لكَ ولدتُ
Thérèse de Jésus
Écrit par le Définitoire Général des Carmes Déchaux   

 

 

teresamaaysrah

 

" لكَ ولدتُ "

"أنا لكَ! لكَ ولدْتُ! فما عساكَ تودُّ أن يكونَ مصيري؟".  

إقتراحات، إعدادًا للإحتفال بمرور المئويّة الخامسة على ولادة القديسة تريز ليسوع (2015)

 

 

مدخل

 

1- القصيدة التي أعطى البيت الأول منها عنوانًا لهذه الوثيقة، قوامها استحضار حياةٍ تعتبر هبةً قدّمتها محبّة الربّ، وتقدمة ذاتٍ له. هذه الحياة هي حياة القديسة تريز ليسوع، أمّنا. وقد وفَّرت لها خبرتها الروحيّة أن تحيا الحقائق الملهمة حياة بمنتهى السموّ، على أنَّه مرتكزات شخصيّتها الخاصّة (ك :1،  8). فالكائن البشريّ الذي خلقه الربّ على صورتِه، مفتدىً "بالمسيح". والمسيح يدعو كلَّ شخصٍ، ويرتقبُ قدومَه إليه. ونحن، معه، مقودون إلى الخلاص. وحياة الكائن البشري، على صورةِ حياتها، تتحقَّق بالانقياد إلى مخطَّط الربّ. غير أنَّ الاختبار الروحيّ الذي قامت به أمُّنا، تريز ليسوع، في مضمار هذا الانقياد، لا يقتصر على حَدَثٍ شخصيّ قد لا يكون أثَّر إلاَّ بها، بل هو كذلك أرومة دعوتنا وجَورُها: "إنَّ نشأةَ عائلتنا في حشا الكرمل، ومفهوم دعوتنا الأعمق، مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بحياة القديسة تريز الروحيّة وهبتها اللّدنيّة، وخاصّة بالنّعم الصوفيّة التي، بفضل نبضها، ابتدعت مشروعَ تجديد الكرمل المصوّب كلّيًّا نحو التّضرّع، وتأمّل الحقائق الإلهيّة، بروحيّة مخلصةٍ للأنجيل، ولقانون الرّهبنة الأساسيّ" (ك. 1. 5).

 

2- في الواقع، نحن نعلم أنَّ "نمط حياتنا بتجلّى، قبل كلّ شيء، في مسارِ حياة قدّيسَينا (القديسة تريز والقديس يوحّنا للصليب)، ويجد شكله والتعبير عنه في آثارهما، وذلك بطريقة تحتّم على الهبات اللّدنية التي جعلتهما شهيرين، وعلى مثال الحياة الرّوحيّة الأعلى الذي يقترحانه، بما في ذلك ما يتعلّق بالاتّحادِ الأوثق مع الربّ وباختبار الحقائق الإلهيّة، ألاّ تعتبر كأنّها شخصيّة حصرًا، وإنّما كأنّها حقائق تعود إلى إرثِ رهبنتنا وإلى كمال دعوتها" (ق. أ. 13). لأجل ذلك، نصرّ اليوم، في هذا المؤتمر التّسعين، من العام 2009، على إعادة النظر في منابع هبتنا التريزيّة، باتجاه حركة العودة إلى هذه المنابع، حركةٌ تتجدَّد حاليًّا في الفكر، وفي تطبيق الأيمان المسيحيّ، حركة عملت الرّهبنةُ جاهدة على تطويرها نحو الأفضل كما ورد في الوثائق المجمعيّة الأخيرة، عبر اقتراح يوصي بقراءَة مؤلّفات تريز قراءَة منهجيّة، إفرادية وجماعيّة، إذًا، بعمل شيء يمكن أن يعينَنا على تجديد نظرتَنا إلى هوّيتنا، وإلى رسالتنا، ودورنا في الكنيسة، اليوم.

 

3- أضف إلى ذلك، أنَّنا، إن حرّضنا على هذه القراءَة، نحرّض ضمن إطار إعداد المئويّة الخامسة التي ستنقضي على مولد القديسة تريز ليسوع عام (2015)، علَّ الاحتكاكُ المباشر بآثار هذا القديسة، وقراءَة نصوصها قراءة معمّقة، يتيحان لنا الانضمام إلى المغامرة الإنسانية، الرّوحية، التي اقترحتها، وغامرت فيها. وما تبغيه، هو بعثُ روحُها فينا، وإرتواؤنا بالحكمة المبثوثة في كتاباتها. ومن أجلِ ذلك، نقارب مبتغانا مقاربة مقاربة إصغاء كأصغاء التلامذة، وكأصغاء البنين والبنات، لتزيود حياتنا بدفعٍ جديد، ينسجم مع هباتنا التريزيّة، ويعيننا على خدمة الكنيسة وخدمة المجتمع البشريّ. فنحن نبحث، في أقوال أمِّنا، عن ينبوع رجاء لخبرتنا الإنسانية، المسيحيّة، والكرمليّة.

