياتهُ. والخليقةُ المنظورة، التي اندمَجَ فيها بتجسُّده، أصبحت الآن مرتبطةً به، ارتباطاً جديداً وسرّياً"، بحيثُ "تدخلُ، بواسطة الجسد والدم، كلًُّ الخليقة، ضمن الليتورجيّا، في صلاة الفرض الإلهي المهيبة". تلك نبراتٌ لا تخلو من التذكير بشروحات مشابهةٍ للأب تَيَارْ دُو شارْدِنْ، عن "مَسْحَنَةِ" الكون خاصةً، عندما تحتوي القربانةُ التي هي الكون، القربانةَ، التي هي الخبز.

ولا يعتبرنَّ أحد هذه الدلالات ترجمةً عابرة لاندفاع حماسيّ، لأنه بإمكاننا أن نتّخذ، من ما ورائيات الكائن المحدود والكائن الأزلي، أساساً لهذه الليتورجيّا الكونية، في كرَّاس صلاة الكنيسة. فكتابها الأول ذو أسلوبٍ متَّزِن، بشكل خاص، لأن إديت شتاين تؤكد فيه على طابع الحياة القُدُسيّ، لدرجةِ أنَّها تعتبر كلَّ كائن حيّ، وبالتالي، ليس النفس البشرية وحدها، قد خلقه الله مباشرة، وهو بتجسُّدهِ، "دخل الخليقة بجملتها".

ان هذه الليتورجيّا الكونية تتَّخذ طابَعَ السمفونيَّة، بتعاون الجمع الغفير: فبقدر تعدُّد الأفراد، يتَّسع المدى، شرط أن يؤمِّن أحدُهم، من فوق، التناسقَ التام. وهذا ال "أحَدُهُم" هو المسيح بفرديَّته المثلى، وهو رأس البشريَّة، وحتى رأسُ الطُغمات الملائكية، بل أيضاً، - وهنا تعتقد إديت شتاين انها تأتي بجديد- هو رأس الخليقة بأكملها. وهكذا، بقدر ما تتعمَّق الصلاة الشخصيّة "ثمرة الإتحاد بالمسيح"، يقدر ذلك تغْتني المشاركة في الليتورجيّا الكونيّة. ومن جديد، إمعانٌ في الدخول الى الذات يستتبعُ إمعاناً في الخروج منها. فقد اعتقدتْ إديت، بعد اهتدائها، أن الحياة الرهبانية تستوجبُ التخلّي عن كل ما هو أرضي. غير أنها أدركت، لاحقاً، انه "بقدر ما يتعمق فينا الجاذبُ، الذي يشدُّنا الى الله، بقدر ذلك يتعاظمُ واجبُ "الخروج من الذات"، وفي ذات الاتجاه ايضاً، اي في اتجاه العالم، لنحملَ اليه الحياة الالهيّة".

وهذه الليتورجيا الكونيّة، النظيرُ الطبيعي لتخشُّع النفس في إطار الصلاة، ليست سوى الصورة المكبَّرة لصلاة الكنيسة بمعنى الشراكة العميق؛ تلك الشراكة التي، مع استنادها الى الدخول في الذات، تسعى، في الوقت نفسه، الى ظاهريَّة الطقوس، وإبراز المشاركة، وخاصةً إلى الوجود المتواضع واليومي مع الآخر، وبنوع خاص الى الوجود لأجل الآخر، أي القيام مقام الآخر، الذي يكرّس التزامن الدائم داخل الجماعة المثلى، بين الفرد - من – أجل – الجماعة والجماعة – من – اجل – الفرد.

غير انه، لا يمكن لهذا الفرع الصغير أن يأتي بالثمر، لدى إنسانٍ مطبوعٍ على مذهَبَيْ المثالية والذاتيَّة الفلسفيَّين، الا بتوسيع مفهوم الكثلكة، لتَشمل كلَّ المخلوقات، شرط أن تسبِّح هذه المخلوقات الربَّ الى الأبد، بشكل ترجيع لنشيد الفِتْيَة الثلاثة، في أتون النار (دانيال 3، 51 – 90)، أو لنشيد فرنسيس الأسيزي حول أختنا الشمس.

ولكن، يلزمنا، من أجل ذلك، أن يتردَّد صدى الصُداح الشامل، همساً في النفس المتخشِّعة، حيث "باستطاعتنا الحصول على صورةٍ مطابقة للخليقة، تمام المطابقة".

