لمحة عن تاريخ الرهبنة الكرملية

الأب ألبير أبونا

ان الرهبنة الكرملية هي الوحيدة بين سائر الرهبنات التي اختارت مؤسسها الذي سبقها بقرون طويلة. فهي تنتسب الى النبي ايليا الذي يذكره الكتاب المقدس في عهد الملك آحاب في القرن التاسع قبل الميلاد. الا ان هذا الانتساب ليس الا روحيا، اذ اختارت الرهبنة الكرملية ايليا كنموذج لحياتها وشاءت ان تواصل رسالته البعيدة وروحه الرامية الى ايقاظ سلالات النفوس تشعر مثله بسمو الله ومطلقه.

وفي بادىء الامر نظر الكرمليون الى اييا مثل "ناسك" وحاولوا الاقتداء به. فقد دعاه الله نفسه الى حياة العزلة والصمت والعفاف. وذلك للعكوف على صلاة متواصلة. وقاده الى البرية لهذا الغرض: طامض من هنا وتوجه شرقا وتوار عند نهر كريت الذي تجاه الاردن. فتشرب من النهر، وقد امرت الغربان ان تقوتك هناك" (3 ملوك 17 :3-4). وإذا كانت البرية موضع النضال مع الشيطان، فهي ايضا موضع اللقاء مع الله: "آتي بها الى البرية وأخاطب قلبها" (هوشع 2: 14). فيستطيع الناسك، بعد بالتخلي عن العالم ومباهجه، ان يمكث في البرية في حضور الله الحي، وان يتدرج في الفته ويتقدم في سبل التطلّع اليه والاتحاد به. وكانت الحياة الرهبانية مدة طويلة تعني الحياة النسكية التوحدية، وكان التعمق في القيم الاساسية، كالسمو الالهي والحياة المكرسة لله. مرتبطاً ارتباطاً وثيقا بالحياة النسكية. وهذه صيغة حياة يقدم ايليا اول مثال لها في الكتاب المقدس. فحياة اييا تختلف عن حياة ابراهيم وموسى. فقد كانت رسالته الاساسية السجود للإله الحي الحقيقي والوقوف أمامه دوما: "حي الرب الذي انا واقف امامه" (3 ملوك 18:15). الوقوف امام الله حقيقة حيوية وجودية، لأنها تشغل قوى الانسان كلها، وليس مثة صيغة للوجود او ظرف في الحياة يمكنه منعها من التحقيق. ويقتضي هذا الحضور "روح" الصمت والعزلة والتجرد و "العدم". وحينما اعتبر القديس يوحنا الصليبي هذه الحقائق الروحية كمكوّنات حقة للبرية. فهو بذلك لم يخن الروح الايلياوي، بل أظهر ابعاده الحقيقية.

وهناك ناحية اخرى من حياة ايليا استوقفت ابناءَه الروحيين. وهي انه "نبي". فما يجلب الانتباه عند ايليا ليست صيغة وجوده. بل هو الدور الذي دعي الى القيام به في تصميم الله. فان الأنبياء هم أولئك الرجال الذين كلفهم لله بدعوتة خاصة كي ينقلوا الى العالم رسالة الخلاص. فالنبي هو "رجل الله" و "رجل العهد" و "رجل الزمان" و "رجل الابدية". وهو ينظر الى ما "هو" على ضوء ما "سيكون". ويحاول توجيه الاول الى الثاني بكلمته وحياته. تارة بشدة وصرامة. وطورا بوداعة ولين. وهو بذلك يذكّر الناس بسمو الله الحي وقدرته اللامتناهية وأمانته وحنانه وبمقتضيات العهد وبمواعيد الله الصادقة، وكذلك ينذر بالحكم والعدل والقضاء المبرم اولئك الذين ينحرفون عن شريعة الله، شريعة المحبة والرحمة.

ولنبوية ايليا طابع أعمق يقود الى عتبات الانجيل نفسه. فإن عمل ايليا لا يقتصر على الدفاع عن الايمان بالاله الاوحد حسب، بل يدعونا الى ان نكتشف في رسالته بعض قسمات تشير الى المسيح نفسه. وهذا ما نلاحظه في المواقف التي يدافع فيها ايليا عن حقوق الصغار والفقراء والمظلومين (طالع 3 ملوك 17).