 

4-  إنَّ دعوتنا المستوحاة من واجب سَبْرِ أغوار علامات الأزمنة التي ليست سوى علامات الربّ (ن. إ. 37)، تَرِدُ ضمن إطار تُجْدَسُ فيه دعوةٌ إلى الرّوحانيّة. وهذا الحدس يبرز اليوم، في العالم، بفضل الاهتمام المتجدّد الذي يعيره النّاس للصّوفيين والمتصوّفين. من هنا يتأتّى تطلّب روحانيّةٍ ديناميّةٍ، عميقةٍ، متجذّرةٍ في الإنجيل، مشرّعةٍ على الأبعاد الصّوفيّة، قادرةٍ على مجابهة مخاطر الظروف الحاليّة وعدم استقرارها. ألا ترى علامة "أزمنة" في هذا الواقع، وهو أنَّنا، اليوم، اثتحاء العالم منحى العلمنة المتزايد في الاتّساع، نتبيّن تطلّباً ملحًّا، متفشّيًّا، للرّوحانيّة، يبرز، خاصّةٍ، وتحديدًا، من خلال تجدّد الحاجة إلى الصّلاة ؟ (إ. أ. ج.). هذا "التّطلّب الملحّ المتفشّي للرّوحانيّة"، في أوقاتنا المعاصرة، يبدو واضحًا أنّه على علاقة مع تراثنا الصوفيّ المسيحيّ الكبير، ويبدو، بشكلٍ أوضح، في شهادة صوفيي الكرمل: "فكيف لا نذكّر هنا بعقيدة القدّيس يوحنا للصليب، والقديسة تريز ليسوع، فنختارها من هذا الكمّ الرّائع من الشهادات ؟" ( إ. أ. ج. 33ب).

 

5-  إنَّ وثيقتنا هذه، هي ثمرة تداول آراء الكرملّيين الحفاة، أثناء انعقاد مجمع رؤسائهم العامّين التّسعين. وإن كانت هذه الوثيقة موجّهة، قبل أيّ سواهم، إلى الأخوةِ الكرمليين، فأنّها تهدف أيضًا إلى أن تكونَ دعوةً إلى الكرمليات الحافيات، وإلى الكرمليين العلمانيين. وعمليًّا، إنّها دعوة مفتوحة، إلى العائلة الكرملية جمعاء. وهي تطمح إلى الأسهام في إعادةِ أثياق عرى الوحدة بين الأخوة والأخوات. وهدفُها تجسيد غنى هبة القديسة تريز اللدنيّة والتعبير عنها في الكنيسة. ولا يسعنا أن ننسى أنَّ العائلة التي أنشأتها القديسة تريز هي عائلة منفحتحة، لم تتوقّف عن الاغتناء، على مرّ التاريخ، بما يحمله إليها أعضاء جدد، وجمعيات جديدة، ومؤسّسات جديدة. وإلى ذلك، لا يمكن أن يغربَ عن بالِنا دعوات الكرمل الفتيّة التي تعتبر مورد تجدّدٍ كرمليٍّ دائمٍ، تمامًا كما يعتبر الأولاد موردَ تجدّدٍ عائليٍّ.

 

نودُّ أن ندعو، بروحٍ أخويّة، وبنوع خاصً، شقيقاتنا الكرمليّات الحافيات، للقيام وإيّانا بهذا الحجّ الرّوحيّ، إلى حين الاحتفال بالمئويّة. وبالاتّحاد معهنَّ ومع أعضاء العائلة الكرملية كافّةً، نودُّ أن نحملَ معًا مشعلَ الهبة اللدنيّة التريزيّة، مركّزين انتباهَنا، تحديدًا، على دور صلاتنا في قلب الكنيسة، وعلى قدْر الهبة الرسوليّة التي نعدّها من ذواتنا.

 

 

 ter11

 

 القسم الأول 

جذور الهبة اللُّدنيّة التريزيّة: سياق حياة، ومفاتيح قراءَة. 

أولاً: إطار حياة القديسة تريز التاريخيّ، والاجتماعي، والثقافي، والدينيّ.

 

6-  زمن القديسة تريز الاجتماعي هو زمن الكاستيل، في القرن السادس عشر. إنّه زمن التباينات الكبرى. تسيطر عليه الطبقة العليا، وتكثر فيه التقاليد الأجتماعيّة، ألقابًا وبروتوكولات (ح. 37؛ 6.10). فلم يكن لتريز مفرّ من الوقوع تحت تأثير نظام الطبقات الأجتماعيّة في عصرها، فجاءَت ردّة فعلها: أن لجأت، في سيرة حياتِها، إلى انتقاد القيم المزيّفة الثلاثة في هذه البيئة: علادة مراتب الشرف، والتّكالب على جمع المال، والانغماس في الملذّات (ح. 20، 25-28). لقد ولدت القدّيسة تريز، ونشأت، في زمن التوسّع الامبرياليّ، في عهد شارل كانت (1516- 1566). ونمّت نشاطَها وشخصيّتها طوال ملك فيليب الثاني (1556 – 1598). وفي هذا الزمن بالغت الكاستيل في الانفتاح على الآفاق الأوروبيّة، آفاق إيطاليا وفرنسا، والفلاندر، بدل البقاء منطقةً منغلقةً على ذاتها.

 