جاد حاتم

صلاة الكنيسة

بالمسيح، ومعه، وفيه، إليكَ، أيها الإله الآب القدير، كلُّ مجدٍ وإكرام، باتّحاد الروح القدس".

بهذه الكلمات المهيبة، يختم الكاهن صلوات النافور، التي تلفُّ سرَّ التحوُّل القرباني المقدَّس. فبإيجازٍ كلّي، نجدُ فيها ما يختصر كلّ معاني صلاة الكنيسة: المجدُ والكرامة للثالوث الأقدس، بواسطة المسيح، ومعه، وفيه. ومع أنَّ هذه الكلمات تُوَجَّه إلى الآب، فما من تمجيدٍ للآب الا ويؤول، في الوقت عينه، إلى الإبن والروح القدس، إذ إنَّ هذه الكلمات تُنشدُ المجدَ الذي يُوليه الآب للإبن، والذي يشتركُ فيه الإثنان مع الروح القدس، مدى الأبدية.

فكلُّ تمجيدٍ لله يتمُّ بواسطة يسوع المسيح، ومعه، وفيه.

* بالمسيح: لأنَّه، بواسطته فقط، تتمكَّن الإنسانيةُ من التقدّم إلى الآب؛ ولأنَّ وجودَ المسيح، كإله وإنسان، وعمله الفدائي، يشكِّلان معاً التمجيدَ الأكملَ للآب.

* ومعه: لأنَّ كلَّ صلاةٍ صادقةٍ هي ثمرةُ الإتِّحاد بالمسيح، وهي، في الوقت نفسه، تثبيتٌ لهذا الإتحاد؛ ولأنَّ كلَّ تسبيحٍ للإبن هو فعلُ تمجيدٍ للآب، وكلَّ تسبيحٍ للآب هو فعلُ تمجيدٍ للإبن.

* وفيه: لأنَّ الكنيسة المُصليّة هي المسيحُ نفسه – فكلّ مُصلٍّ عُضوٌ في جسده السرّي -؛ ولأنَّ الآب هو في الابن أيضاً. فالابن هو ضياءُ الآب، وهو الذي يجعل مجدَ الآب منظوراً.

فالثنائيةُ في معنى هذه الكلمات بواسطته ومعه وفيه، هي الترجمة الجليّة لما تعنيه وساطةُ الإله – الإنسان. وصلاةُ الكنيسة هي، نفسها، صلاةُ المسيح الحيّ للدوام: إنَّها إمتدادٌ لصلاته، على مدى حياته البشريّة، وهي اقتداء بها.

أولاً – صلاة الكنيسة : الليتورجيا والافخارستيا

من خلال الروايات الإنجيليّة، نعرفُ أنَّ المسيح قد صلّى مثل أيِّ يهودي مؤمن وأمين للشريعة. ففي زمن طفولته، مع والديه، وبعده، مع تلاميذه، قد حجّ إلى أورشليم، في الأوقات المحدَّدة، لكي يشاركَ في الأعياد، التي كانت تُقام في الهيكل. وأنشدَ مع الحجّاج مسروراً: "فرحتُ حين قيل لي : لنذهب إلى بيت الرَّبّ" (مز 122، 1). وتلا صلواتِ البركة القديمة، التي ما زالت تُتلى، إلى اليوم، عند تقديم الخبز والخمر وثمار الأرض.

كما تشهدُ بذلك رواياتُ العشاء الأخير، الذي أُقيم خصّيصاً، لتتميم واحدٍ من أقدس الواجبات الدينية، ألا وهو الاحتفال بوليمة الفصح، إحياءً لذكرى النجاة من عبوديَّة مصر. وإنّنا لنجدُ فيها، تماماً، أعمقَ صورة لصلاة المسيح، بمثابةِ مفتاح يُدخلنا إلى صلاة الكنيسة.

وبينما هم يأكلون، أخذ يوسع خبزاً، وبارك، ثمَّ كسره، وناوله تلاميذه وقال: "خُذوا فكلوا، هذا هو جسدي". ثمَّ أخذَ كأساً، وشكر، وناولهم إيّاها قائلاً: "اشربوا منها كلّكم، فهذا هو دمي، دم العهد الجديد، يُراقُ من أجل الكثيرين، لغفران الخطايا" (متى 26، 26-28).