وهذا التشبه المسبق بالمسيح، يظهر تاريخ ايليا بصورة اجلى في شخيصه بالذات، وكأنه بهذا يواصل حياة موسى وداود في ما يشيران به الى حياة المسيح الرئيس والراعي والملك والمخلص...، فإن ايليا ايضا أصبح عرضة للإضطهاد والتشريد، وهو يتقدم وحيدا في البرية،  رازحاً تحت و طأة الحزن والألم، فيدعو الموت ويرقد بانتظاره: "حسبي الآن يا رب، فخذ نفسي فإني لست خيرا من آبائي" (3 ملوك 19: 4)، ثم يقوم، بعد ان اقاته الملاك وشجع، فيسير دون تعب "اربعين يوماً وأربعين ليلة، الى جبل الله حوريب" (3 ملوك 19: 8). بذلك يقدم لنا ايليا صورة سرية للمسيح المتألم والمخذول، مسيح الجسمانية، الرجل الذي ثقلت عليه وطأة شر البشر اخوته، ولكن يد الله أسندته وأقامته لكي يتم على يده الخلاص للجميع...

وفي مشهد ارتفاع ايليا في العاصفة الى السماء، على مرأى من تلميذه اليشاع، يحوز لنا ان نرى اشارة مسبقة الى صعود المسيح بعد قيامته، وان نتذكر سر العنصرة والكنيسة حينما نلاحظ ان ايليّا يؤكد لتلميذه بأنه يترك له من روحه (4 ملوك 2)، وسيكون هذا الروح مع أخوته من بعده لكي يقودهم طيلة رسالتهم الارضية...فإن هذه المشاهد تقدم لنا ايليا كشخصية نبوية حسب، بل كشخصية رسولية وارسالية ايضا.

والطابع النبوي عند ايليا يتضمن بعداً آخر هو البعد "الآخري". ويشهد لنا الانجيل بذلك. اذ يظهره مع موسى حاضرا على جبل طابور بجانب المسيح المتجلي، بينما يظهره لنا سفر الرؤيا مثل "الشاهد" الذي سيأتي عند انتهاء الازمنة ويصارع الدجال، ثم يختم دعوته ورسالته بالاستشهاد.

وهكذا فإن ايليا يظهر حائما فوق الازمنة: فهو حاضر بحياته للذين سبقوا المسيح اذ يعلنه لهم، وللذين في عهد المسيح إذ يشهد له، وللذين هم في الكنيسة في الآخرة اذ يترك معهم في المعارك المصيرية. وهذه النبوءة الكاملة التي تمتد أبعادها على مدى أبعاد التصميم الالهي تدعو جميع ابناء ايليا الى التسامي والى نبذ كل تحديد وانطواء، وإلى الاتفاع الى الصعيد السامي والباقي ابداً، الى صعيد مصالح الله ومسيحه الفادي.

وهناك ناحية أخرى هامة في قضية ايليا. فهو يظهر – مع ابراهيم ويوحنا المعمدان – الشخص الكتابي الذي جمع حوله اليهود والمسيحيين والمسلمين. وقد تكون هذه علامة تشير الى ان الرهبنة التي ولدت في الشرق والت يتنتسب روحيا الى هذا النبي العظيم، عليها ان تواصل مهمته " المسكونية" بروح نبوية تسمو فوق جميع الاعتبارات البشرية الضيقة...

نشأة الرهبنة الكرملية

أخذت الرهبنة الكرملية اسمها من جبل الكرمل المشرف على البحر الأبيض المتوسط بالقرب من مدينة حيفا في فلسطين المحتلة الآن. فهناك كانت نشأة هذه الرهبانية، وهناك عاش النبي ايليا شطراً من حياته وقدم ذبيحته لله. ويروي التقليد انه كان ينعزل هناك في مغارة تقع بالقرب من العين التي ما زالت تحمل اسم النبي. وتشير كتابات قديمة المى ان البيزنطيين كانوا يقصدون هذا الموضع لتأدية الاكرام للنبي. وما زال الناس من جميع الديانات يفعلون ذلك حتى اليوم.