7-  من ناحيةٍ أخرى، نرى أنّ تريز تحمل في قلبها همّ مشاكل أوروبا، الغارقة في حروبٍ متواصلة بسبب الانشقاق الدّينيّ، والخاضعة دائمًا لتهديد الإمبراطورية التّركيّة. وإلى ذلك، نراها قلقةً على أفريقيا. لكنّها تظهر، بنوع خاصّ، حساسيّة اشتثنائيّة تجاه المشهد الأميركي الشاسع، وقضاياه الشائكة. وتريز لم تكد تبلغ السابعة عشرة من العمر، عندما شاهدت هجرة إخوتها (مواطنيها) تنتظم نحو أميركا (الهند، حسب قاموسها). ومنذ ذلك الحين، لم تعد البتّة تكفّ عن تحويل أنظارها صوب القارّة الأميركيّة. وخلال عقود حياتها الأخيرة، باتت قضايا الهند جزءًا لا يتجزّأ من مشهدها الدّاخلي، وقل من عالمها الروحيّ، وتحوّلت إلى عاملٍ حاسمٍ في تطوّرِ عملها كمؤسِّسةٍ لدى "الأخوة"، وتنميته. وفي صدد الكلام على تريز، وعلى موقفها من شؤون الهند، غالبًا ما تكرَّر القول في اهتمامِها بالمال الذي كان يأتيها من هناك. بينما هي، طالما عاشت القضيّة الأميركيّة وعايشتها، على مستوىً أعمق بكثير، أحدث في نفسها تطوّرًا جذريًّا تجاه هذا الموضوع. فلقد أصرّت دومًا على أن تستقي المعلومات عنه من مصادرها. والكلّ يعلم أنَّ الصّدمة القاضية تلقّتها في كرمل القديس يوسف، في "آڤيلا"، عام 1565، أثناء مرور المرسل الفرنسيسكانيّ  Alonso de Maldonada، تلميذ الأب Las Casas ومنافسه، وبمعنى أوضح، مناهض أساليب الغزاة ومؤيّد المرسلين. فحين نستمع إلى تريز نلمس كم هي متأثرة في أعماقِها، لشدّة ما كانت حساسيّة زمنها متحكّمة بمشاعرها. لذلك لم يعد بإمكانها القيام بشيءٍ آخر، غير اللّجوء، منفردةً، إلى صومعةٍ في الحديقة، حيث راحت تصرخ ضارعةً إلى الربِّ من أجل ملايين الأنفس الهائمة هنالك. وفجأة، فتح بوجهها أفق شاسع، كلّيّ الجدّة (م. 1.7؛ رسالة إلى Lorenzo de Cepeda 17 ك2 1570).

 

8-  في مجتمع القرن السادس عشر الاسباني، لم تنعم المرأة بدور رئيسيّ كبير. فهي لم تذق، يومًا، طعم سلطة القرار. والوصول إلى وسائل الثّقافة ظلَّ لديها صعبَ المنال. فما قُبِلَتْ في جامعةٍ، ولم تُفتح في وجهِها مراكزُ الدراسةِ أو التّرقّي الإنسانيّ، ولم يُسمحْ لها بلمسِ الكتب الروحيّة، ولو المكتوبة اللّغة العاميّة. لذلك، أبدت تريز، مرارًا، اعتراضَها على مثلِ هذه المحظورات التي اكتشفتها حتّى داخلَ الكنيسة، قالت: "كفى، يا إلهيّ! يُحِلُّنا الرّجال جانبًا، كأنَّنا قاصرات، كيما لا نأتي، في العلن، بشيءٍ قيّم بنظرك، وكيما لا تكون لنا الجرأة على الجهر ببعض الحقائق التي تستنزف دموعنا في الخفاء! أتأبى، أنتَ، الإصغاء إلى شكوانا المحقّة ؟ عبثًا أحاول التّصديق أنَّ عدلَك ورحمتَك يرضيان بذلك! أنتَ قاضٍ عادلٌ يختلف عن قضاة هذه العالم. فهؤلاء كونهم أبناءَ آدم، وكونُ جميعُهم من طينةِ البشر، لا فضيلةَ تتحلّى بها المرأة إلاّ ويعتبرونها مثارًا للشكّ والارتياب (ط. إ. 1، 4؛ 35، 2؛ ح. 26، 6). إذّاك، ودون أيّ ادّعاء، تحوّلت تريز إلى رائدةِ حركةٍ نسائيّةٍ ثقافيّةٍ. وعمليًّا، تواصلت، في النّصف الأوّل من القرن السادس عشر، مع الأدب الروحانيّ المكتوب باللّغة الأسبانيّة. وعندما أنشأت كرملها الجديد، فرضت على راهباتها أن يكنَّ قادرات على تلاوة الذّبيحة الإلهية، وعلى المشاركة في الجوقة (م. 6). صحيحٌ أنّ الوقتَ لم يطل، قبل أن تخرجَ عمَّا فرضته، عندما طرقت بابها راعية شابّة، أمّية، من Almandral، وتوصّلت إلى إقناعها بقبولها: هذه الرّاعية هي Ana Garcia، التي أصبحت فيما بعد: أنّا للقدّيسة برتلماوس. غير أنَّ تريز سارعت إلى تعليمها، شخصيًّا، القراءَة والكتابة.

 

وفي قلب كرملها الجديد، ستظلّ تريز، عمرَها، صديقةَ الكتب، والآداب والمثقّفين، والأشعار إلخ... ومقاطعَ من قصائد الأب يوحّنا للصليب. وإلى ذلك، اقتادت، على خطاها، منذ نهاية عصرها، وأوائل العصر السابع عشر، كوكبةً من الكرملّيات المثقفات، تميزت بينهنّ الأخوات ماري للقدّيس يوسف، سيسيل للميلاد، حنّة للثالوث (De Calagurra)، وسواهنّ...