لقد كانت صلاةُ البركة، مع تقاسُم الخبز والخمر، جزءاً من طقوس الوليمة الفصحية. غير أنَّ كليهما يتَّخذان هنا معنىً كليَّ الجدَّة: فهنا، بالتمام، تبدأ حياة الكنيسة. لا شكَّ في أنَّها لن تتكوَّن كجماعةٍ روحيّةٍ ومنظورة، إلاّ في يوم العنصرة؛ وإنَّما هنا، في العشاء السرّي، يتمُّ تطعيم الغُصن على الجذع، الذي يجعلُ فيضَ الروح ممكناً. وهكذا أصبحت صلواتُ البركة القديمة، على فم المسيح، كلماتٍ تُعطي الحياة؛ وتحوَّلت ثمارُ الأرض إلى جسده ودمه، تملأهما حياتُه. والخليقةُ المنظورة، التي اندمَجَ فيها بتجسُّده، أصبحتْ الآن مرتبطةً به، إرتباطاً جديداً وسريّاً. وتحوَّلتْ، جوهريّاً، الأغذيةُ الضرورية لنموِّ الجسم البشري؛ حتى إذا ما تناولها الناس بإيمان، يتحوّلون، هم أيضاً، ويدخلون جسد المسيح، بإتّحادٍ حيّ، تملأهم حياتهُ الإلهيّة. فقدرةُ "الكلمة" المحيية صارت مرتبطةً بالذبيحة. والكلمةُ صار بشراً لكي يعطيَ الحياة التي يملك؛ وقرَّبَ ذاته مع الخليقة المقتداة بقربانه ذبيحةَ حمدٍ للخالق. وهكذا، تحوَّل فصحُ العهد القديم إلى فصح العهد الجديد في عشاء الرَّبّ الأخير، وعلى الجلجلة بذبيحة الصليب، وبين القيامة والصعود بواسطة ولائم المحبّة، حيث كان التلاميذ يعرفون الرَّبَّ عند كسر الخبز، وبالمناولة في ذبيحة القداس.

فعندما أخذ الرَّبُّ الكأس شكر: لأنَّ صلوات البركة التي تسبقُ الوليمة، كانت، في الواقع، فعلَ شكر للخالق؛ ونحن نعرفُ أنَّ المسيح تعوَّدَ أن يشكرَ، قبل قيامه بأيِّ معجزة، رافعاً نظره إلى الآب. هو يشكر، لأنَّه يعلمُ مُسبقاً بأنَّه سيُستجابُ له، ومن أجل القوَّة الإلهيَّة التي يحملها في ذاته، والتي بها كشف للناس قدرةَ الخالق العظيمة. إنَّه يشكر من أجل عمل الفداء الذي يملك سلطةَ تحقيقه، وبواسطة هذا العمل الفدائي، الذي هو، في حدِّ ذاته، فعل تمجيدٍ للثالوث الأقدس، لأنَّه يُعيدُ إلى صورة الخالق المشوَّهة بهاءَ جمالها.

وبإستطاعتنا أن نعتبر تقدمة المسيح الدائمة على الصليب، وخلال القداس، وفي المجد الأبدي في السماء، بمثابةِ فعل شكرٍ عظيم واحد: الافخارستيّا. إنها فعل شكر على الخليقة، وعلى الفداء، وعلى تحقيقه النهائي.

إنَّه يقرِّب ذاته فديةً عن العالم المخلوق بأسره، وهو صورته الأولى؛ وقد سكن فيه، لكي يجدِّدَه من الداخل، ويقودَه إلى الكمال، ومع ذلك، إنَّه يدعو هذا العالم المخلوق نفسه إلى الإتّحاد به ورفْعِ الشكر الواجب للخالق. وقد كان لهذا المعنى الإفخارستي للصلاة صُوَرٌ معبِّرة، في العهد القديم: فتابوتُ العهد، وبعده، هيكلُ سليمان، الذي بُنِيَ وِفق تعليمات إلهيَّة، كلاهما كانا يُعتبران رمزين للخليقة كلِّها، متَّحدةً في تقديم واجب العبادة والسجود لربِّها. والخيمة، التي نصبَ إسرائيل خيامه حولها، إبَّان مسيرته في البريَّة، كانت تسمّى "خِباءَ محضر الله "( خروج 38، 21). كانت، بصفتها "المسكن الأرضي"، تقابل "المسكنَ العلوي".