كان الكرمليون في البدء نساكاً ينهجون طريقة النسك القديمة في الشرق، ولم يكونوا رهباناً بكل معنى الكلمة. فلم يكن لهم فرض ليتورجي مشترك ولا هم يعيشون في أديرة حياة مشتركة، بل كانوا علمانيين زهدوا في الدنيا وشرعوا يعيشون في مغاور او اكواخ متجاورة في سفح هذا الجبل، يجمعهم رابط روحي ورغبة مشتركة في الاقتداء بالنبي ايليا، لا سيما بحضره الدائم امام الله وبغيرته العارمة على مجد الله وعظمته. فكانوا عاكفين على التأمل في الكتاب المقدس نهاراً وليلاً في صلاة ساهرة، وكانت الحرية تترك لكل منهم لكي يعيش هذه المثل العليا تحت تأثير الروح القدس.

وكان لهؤلاء النساك وعي عميق بالطابع النبوي لدعوتهم، يولون الناحية التصوفية اهتماما كبيرا.

اما متى اجتمع بعض النساك في ذلك الموضع وشرعوا يقتدون بإيليا، فإننا لا نعلم ذلك بنوع اكيد. ويبدو من الوثائق القديمة ان النساك الكرمليين الاولين كانوا حجاجا من الغرب اقبلوا الى الأماكن المقدسة، ثم فضلوا البقاء فيها للعكوف على حياة النسك والزهد. وغيرهم يرى انهم من بقايا المحاربين الذين نبذوا العالم وطموحاته وحروبه لكي يكرسوا حياتهم لله في العزلة على جبل الكرمل.

وكتب راهب بيزنطي يدعى فوكاس، لدى زيارته للأماكن المقدسة في نحو سنة 1177، يصف هؤلاء الغربيين العائشين كنساك على جبل الكرمل، مشيراً الى أحداث تسبق ذلك الزمان بمدة وجيزة، قال:

"في نهاية المنحدر المشرف على البحر، نشاهد مغارة النبي ايليا. وقد عاش فيها هذا الرجل العجيب حياة ملاكية قبل اختطافه الى السماء. وكان سابقا في هذا الموضع بناية كبيرة ما زالت اطلالها بادية...ومنذ عهد قريب، أقبل كاهن راهب يجلّل الشيب رأسه قادما من "كالابر"، وجعل سكناه في انقاض هذا الدير، على أثر رؤيا ظهر له النبي ايليا فيها. فأقام فيه جدارا صغيرا وبرجا ومصلى، وجمع حوله نحو عشرة أخوة، وهو ما يزال يسكن هناك حتى اليوم".

ونعتقد ان الشيخ يشير اليه يوحنا فوكاس هو القديس برتولد دي ماليفي الفرنسي، وهو سلف القديس بروكارد الذي يعتبر مؤسساً للرهبنة الكرملية، كما سنرى ذلك.

ويقول بنيامين من طليطلة الاسبانية، لدى زيارته للأماكن المقدسة في سنة 1160، ان اثنين من "بني آدوم" اقاما بالقرب من مغارة ايليا معبدا لاكرام النبي. وهناك اشارات الى نشأة الكرمليين وردت في التاريخ الذي كتبه يعقوب دي فيتري مطران عكا في سنة 1220 مستعرضا فيه الاحداث التي سبقت عهده والاديرة التي أقيمت في تلك البلدان. انه يقول في سياق حديثه:

"...وكان هناك آخرون، يقتدون بهذا الرجل القديس والناسك، النبي ايليا، يعيشون في عزلة على جبل الكرمل، وخصوصا في هذا الجزء من الجبل المشرف على مدينة حيفا، بالقرب من عين ايليا، غير بعيد عن دير الطوباوية مرغريثة، ساكنين صوامع صغيرة في الصخور..."