 

9-  فيما يتعلّق بالبيئة الدينيّة وأجوائها، كان المجتمع الكاستيلاّني مجتمعًا تيوقراطيًّا، ويكاد يكون بأجمعه كاثوليكيًّا. فعندما طرد اليهود من إسبانيا، عام 1432، غدا كلّ متحدّر من أبٍ يهودّي مرتدٍّ إلى المسيحيّة، مشتبهٍ بحفاظه على معتقداته القديمة، عرضة لتحقيق لا رحمة فيه. وكلّ علاقة مع حركة الإصلاح البروتستنتيّ تصبح مادّة خصبة للعقوبات، وحدها بعض الخلايا الإسلامية التي لا شأن لها ظلَّت قائمة. وتريز التي كانت لا تزال، حينذاك، صغيرة السنّ، لمّحت إلى "بلاد البرابرة" الدائمة العداء، وإلى الشّهيد الدائم بالقابليّة لديهم (ح. 1، 5). ولا يغربنّ عن بال، أنَّ تريز، نفسها، وعائلتها اضطروا إلى التبرّؤ من بعض الشكوك التي حيكت حول موضوع "صفاء دمهم"، وبتعبير أوضح: حول نسبهم اليهوديّ. ونحن نعرف تمام المعرفة ماهيّة آرائها في الحركة الإصلاحيّة: إنّها الآراء التي استقتها من محيطها السياسيّ – الدينيّ (ط. 1، 2).

 

 10- إنّ المجتمع الاسباني، طوال "العصر الذهبي"، كان، علانيّةً، مجتمعًا دنييًّا في بُناه، وممارساته، ومشاعره. نتيجةً لذلك، تحوّل التّزمّت الشّعبي إلى عامل تربية شاملةٍ، عامّةٍ، وكان ماثلاً على المستويات كافّة. فتنشّقته تريز في العائلة، منذ نعومة أظفارها. وفيما بعد، اعتمدته ممارَسَةً، بطرقٍ مختلفة، طوال حياتها الدّينيّة، بالتوازي مع الطّقوس الدّيريّة (الرّهبانيّة). وفي النّهاية، صهرته بحياتها الرّوحيّة، بعد أن طهّرته من أدرانه. وهناك شيء مميز حقًّا عند تريز، وهو، تحديدًا، هذا الرّبط المتناسق بين التّزمّت الشّعبيّ والخبرة الرّوحيّة. فمن جهّة، تختبر تريز، يومًا بعد يوم، "جمال وجه يسوع البهيّ" فتتطوّر ضمن شعور عميق باتّحادها مع الثالوث إلخ... بينما هي من جهّة أخرى، في ممارستها اليوميّة والجماعيّة، ترتأي أنّه لا غنى عن الصور المقدّسة (ط. 43، 11)، والمياه المباركة، والتّطوافات, والمزامير...

 

والتّحقيق التعسّفيّ، في ذلك العصر، ضمن الكنيسة والمجتمع، كان إحدى المؤسّسات الأكثر حزمًا. فكان، إذًا، ضمن حياة تريز كذلك. فهي لم تفتقر على التّدخّلات التحقيقيّة لتعيد النظر في شخصيتها، كما لم تفتقر إلى نعمها الرّوحيّة (ح. 33، 5). وأوّل آثارها الهامّة، كتاب سيرة حياتها، خضع للتّحقيق. ورغم كلّ شيء، لم تقع تريز تحت وطأة الرّعب التحقيقيّ الذي أذاق الكاستيل مرّ العذاب.

 

11- الكنيسة، بنظر تريز، وبالنّسبة لعقليّة عصر فيليب الثاني، كانت الأكليروس، والهرم الكنسيّ السلطويّ. والأكليروس كان يشكّل الطبقة الاجتماعية الأقرب إلى تريز، والأشدّ فعاليّة بالنّسبة إلى راهبة مثلها. وإلى ذلك، نحن نراها على علاقة مع مختلف درجات السّلم الكنسيّ. فهي تُحِلُّ المقامَ الأعلى الأساقفة الذين تعرفهم، وتقويمها للأكليروس إيجابيّ بوجه عامّ. فالكاهن، بنظرها، ليس مجرّد منفّذِ تعليمات، إنّه حامل لواء، وشكل من أشكال القائد للمسيحيّين. فهو، إذًا، مدافع عن قضيّة المسيح (ط. 3، 1-2). واسم تريز، في تاريخ الكنيسة، وفي إطار التّيارات الأصلاحية الكاسيلانيّة، باتَ يندرج في الحركة الأصلاحية المسيحيّة الكبرى التي ترسّخت عند منتصف القرن السادس عشر، آن، اتّخذها على عاتقه، بنوع خاصّ، المجمع التريدنتينيّ. فالحركة هذه، المشار إليها، قصرت همّها على نفح الكنيسة بروح جديدة قادرة على إنعاش الحياة المسيحيّة، والفنون، واللاّهوت، وعلى الأخصّ، طلاّب الكهنوت!

 

12- إنّ حياة تريز الصوفيّة، إضافةً إلى أمنية لها سلفت، وهي قيام رهبانيّة تأمّليّة جديدة، بروحها وبنمط عيشها، سابقة للمجمع التريدنتينيّ، مع احتمال أن تتزامن، عمّا قليل، مع الاحتفال بهذا المجمع والعمل به، هذا المجمع الذي، غالبًا ما تطلق عليه لقب: المجمع المقدّس. مع العلم أنّ تريز ليست مجدّدةً مُضافةً إلى الحياة الرهبانية، وإنّما هي حاملة "كاريسما"، وملهمة نهج حياة في الكنيسة، نهجٍ يتميّز بعاملٍ قويٍّ من عوامل النّزعة الأنسانيّة المسيحيّة. وكونها منفتحة على "التّعالي" الذي هو "تواحد ثالوثي في الحبّ" وعلى صداقة مع المسيح، الإله والإنسان القادر على فهم هناتنا، فأنّها تنظر بعين الاعتبار الأسمى إلى كلِّ امرئ، وتجيد تقويم الفضائل البشريّة (ط. 4، 4؛ 41، 7؛ 1ك. م. 1، 1ss). ومن جهّة أخرى، تصوّفها نبويّ. فهو اختبارٌ قويٌّ إلى حدِّ أنّه يجد تعبيرًا له في كلمةٍ تنادينا، وتلهمنا، وتستنطقنا؛ وهو شهادة اجتماعية كنسية.