أحببتُ، يا ربّ، جمال بيتك، ومقام سُكنى مجدك: هكذا يرنِّمُ صاحب المزامير (مز 26، 8)؛ لأنَّ خيمة العهد كانت رمزاً لخلق العالم. وحسب الروايات الكتابية، فالسماء بُسطت كالرداء، ولذلك، ورد الأمرُ يبسط السجاد على الخيمة، ليقومَ مقام جوانبها. وكما فُصِلَتْ مياه الأرض عن مياه السماوات، كذلك يَفصلُ الحجابُ قُدسَ الأقداس عن الفناء الخارجي. وكان بحرُ النحاس رمزاً للبحر الذي تحدُّه الشواطىء، والمنارةُ، ذات السبعة الشُّعَب، داخل الخيمة، كانت رمزاً لأنوار السماء. والغنمُ والطيور تمثِّل كثرة المخلوقات الحيَّة التي تملأ المياة والأرض والهواء. وكما وُهِبَتْ الأرض للإنسان، كذلك سُلِّم المَقْدِس لعظيم الكهنة، "الذي مُسحَ لخدمة الله". وبارك موسى المسكن، بعد إنجازه، ومَسحَه، وقدَّسه، كما كان الرَّبُّ قد باركَ عملَ يديه، وقدَّسه، في اليوم السابع، وكما تشهدُ لله السماءُ والأرض، كذلك، على الخيمة أن تكونَ خيمةَ شهادةٍ لله على الأرض (تثنية 30، 19).

لقد بنى المسيح، بدل هيكل سليمان، هيكلاً من حجارةٍ حيَّة، هو شركةُ القديسين. وهو يُقيمُ في وسطه، لكونه عظيمَ الكهنة الأبدي؛ وعلى المذبح، هو، نفسه، الذبيحة الدائمة. وهكذا تصبحُ ثمارُ الأرض، من جديد، قرابينَ سرّيَّة؛ وكذلك الزهور، والمنائر والشموع، والبساط والحجاب، والكاهن، والكاهن المكرّس، ومسحة بيت الله وتبريكه، بل كلّ الخليقة تدخلُ ضمن هذه "الليتورجيّا" في صلاة الفرض الإلهي المهيبة.

والكاروبون هنالك أيضاً حاضرون، وقد مثَّلهم الفنّانون، بأشكال محسوسة، ساهرين عن جانبَيْ القدوس؛ ويُحيط الرهبان بالمذبح، وكأنَّهم الرموز الحيَّة لهؤلاء، يهتمّون بمواصلة تسبيح الله على الأرض، كما في السماء.

وبما أنَّ الكنيسة قد جعلتْ منهم أبواقاً لها، فهم يتْلون الصلوات الإحتفالية، مُتحلِّقين حول الذبيحة المقدَّسة، متشابكين، يقدِّسون العمل اليومي كلّه، بحيث يَنتجُ، عن صلاتهم وشغلهم، "عملٌ واحد لله"، “un seul Opus Dei”، وإحتفالٌ طقسيٌّ واحد. وتتحوَّل القراءات المأخوذة من الكتاب المقدَّس، والآباء، والكتب الطقسية، ورسائل الأحبار الأعظمين العامة، إلى نشيدٍ عظيم، ومديح يزداد غنىً، يوماً بعد يوم، ويُشيدُ بعمل العناية الإلهيّة، وبمخطَّط الخلاص الأبديّ الذي يتوالى تحقيقه تدريجيّاً.

وتدعو أناشيدُ الصباح كلّ الخليقة، من جديد، لكي تتوحَّد في رفع التسبيح للرَّبّ: الجبال والتلال، والسواقي والأنهار، والبحار واليبس، وكلّ الساكنين فيها، والسحب والرياح، والشتاء والثلج، وكلّ شعوب الأرض، وكل طبقات البشر وأعراقهم، وأخيراً، كل سكان السماء، الملائكة والقديسين. لأنَّ هؤلاء جميعاً يشتركون في إفخارستيّا الخليقة العظمى؛ أو، بكلامٍ أفضل، إنَّنا، باحتفالنا الطقسي، نتَّحد بتسبيحهم الأبدي لله. وصيغة جمع المتكلِّم، هنا، لا تعني فقط الرهبان الذين تقوم دعوتهم على رفع التسبيح المعظّم لله، بل كلّ الشعب المسيحي؛ فعندما يتوافد المؤمنون إلى الكنائس الديريَّة، أو إلى الكاتدرائيات، في الأعياد الكبرى، ويُشاركون، بهمَّةٍ وسرور، في الأشكال المتجدِّدة للحياة الطقسية، يَشهدون بذلك أنَّ دعوتَهم هي رفع المديح لله.