ويؤيد هذا القول اناس آخرون من هذا العهد ويقولون:

"على بعد من دير القديسة مرغريثة، وعلى سفح هذا الجبل عينه، في موقع جميل ولطيف، يسكن النساك اللاتين المدعوون اخوة الكرمل. وقد شيدوا هناك كنيسة صغيرة وجميلة جدا اكراما لسيدتنا (مريم)...".

الحياة الجماعية

في مطلع القرن الثالث عشر، حينما ازداد عدد هؤلاء النساك في جبل الكرمل، فكروا في تنظيم حياتهم الرهبانية والائها طابعا رسميا ثابتا. وكان القديس بروكارد الرئيس الروحي لهم. فقر رأيهم على أن يطلبوا من السلطة الكنسية الاعتراف بوجودهم وإعطائهم قانونا اساسيا. فوجهوا طلبهم الى القديس البرتس بطريرك اورشليم الذي كان مقره آنذاك في مدينة عكا. فسنّ لهم هذا سنة 1209 قانوناً موجزاً يتضمن ستة عشر بندا، وهو مجموعة من العادات الرهبانية التي تخص بالظروف الاساسية للحياة النسكية، وذكّرهم في مقدمة هذا القانون بأن كل حياة رهبانية هي قبل كل شيء خدمة الرب والطاعة ليسوع المسيح والاقتداء به بأمانة وبقلب طاهر وضمير خالص. وفي سنة 1222، ثبت البابا هونوريوس الثالث هذا القانون بسلطته العليا. ولكن سرعان ما دفعت الظروف العسرة الكثيرين من هؤلاء الكرمليين الى التوجه نحو الغرب. فشرعوا يغادرون الكرمل منذ سنة 1235، الى قبرص اولا، ثم توجهت فئة أخرى الى صقليا وغيرها الى القرب من مدينة مارسيليا الفرنسية. وفي سنة 1241 توجه يعدد منهم الى انكلترة. وقد أعجب ملك فرنسا، القديس لويس التاسع، لدى زيارته لجبل الكرمل سنة 1254، بحياة هؤلاء الرهبان وبروحانيتهم، فاصطحب ستة منهم فنسيين الى باريس حيث أعطاهم موضعاً لإقامة ديرهم فيه. وكانت اديرة كرملية عديدة قد أنشئت في نواحي مختلفة من بلاد فلطين ولبنان، الا ان الظروف اضطرتهم الى اخلاء معظمها.

في الغرب

أحدث ظهور الرهبنات المتسولة في القرن الثالث عشر ثورة في المجتمع الكتنسي الغربي. وقد اعتبرهم البعض خطرا على الكنيسة وعالة على المجتمع.وفي هذه الاثناء لم يكن ظهور الكرمليين في الغرب الا ليزيد الطين بلة. وكان على الكرمليين ان يجدوا لهم مكانا ودور في كنيسة عصرهم، وان يتبنوا صيغة من الحياة الرهبانية الموجودة . فاما ان ينتموا الى فئة النساك امثال الكرتوزيين او الكالدوليين، واما الى فئة الرهبان المتسولين امثال الدومنيكيين والفرنسيسكانيين. وقد رأوا ان المتسولين يتجاوبون اكثر مع متطلبات الكنيسة في ذلك العصر. فكان يجب ان يعكف الكرمليون ايضا على الرسالة لكي ينقلوا الى الناس ثمار تأملهم وتطلعهم. ومن جهة أخرى، كانت سكنى الكرمليين على شكل جماعات متباعدة ومنعزلة تشكل خطرا يهدد وحده الرهبانية.

ولم يكن للكرملي، مثل الدومنيكي، دعوة خاصة للكرازة بالإنجيل والعكوف على الرسالة. ولكن بما ان التطلع كان العنصر الاساسي في حياته، فكان ينتج عن ذلك ان مقاسمة ثمار هذا التطلع كان العنصر الاساسي في حياته. فكان ينتج عن ذلك ان مقاسمة ثمار هذا التطلع كانت غاية ثانية في حياته لا تنفصل عن الاولى. انه مفهوم جديد للحياة الرسولية وتطور لم يحلم به التنظيم الرهباني القديم، الا في حالات خاصة. الا ان الروح الجديدة التي عبر عنها القديس توما اللاهوتي، نظرت الى الرسالة بالكرازة كغاية طبيعية للتطلع الصحيح.