 

13- ببساطة ودقّة، وبكلمات معدودة، ترسم لنا تريز التّربية التي نشأت عليها في العائلة، تقول: "كفاني، لأصبح صالحة، أن يكون لي والدان فاضلان، يخافان الربّ، منحني إيّاهما بفضل خاصّ، رغم حقارتي" (ح. 1، 1). هذه اللّوحة التي رسمتها تريز، تعريفًا بعائلتها في الصفحات الأولى من سيرة حياتها، هي في غاية الإيجابيّة، ودقّة الوصف، مشبّعة بالنّزعة الإنسانيّة المسيحيّة الأنقى. فمظهر والدها، Don Alonso، هو مظهر رجلٍ مستقيمٍ، عاشقِ حريّة، عدوِّ كلِّ إسرافٍ، سليم التوجّه اجتماعيًّا، فحبٍّ للمطالعة، توّاقٍ إلى القربان المقدّس، شديدِ العطف على الفقراء، متّقدِ الرأفة بالمرضى، حتى الخدّام منهم (ح. 1). أمّا مظهر Doña Beatriz الأنثويّ، زوجة، يكاد يحاكي مظهر زوجها: فهي امرأة عانت كثيرًا، وديعة الطباع، متّقدةِ الذّهن، مكبّة على غرس التّقوى المريميّة في قلوب بنيها، إلى جانب غرس الفضائل المسيحيّة الأخرى (ح. 2). وهذه القدّيسة ستُبقي على اهتمامها الأقصى بذويها، وهي تؤمّن رسالتَها بصفتها "أمّ الروحانيّين"، داخل أديرتها الكرملية وخارجها. بكلّ ما عهدناه لديها من مواظبة وعزم. وبصفتها راهبة، ستهتمّ، أوّلاً، بحياة والدها الروحيّة (ح. 7، 13)، ومن ثمّ ستهتمّ بحياة اخوتها الرّوحيّة، بصفتها متصوّفة.

 

14-  هيذي اللّوحة الخلقيّة التي عليها ستعيش تريز سياق دعوتها، بين الثامنة عشرة، والعشرين من شنيّ عمرها. لقد دخلت دير "راهبات الكرمل لسرّ التجسّد" عند ربيعها العشرين. وهناك، وعت أنّ عليها الانتساب إلى تقليد روحيّ (متوارث) من عدّة أجيالٍ، مغرقٍ في الاستيحاء من التّوراة، ومحافَظٍ عليه بدقّة، في نظام الرّهبنة الأساسيّ. فنظام الكرمل الأساسيّ سيكون فعلاً، بعد التوراة، النّص الذي تورده القدّيسة تكرارًا، وتكرارًا. وهذا النّظام وُضِعَ كتابةً، أثناء العقد الأوّل من القرن الثالث عشر، ثم عدّل فيما بعد، وصُدِّقَ أثناء حبريّة Innocent IV، عام 1247. هذا النصّ الأخير سيكون، إذًا، النصّ الذي ستقرّه تريز "القانون الأوّل"، وقل "القانون الأوّلي الأصليّ" (ح. 36، 26). ففي الصّفات الأولى من كتاب "الطريق"، تذكّر تريز أخواتها الرّاهبات بأنَّها أسَّست "خلوةَ" القدّيس يوسف، "بغية الحفاظ، فيها، على هذا النّظام، نظامِ "سيّدتنا" و"مليكتنا"، بالدقّة التي مورس بها أساسًا، حين وضْعِه" (ط. 3، 5). وعناصر هذا النّظام الأكثر أهمّية كانت بنظرها: الفقر الأنجيليّ (ح. 35)، والصّلاة التأمّلية (ط. 4، 4)، والاختلاء ضمن الحُجَيرة (ف. أ. 8؛ ط. 4، 9)، والإغراق في الصمت (الإصغاء) (3م. 2، 13)، والعمل، على ضوء المثال الذي رسمه القدّيس بولس، وعلى ضوء التّقليد، حيث يتّخذ النّظام مثاله الأعلى، العذراء مريم. وهذا ما قاد القدّيسة تريز، إلى تسمية هذا النظام، طبيعيًّا، نظام العذراء، نظام سيّدتنا، سيّدة الكرمل... (م. 14، 5؛ 2، 36، 26).

 