إنَّ الوحدة الليتورجيّة بين كنيسة الأرض وكنيسة السماء، اللَّتينِ ترفعان كلتاهما الشكرَ لله "بيسوع المسيح"، تجدُ أقوى تعبيرٍ لها في مقدّمة نافور القداس، وفي نشيد "قدوس". فالليتورجيّا لا تتركُ لنا مجالاً للشكِّ في أنَّنا لم تُصبحْ بعدُ مواطني أورشليم السماوية، وإنَّما مجرَّد حجّاج، يجدُّون السير إلى موطنهم الأبدي. فما زال علينا أن نتهيّأ، قبل أن نجرؤَ على رفع أنظارنا نحو قِمَّات الضياء، وعلى ضمّ أصواتنا إلى نشيد الأجواق السماوية، "قدوس، قدوس، قدوس".

وكلًُّ خليقةٍ مكرَّسةٍ للخدمة المقدَّسة، وَجَبَ عزلُها عن الإستعمال الدنيوي، ثمَّ تبريكها فتقديسها. فعلى الكاهن، قبل الصعود إلى المذبح، أن يتطهَّر، والمؤمنون معه، بالإقرار بخطاياهم. كما أنَّه، خلال الذبيحة المقدَّسة، يُجدّد طلب الغفران لنفسه، ولكلّ الحاضرين، ولجميع الذين سيقتبلون ثمارَ الذبيحة. والذبيحةُ هي ذبيحةُ تكفير: إذ إنَّها تُحوّل المؤمنينن بواسطة القرابين، وتفتحُ لهم بابَ السماء، وتؤهّلُهم لتقديم فعلِ شكرٍ مَرضيّ لله.

وكلُّ ما نحتاجُ إليه لنُقبَلَ في شركة النفوس الطوباوية، تحويه الطلبات السَّبع في صلاة الأبانا التي لم يتلُها الرَّبُّ بإسمه الشخصي بل لقَّننا إيَّاها. ونحن نتلوها، بدورنا، قبل المناولة المقدَّسة. فإذا ما صلَّيْناها بصدقٍ، ومن صميم قلوبنا، وإذا ما تناولنا جسد المسيح، بنيّةٍ مستقيمةٍ، يهبُ لنا الرَّبُّ إستجابةَ كلّ طلباتنا: يُنجّينا من الشرير، بتنقيتنا من الخطيئة، وبإحلال السلام في قلوبنا، سلام القلب، الذي يكسرُ شوكة سائر الشرور؛ ويُفيض علينا غفران خطايانا، ويقوّينا في مواجهة التجارب. وإنَّ خبز الحياة، الذي نحتاج إليه كلَّ يوم، لنتجذَّرَ في الحياة الأبديَّة، وننموَ فيها، يجعلُ من إرادتنا أداة طيّعة لإرادته الإلهية. وبذلك، يبني فينا ملكوتَ الله، ويخلقُ فينا قلباً نقيّاً، ويفتحُ شفاهنا، للإشادة بمجد اسمه القدوس.

ومن جديد، يتَّضِح لنا كيف أنَّ الذبيحةَ، والوليمةَ المقدّسة، والتسبيحَ لله هي مرتبطةٌ، فيما بينها، ارتباطاً جوهرياً، فالمشاركة في الذبيحة والوليمة تحوّلُ النفسَ إلى حجرٍ حيٍّ، في مدينة الله؛ وكلُّ نفسٍ من تلك النفوس تصبحُ هيكلاً لله.

ثانياً- صلاة الكنيسة حوار منفرد مع الله

كلُّ نفسٍ هي هيكلٌ لله. يا لها من رؤيا جديدة وعظيمة!

وإن عَيْشَ يسوع للصلاة هو المفتاح الذي يُدخلنا إلى صلاة الكنيسة. فقد شارك المسيحُ شعبَه، كما رأينا، في أداء فريضة العبادة الجماعية، التي تُسمَّى عادةً "الليتورجيّا". وقد وَحَّدَ، بأوثق الطرق، بين هذه العبادة وبين هِبة ذاته كقربان، مُضْفياً عليها، بذلك، ملءَ معناها الحق، كفعل شكرٍ للخالق، ومُحوّلاً بذلك أيضاً، ليتورجيَّا العهد القديم إلى ليتورجيّا العهد الجديد.

غيرَ أنَّ يسوع لم يكتفِ بالمشاركة في فريضة العبادة الرسم&#