فرأى الكرملون اذن ان الوسيلة الوحيدة لتوطيد اقدامهم في الغرب ونيل صفة الشرعية هي ان يختاروا الانتساب الى فئة المتسولين. وينسبون الى القديس سيمون ستوك الانكليزي، الذي تولى الرئاسة العامة على الكرمليين من سنة 1245 حتى سنة 1265، تحويل رهبانية الكرمل الى رهبانية متسولة ورسولية. وبما ان الكرمليين قد صاروا الآن في الغرب ضمن اطار جديد. فكان من الضروري ان يطرأ شيء من التغيير على قانونهم الاصلي. وقد دعا القديس سيمون ستوك راهبين دومنيكيين لمساعدته في هذه المهمة، وهما : هوغ دي سان شير وغيليوم دانتيرا. فاجريا على القانون القديم تغييرات طفيفة أدت إلى شيء من التطور في حياة الكرمل ومفاهيمه. وساعدت هذه التغييرات على اتخاذ اتجاه جديد للحياة الكرملية نحو الرسالة. بدون ان تغير شيئا من الواجب الاساسي الذي يقضى بأن يكون الكرمليون تطلعين قبل كل شيء. وقد أدخلت التغييرات في صلب القانون القديم واصبحت جزءا منه. وإلى هذا القانون الذي تمت صياغته في سنة 1247 بواسطة سيمون ستوك والراهبين الدومنيكيين عادت القديسة تريزة الكبيرة عند قيامها بإصلاح الاديرة الكرملية في القرن السادس عشر.

وكانت من ننتائج هذا القانون انه سمح للرهبان بالسكنى في المدن وشدد على الحياة الجماعية. فكانت ثمة أديرة منعزلة تواصل الحياة النسكية، وأخرى في المدن يعيش فيها الرهبان حياة جماعية مع العكوف على الرسالة. ولتهذيب الرهبان وتنشئة جيل مثقف من الكهنة والمرسلين، اضطرت الرهبانية الى انشاء معاهد للدراسة. وهكذا اصبح للكرمليين معاهد في أشهر المدن الجامعية آنذاك، مثل كمبردج (سنة 1249) واكسفورد (1253) وباريس (1259) وبولونيا (1260)، وبالإضافة الى ذلك، كان لكل اقليم رهباني معهده العام.

تيّار معاكس

حين أقبل نيقولا من جبل الكرمل الى الغرب سنة 1265 للإشتراك في المجمع العام للرهبنة الكرملية، تم انتخابه رئيسا عاماً للرهبانية خلفا للقديس سيمون ستوك. الا ان نيقولا كان من المتعصبين لحياة العزلة والنسك، فبدت له حالة الرهبنة غامضة بل داعية الى القلق الشديد. وحاول العودة بها الى الوراء وايقاف التيار الرامي الى الرسالة والسكنى في المدن والعكوف على تلقي الثقافة والعلم. ولما عجز عن معالجة هذا الموضوع، اعتزل منصبه وكتب سنة 1270 رسالة شديدة اللهجة اسماها "السهم الناري"، فيها ينحي باللائمة على جميع التغييرات التي أُجريت على القانون وعلى الذين مالوا بالرهبنة الى حياة الرسالة.

وأبدت الكنيسة رأيها سنة 1274 في المجمع اللاترانين وأقرت بأن الرهبنة الكرملية هي رهبنة يزدوج فيها هدفان: أي ان النشاط الرسولي فيها اساسي، ولكنه يجب ان يخضع للتأمل وينبع منه. لا شك ان الروح الرهبانية الاصيلة في تاريخ الكرمل يجب ان توفق بين العزلة والرسالة. وحينما يضطرب هذا الميزان، تزول الروح الرهبانية الاصيلة. فحينما تولى الرسالة اهمية كبرى، تضعف الروح القديمة وقد تتلاشى. وهذا لا يعني انه يجب التخلي عن الرسالة كليا والعكوف على حياة العزلة والنسك والتقشف. فالرسالة في حدودها المعقولة تظل ضمانة لصفاء المثل العليا الكرملية: الرسالة تشجع التطلع، والتطلع بدوره يكون مصدر رسالة متجردة...