15-  طوال الأعوام السّبعة والعشرين التي مرّت على حضورها في "دير التجسّد"، ستقوم تريز باختبار تنمية تطوّر روحيٍّ عميق. فقراءَة مؤلّفات القدّيس أغسطينوس، ومشاهدة المسيح "المثخن بالجراح" سيفرضان عليها تحوّلاً حاسمًا في حياتها الرهبانية (ح. 9، 1. 8). وحينذاك، في "دير التجسّد"، تحديدًا، اقتبلت نِعَمًا صوفيّة أشارت إليها في "كتاب حياتها"، بدءًا باختباراتها المسيحانيّة التي محورَت حياتها حول الحضور المُعاش، حضور ناسوت المسيح المقدّس (ح. 22)، مرورًا بخطوة إلى Transverberation (ح. 29، 13)، وصولاً إلى الهبات اللّدنيّة التي ستحصّها على تأسيس كرمل جديد. وفي دير التجسّد، عام 1554، حلَّ الحدث الحاسم المعبّر لتغيير توجّهها العميق، عقب ما يقارب العشرين عامًا من الحياة الكرمليّة. وهي، بقم ملآن، تروي الحدث في الفصل التاسع من كتاب سيرتها الذاتيّة. فالواقع لم يعد يقوم على تجاوزِ الصّراع الذي استمرّ طوال الأعوان العشرة المنصرمة، وإنّما بات يقوم على انفتاح أفقٍ جديد، وعلى اكتشاف نمط جديد في العلاقة مع الربّ، وتصوّر طريقة جديدة في مجابهة الحياة اليوميّة. وها هي تتحدّث بذلك هكذا: "سبق لي أن أحسست، مرارًا عديدة، ببداية ما سأصفه... ففي المشهد الذي كنت أتصوّر نفسي فيه واقفة بالقرب من المسيح، وحتّى، أحيانًا، أثناء مطالعتي كتابًا، كان ينتابني، فجأة، إحساس بحضور الربّ، يستحيل عليّ معه الشكّ بأنّه ليس في داخلي، أو أنّني لست غارقة كلّيًّا فيه" _ح. 10، 1). وهذا، بكلّ بساطة، ما كان عليه بدءُ نهج جديد لديها، في العيش والصّلاة، مقرونًا بنتائجٍ غير قابلة للاستشراف. فخبرة الحياة الجديدة هذه، هي التي ستؤدّي، حكمًا، إلى ولادة كرمل جديد. هكذا بدأ طور حياتها الثاني (1554 – 1582) مطبوعًا بخبرات صوفية صعبة، بالغة الأثر، وسيكون القدّيس يوحنا للصليب أفضل الشهود لها، كونه قضى ثلاث سنوات (1571 – 1574) "معرّفًا في دير التجسّد"، بينما كانت تريز تتحمّل مسؤوليّات رئاسة هذا الدير. ولكنّ الفترة هذه، ستكون، إلى ذلك، فترة مطبوعة بنشاط مكثّفٍ، نشاطِ كاتبةٍ، ومؤسِّسةٍ، نشاطٍ سيكون، حتى للقديس يوحنّا، شراكةٌ فيه، وستمتدّ، عمليًّا، حتى رقادها.

 

ثانيًا: بعض المفاتيح لقراءَة مؤلّفاتها.

 

16- إنّ مؤلّفات تريز ليسوع تقوم، أساسًا، على علاقات بين خبراتها الصّوفيّة. وهذه الخبرات ستشكّل المشهد الخلفيّ لكتاباتها الأولى، وقوامُها: نِعَم مسيحانيّة خاصّة (ح. 26-27؛ 37، 4)، ونِعَم إِناسيّة توفّر لتريز مفهومًا جديدًا لذاتها، أو لمشهدها الرّوحيّ (ح. 40، 9)، من مثل تفصيل نموذجيّ لهذه البّانوراما التأمليّة: طبعها الديناميّ الذي يبتعث القديسة، إنطلاقًا من تأمّلها، لتؤسّس رهبنة كرمليّة، ولتؤلّف كتبًا (تمهيد، 2؛ 37، 1). ولقد تلقّت أمرًا من رؤسائها المتورّطين، هم أيضًا، في خبراتها الصوفيّة، لإقناعها بكتابة أثرها الأوّل، حياتها (1562 ثم 1565). ولكنّها، في الوقت عينه، أقرَّت بأنّ دوافع قويّة أغرتها شخصيًّا لتكتب (مدخل: 18، 8؛ 19، 3-4). أمّا ما يتعلّق بكتاب "الطريق"، فلقد وُضع بناء على طلبٍ ملحٍّ من مجموعة القدّيس يوسف المكوّنة حديثًا، أي الأخوات اللّواتي يعرفن شيئًا عن نِعَمِ أمّهنَّ المؤسِّسة الصّوفيّة، ويطمحن إلى التّعاطف معها، عملانيًّا، بشكلٍ أو بآخر. وعقب خمس سنواتٍ، أو ستّ (1573)، باشرت بوضع كتاب "الأساسات"، وفيه ستكمل التّقرير الذي باشرته في سيرة "حياة" (32-63)، وكان ذلك عملاً بأمرٍ من "معرّفها"، الأب Ripalda، وقد أقرّت، إلى ذلك، بأنّه تمَّ أيضًا تحت تأثير دافع صوفيّ لا يقاوم (مدخل؛ ع. 6، 2). وأخيرًا، عام 1577، وضعت "كتاب المنازل". وهذا الأثر الأخير، تمامًا كأثر "الأساسات"، يضاف إلى أثر "الحياة"، ليس بناءً على سردِ وقائع محسوسة (ح. 32-36) وإنّما بناءً على الصّعيد الصّوفي (ح. 22-31؛ 37، 40). ولقد وضعته تريز لتتمّ بّانوراما خبراتها الدّاخلية، ووضعته بشكلٍ يمكن، بفضله، أن يستخدمَ مضمونه كمثالٍ لسياق كلِّ حياةٍ روحيّةٍ مسيحيّةٍ.

 

17- لقد غدت القدّيسة تريز، وقد تجذّرت في التوراة، وفي الأنجيل، وفي الأسرار التي تحتفل بها الطقوس الدينيّة، دليلاً فوق العادة للقيام بخبرة الله التي مارستها شخصيًّا. فتريز تكتب انطلاقًا من خبرة (ح. 18؛ 23. أس. مدخل)، وتبغي إيقاظَ رغبةِ الخبرةِ عند قرّائها، مقرّةً بأنّه "من الصّعب التّعبير، بدقّةٍ، عمّا لم نختبره" (6م. 9، 4؛ أس. 28). من هنا اهتمامها، ليس بالتّفسير فحسب، وطرح الأمور للمعرفة، وإنّما، أبعد من ذلك، اهتمامها بإثارة شهيّة قارئها، كي تحمله على اتّخاذ القرار بالسّير على الطّريق الذي سلكته هي. وهكذا، غَدَت خبرة الله على يد النعمة (1544 – 1554)، وخبرة شخص يسوع المسيح (1560)، وخبرة السرّ الثالوثيّ (1571)، النّواة المركزيّة التي تنامت حولها الرّوحانيّة التريزيّة.

 

18- تريز تتّخذ التوراة معيارًا أسمى للحقيقة، وموردًا لحياتها التّأمليّة (أ.، مدخل 2). وعلاوة على تشبّعها البيبليّ الذي وفّره لها الوعظ، والصّلوات الطقسيّة، إلخ... وهبةُ نعمةٍ، وهي أن تقرأ، في إطار بعض المؤلّفات الروحيّة، نصوصًا كاملة لثلاثة كتب مقدّسة: Le Flos Sanctorum، قدّم لها نصّ "الآلام" كما ورد في الأناجيل الأزائية الأربعة؛ وعثرت على النصِّ البيبليّ "لسفر أيوب"، المبثوث طيَّ كاملِ صفحاتِ "كتاب الأخلاق" للقدّيس غريغوريوس. وأخيرًا، تمكّنت من قراءَة نصوصٍ تتناول تاريخَ حياة يسوع وسرَّه، في شرح "حياة المسيح" للراهب الشارتريّ. بعد كلّ ما تقدّم، يسعنا، كذلك، الإشارة إلى حضورٍ كثيفٍ للتوراة في آثارها ذاتها: نشيد الأناشيد، الأناجيل، القدّيس بولس، وعددٌ من الوجوه البيبليّة... فيمكننا أن نستنتجَ من كلِّ ذلك، أنّ القدّيسة تريز كوّنت لنفسها حساسيّة بيبليّة لافتة للنّظر، وهذا ما يفسّر رفعة تقديرها الكتب المقدّسة، قالت: "تعاسة العالم كلّها تتأتّى من عدم معرفة الكتب المقدّسة معرفةً واضحةً" (ح. 40، 1). إضافةً إلى ذلك، هي تقدِّر علمَ اللاهوتيّين، بقدر ما تنبع هذه العلوم من الكتب المقدّسة، تقول: "في الكتب المقدّسة التي يتحدّثون عنها، يجدون، دومًا، حقيقة الروح الصّالحة" (ح. 13، 18؛ 43، 11).

 

19-  إنّ دربة تريز اللّيتورجيّة تمّت في "دير التجسّد". هنا انخرطت في جماعة تأمّلية تعير اهتمامًا بالغًا للصّلاة الليتورجيّة، وهي تحتضن عددًا من الأخوات يؤلّفن جوقات، لا بأس بها، للاحتفالات بهذه الطقوس إحتفالات كبرى.  والفروض الليتورجية كان شاغلهنّ الرئيسي فحَولها كانت تنظّم الاهتمامات اليوميّة المألوفة. ومع ذلك، ستحرز تريز تقدّمًا بالروح الليتورجيّة، بفضل تعمّقها بخبرتها الصّوفيّة. ومن هنا سنخترق سرَّ الصلاة الكنسيّة: أوّلاً كانت تستغرق ساعات في اللّيتورجيا، ولكنّها، بنوع أخصّ، كانت تبحر في سرّ الاحتفال القربانيّ الكبير (6م. 7، 4؛ ط. 23-35). وهكذا وجدت ركنَي حياتها الروحيّة الرّاسخَين. ونعمها الصّوفية الأكثر كثافة وفاعليّة ستفاجئها في إطار قربانيّ.

 

20- في آثارِها كافّة، الموضوع الأساسي هو الصّلاة التأمّلية التي تفهمها وتمارسها على اعتبارها صداقةً شخصيّة مع المسيح ومع الثالوث الأقدس، وهبةَ ذاتٍ غيرَ مشروطة للربّ. فالصّلاة التأمّلية هي الباب الذي يشرِّع بوجه الشخص البشريّ هذه الفسحة من الحميميّة، حيث تصبح ممكنةً ملاقاة الربّ الحاضرِ في عمق أعماق النفس. تقول: "أقولُ فقط، إنّ الصّلاة التأمّلية هي باب النّعم الكثيرة التي منحني الربُّ إيّاها، فعندما يكون مغلقًا، لا أدري كيف يسعه أن يجودَ بها" (ح. 8، 9؛ 1م. 1، 7). والصّلاة التأمّلية هي أيضًا المقام الذي تَبَان فيه الحقيقة، وتُلقَي الأنوارُ على الحقائق (ح. 19، 12؛ أس. 10، 13). وتريز تفهم الصلاة التأمّلية كتصرّف صداقة أمينة، صبورةٍ مع المسيح قبل كلِّ شيء. وغالبًا ما تطلب منّا أن نألف البحثَ عن رفقة المسيح الذي يصحبنا دائمًا (أس. 26-29). والصلاة التأمّلية، بنظرها، "ليست شيئًا آخر البتّة... سوى مسألة صداقة، غالبًا ما نتبادل الأحاديث، عبرها، بوضع حميميّ، مع "الذي" نعلم عنه أنّه يحبّنا" (ح. 8، 5). وإلى ذلك، يمكنها أن تنشدَ، في قصيدتها، "لك ولدت": "إن شئتَ، هبني الصّلاة التأمّلية؛ وإلاّ، هبني الجفاف... "يا صاحب الجلالة المطلقة"، أنا لا أجد السّلام إلاّ هنا: ماذا تريد أن يكون مصيري؟". هذا هو الجوهر، وهو أهمّ من القدرة على التوصّل إلى خبرات تأمليّة محدَّدة. فالأوقات المخصّصة للصلاة التأمّلية: "مهما انصرفتُ خلالها إلى هذه الصّلاة، بتكاسل، وتشرّد ذهن، فإنّ الربّ يظلّ يفرط في تقديرها" (2م. 1، 3).