تلطيف القانون

كان قانون الرهبنة الكرملية اشد صرامة من قوانين الرهبنات المتسولة الاخرى. الا ان تطورات وتحولات خطيرة جرات في اوروبا ف القرن الرابع عشر كان لها تأثير عميق على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والديني. فهناك كانت الحروب الدائرة منذ سنة 1337، وقد خلفت وراءها الدمار والشقاء والجوع. هناك "الطاعون الاسود" (1346 – 1353) الذي حصد نحو ثلث سكان اوروبا . وأثر في صحة الباقين ونفسياتهم ولم يترك سوى عدد ضئيل من الرهبان في الاديرة. وكانت الكنيسة نفسها تئن تحت وطأة الرئاسة المتعددة والخلافات الناتجة عن ذلك بين مختلف فئات المؤمنين. وقد رن صدى هذه الخلافات حتى في الرهبنة الكرملية نفسها التي سادت فيها الفوضى سنين طويلة ولم تخرج منها في الربع الاول من القرن الخامس عشر الا منهوكة القوى واهية العزيمة. وإزاء هذه الحالة اضطر المسؤولون في الرهبانية الى توجيه طلب الى البابا اوجينس الرابع يلتمسون منه ان يلطف القانون. فمنحهم ذلك في 15 شباط سنة 1432. وقد رفضت فئة من الرهبان هذا التلطيف وانعزلت عن الرهبانية شيئا فشيئا بينما اساغه معظم الرهبان، لا سيما في اسبانيا. وأهم الحركات الإنعزالية المدعية بالاصلاح كانت حركة مانتو والبي.

وحينما أصبح الطوباوي يوحنا سورث رئيساً عاماً للرهبنة سنة 1451، حاول اجراء بعض اصلاحات فيها واعادتها الى صفائها الاول. وهو اذا لم يفلح في ذلك الافلاح، فغنه يعتبر من الرجال العظام الذين فتحوا بابا واسعا للطراز الجديد في الرهبانية. فهو الذي اسس الرهبنة الثالثة، ونال السماح بذلك في 7 تشرين الاول سنة 1452 نمن البابا نيقولاس الخامس. اما الرهبنة الثانية فهي رهبنة الكرمليات العائشات في حصن الدير والخاضعات لقانون صارم. واما الرهبنة الثالثة فهي للعلمانيين والعلمانيات الذين يريدون اتباع حياة رهبانية في وسط العالم. وسرعان ما انتشرت اديرة الكرمليات في بلجيكا ثم في فرنسا وفي سائر انحاء اوروبا، على شكل جمعيات مستقلة ليس لها رئيسة عامة بل تخضع كل جمعية لرئيستها الخاصة المنتخبة من قبل الجمعية. ولكنهن يخضعن لرئيس الكرمليين العام ولاشراف الرئيس الإقليمي.

الاصلاح

ان الاصلاح الكبير لرهبانية الكرمل جرى بعد قرن على يد القديسة تريزة الكبيرة الافيلية (1515- 1582). وقد شرعت بهذا الاصلاح في 24 آب سنة 1562 للكرمليات في دير القديس يوسف في مدينة افيلا الاسبانية. ولقيت مساعدة فعالة من القديس يوحنا الصليبي (1542-1591) الذي ابتدأ مع اثنين من اخوته الرهبان حياة الكرمليين الحفاة في دير صغير في دورويلو في الأحد الاول من المجيء لسنة 1568. ومنذئذ غدا الكرمل فرعين: (1) الرمليون التابعون للنظام القديم اي الكرمليون الملطّفون. (2) الكرمليون الحفاة اي الذي تبعوا اصلاح تريزة الكبيرة ويوحنا الصليبي. وعن الاصلاح الذي قامت به تريزة الكبيرة يمكننا اعادة ما قاله احد الكتاب المعاصرين (فروسار – ملح الارض ص 107): "إن الكرمل مصباح شرقي تضيء فيه لهبة اسبانية"، لأن هناك استمرارا حيويا بين الأصو الشرقية – ويمكننا القول الكتابية- وبين الحيوية الحالية للرهبنة الكرملية. وان الروحانية تعليم حياة وتقليد حي للكنيسة لا يتسنى للمرء استيعابه من الخارج، بل يفهمه بمقدار ما يعشه حقا.

وقد نال هذا الاصلاح في البداية التأييد التام من قبل رئيس الكرمليين العام، الأب روبيو، الذي حدد مبدأ الاصلاح بقوله : "ان المثل الأعلى لسكان جبل الكرمل – والذي على جميع الكرمليين ان يقروه ويتبعوه – هو هذا : ان يخصصوا كل الجهود الممكنة، نهاراً وليلا، لكي يتحدوا بالنفس والفكر بالله الآب، بالتأمل والتطلع وبمحبة غير منقطعة، وذلك ليس بنوع اعتيادي حيب، بل بنوع متواصل ايضا". ولم تهدف القديسة تريزة الكبيرة الى غي هذا. فهي تقول: "هكذا نحن جميعنا اللواتي نحمل هذا الثوب الكرملي المقدس، نحن مدعوات الى التأمل والتطلع: هذا هو هدف مؤسستنا الاول. فإننا من سلالة اولئك الآباء القديسين في جبل الكرمل الذين، في عزلتهم التامة، وفي احتقارهم العميق للعالم، كانوا يبحثون عن الكنز والدرة اليتيمة التي نتكلم عنها "الصرح الداخلي 5، 1). ومع ذلك فإن هذه المصلحة الكبيرة كانت ترى ان لصلوات الكرمليات الحافيات غاية رسولية في خلاص النفوس، ونشأة الكهنة العاملين على خلاص النفوس. وهكذا نجد ان الاصلاح كان يهدف الى العودة الى الروح الأولى، اي الى طابع الاختلاء والعزلة، وفي الوقت نفسه يرمي الى تجديد الروح الرسولية في نفوس الرهبان والراهبات.

لدى وفاة القديسة تريزة الكبيرة، كانت حركة الاصلاح قد امتدت وشملت 16 ديراً للكرمليات و17 ديراً للكرمليين الحفاة. وانفصل الحفاة عن اخوتهم الكرمليين الملطفين سنة 1593، وأخذوا ينتشرون في أرجاء اسبانيا اولا ثم امتدوا الى خارجها شيئاً فشيئاً. ولم يمر عليهم قرن واحد حتى شكلوا نحو عشرين مقاطعة رهبانية وبلغ عددهم نحو 8000 راهب.

ولكن الكرمليين الحفاة أنفسهم، بعد موت تريزة الكبيرة واستقلالهم عن الملطفين انقسموا الى تيارين معاكسين. فكانت فئة يرئسها نيقولا دوريا تدعو الى العزلة والى الحياة الصارمة. ولطالما كانت المصلحة الكبية على قيد الحياة، استطاعت ايقاف هذا التيار في حدوده المعقولة. ولكن نيقولا دوريا استولى بعد موتها على زمام الامور وأبعد المناوئين الداعين الى العمل الرسولي، وعلى رأسهم جيروم غراسيان الذي كان يمث الفئة الثانية. وكان جيروم غراسيان قد ارسل خمسة كرمليين الى الحبشة سنة 1582، ولكن المركب غرق وبادوا جميعهم. وفي مجمع "المودوفار" الذي عقد سنة 1583، جرى صراع اليم بين ملنساك والرسل: بين انصار غراسيان وانصار دوريا، ولكن الاغلبية ايدوا الرسالات البعيدة. فأرسل غراسيان خمسة كرمليين الى الكونغو. ولكنهم اخفقوا في الوصول اليها اذ سلبهم القراصنة وفقدت آثارهم. فذهب ثلاثة آخرون في أثرهم سنة 1584 ووصلوا الى الموضع المقصود وأجروا فيه خيرا كبيرا...اما القديس يوحنا الصليبي الذي كان ما يزال حيا فكان بين الفئتين وفوق جميع الحزازات والمشاحنات. وقد جسد حقا الروح النبوية الحقيقية في الكرمل. ومع ذلك فقد اصبح هو ايضا عرضة لاضطهاد دوريا وانهى حياته سنة 1591 مرذولا ومنبوذا...

انتشار الكرمليين الحفاة

كانت الحيوية المتدفقة من الاصلاح التريزي أقوى من ان تبقى محصورة ضمن حدود اسبانيا بالرغم من التيار المناوىء بزعامة نيقولا دوريا. وكان بعض الكرمليين المصلحين يعيشون في جنوى وفي روما. وهذا ما حدا بالبابا اقليميس الثامن في 20 شباط سنة 1597 الى انشاء رهبنة الكرمليين الحفاة في ايطاليا ايضا شرعيا. وأقيم رئيسا عليها الأب بطرس لأم الله الذي كان قد انضم الى الرهبنة سنة 1582 في باسترانا الاسبانية. وأعطاهم البابا مصلى مكرسا للعذراء (سكالا) وفتحوا دارا للإبتداء في الدير الملاصق لهذا المعبد. وفي هذا الدير توشح بالثوب الرهباني الاخ دنييس لأم الله الفرنس الجنسية، وذلك سنة 1600. وكان هذا هو الفنسي الاول الذي انضم الى الكرمليين الحفاة.

وقد حذا آخرون حذوه، ومنهم الاب برنارد للقديس يوسف الذي رافق الاب دنيس في العودة الى فرنسا وأعانه في ترسيخ الرهبانية فيها. وقد سبقتهما ست من الكرمليات الى فرنسا والى البلدان الفلا مندية برئاسة الام حنة ليسوع، وذلك منذ سنة 1604. وكان ذلك بتأثير من الكاردينال بيرول ومن مدام اكاري التي صارت كرملية بعدئذ هي وثلاث من بناتها واتخذت اسم ماري دي لانكارناسيون. اما الأبوان الفرنسيان اللذان عادا الى فرنسا فقد اسسا اول دير للحفاة في مدينة افينيون سنة 1608. وكانت هذه هي المرحلة الأولى من طريق انتنشارهم في فرنسا. وانضم اليهم آخرون هناك فانطلق الابوان دنيس وبرنارد الى مدينة ليون حيث استقبلهم الملطفون استقبالا اخويا. وفي تلك الأثناء وصلت ايضا الى ليون فرقة اخرى مكونة من ستة كرمليين حفاة قادمين من اسبانيا برئاسة توما ليسوع الذي كان شهيراً في الأوساط الاسبانية والايطالية. واجتاز الجميع الى باريس حيث شرع توما بالاعداد لتأسيس دير هناك. وتوما هذا هو الذي نشر مبدأ انشاء البراري المقدسة لاعتكاف الكرمليين على الاختلاء والصلاة والصمت مدة معينة لتجديد نشاطهم الروحي. وقد كثرت هذه البراري في شتى انحاء اوروبا بعدئذ. ولكن الأب توما ذهب الى بروكسل قبل انتهاء المعاملات في باريس، وترك الأمر بين يدي الابوين دنيس وبرنارد اللذين نالا هذا السماح في شهر ايار سنة 1611. ومنذئذ اخذ الكرمليون والكرمليات ينتشرون في مختلف انحاء فرنسا، حتى اصبح عدد اديرة الكرمليات في فرنسا خمسين ديراً سنة 1650، وعدد اديرة الكرمليين الحفاة نحو عشرين . ثم أخذوا ينتشرون في الأقطار الاخرى من اوروبا ويؤثرون تأثيراً قوياً على الناس بروحانيتهم العميقة، وكذلك اثروا على الجماعات الرهبانية الأخرى. وقد أخذت رهبنة ايطاليا على عاتقها الدخول الى النمسا ويوهيميا وحتى الى بولونيا حيث تأسست مقاطعة كرملية خاصة.

وفي هذه الحقبة ايضا انتشرت رسالات عديدة للكرمليين في الشرق. ففي 6 تموز 1604، توجه ثلاثة آباء ك&