 

21- إنّ تريز تنقل إلى الكرمل المجدَّد خبرتَها الشخصيّةَ، تبعًا لاتجاهٍ مزدوج: في الأوّل تتّجهُ أنظارها نحو الجذور. فهي بإلحاحٍ شديد، تصرّ، في إرادتها، على دمج كلّ شيء بالتّقليد الكرمليّ القديم، وعلى العودة إلى القانون الأوّليّ، وعلى الاحتفاظ، كمثالين معًا، بالعذراء مريم، وبالنبي إيليا، وعلى اعتناق حياة قدماء سكّان الجبل البيبليّ النّسكيّة (أس. 9). لكنّها، في الثاني، تبدي إحساسًا بالجدّة، وبالتّأدين، تعبّر عنهما في تصميمٍ على إدخالهما في كنيسة العصر، مع رغبة في نقل تجربتها الشخصية، الرهبانية أو الروحية، إلى كامل جماعة المرافقات، والمرافقين. وتريز تريد أن تعلّمَ الجميع، جديدَ حياةٍ تأمّليّةٍ ذاتِ غائيّةٍ رسوليّةٍ، تبشيريّةٍ وكنسيّةٍ (أس. 1، 7؛ ط. 1، 2؛ ق. أ. 6، 7. 89. 94)، حياةٍ تُعاش في معهدٍ صغيرٍ للمسيح، فيه تتحابّ جميعهنَّ وتتعاضدنَ (ط. 4، 7؛ 27، 6). وفي أساس هذه الحياةش الجديدة التي تدّعي الموازنة بين الاتّجاهَين، بإدخالِ الأول في الثاني، تضع القدّيسة خبرتها الذّاتية بالله وبالمسيح، خبرةً، يجب أن تؤثِّرَ، عبرها، بكلِّ مَن يعمل بها: "مع الوقت، كانت رغبتي تنمو في أن أكونَ المناسَبَة لخير بعضِ النفوس، تمامًا كما يرغب مالكُ كنزٍ في أن يُفيدَ منه الجميعُ، ولكنْ، ما إن يودُّ توزيعَه، تُكبَّّل يداه" (ق. أ. 661).

 

22- لا يسعنا أن نغفل عنصرًا جوهريًّا آخر من عناصر هذا المثال، أبقي عليه في القوانين التأسيسيّة التريزيّة: إنّه العنصر الذي يمكن أن نطلقَ عليه إسم: "الأَنَسِيَّةُ" التريزيّة في الحياة الرّهبانية، وقوامها إضفاء قيمة عاليةٍ على الشّخص، بلغَ حدِّ الأيحاءِ إليها بفرضِ ساعتَي نزهةٍ في اليوم، موازاةً لساعتَي الصلاة التأمليّة الذهنيّة (ق. أ. 26-28). وفي كتابها، "الطريق"، سبق أن ألحَّت القدّيسة على الفضائل الإنسانيّة، بقدر ما تصبح أخواتكنّ قدّيسات، تصير حياتهنَّ ممتعة (ط. 41، 7؛ ق. أ. 10). من هنا تعاطي الأشخاص والجماعات وتواصلهم، وفرض العمل الشخصيّ، وقراءة الكتب المختارة بدقّة، وتمييز الدّعوات، والتصرّف بالسّلطة "كخدمةٍ محبّةٍ"... هذه الخطوط الرّئيسية لدى تريز، أشبعتها تفكيرًا، ورسمتها لراهباتها الكرمليّات. أمّا ما يتعلّق بالتّواصل مع أخوتها الكرمليين، فقد تمَّ أوّلاً بواسطة القديس يوحنّا للصليب. فعلى هذا القديس اقترحت المؤسِّسةُ نهجها التقشّفيّ، والأخويّ، والنزهويّ الذي تعتمده الرّاهبات (ق. أ. 13، 5). وهكذا ستدرك الأمُّ تريز، والأب يوحنّا للصليب، كيف يجسّدان، إلى الأبد، المثالَ المواهبيَّ التريزيَّ، لدى الأخوة (ق. أ. 11-14).

 

ter22

 

 القسم الثاني 

من أجل قراءةٍ مُأَيَّنَةٍ للآثار التريزيّة 

أوّلاً: مقاربة مضمون النصّ، انطلاقًا من خبرة تريز.

 

23- إنَّ هبةَ القدّيسة تريز اللّدنيّة، كما تظهر في حياتها، وفي آثارها، لم تتوقف عن الانتشار والأثراء، طوال العصور، بفضل التعرّف إلى آثارها وخبرتها المواهبيّة: وهذا ما نجده في قوانين الأخوة والرّاهبات الأساسيّة، تمامًا كما في قوانين الأخوة العلمانيين. وبفضل وعي متجدّد "لدينا، اليوم، ويمكن أن يكون لدينا، معرفة بهبتنا اللّدنيّة، ربّما كما لم يكن لدينا ولم نستطعه في تاريخنا. ففي أيّامنا، أكثر ممّا في أيّ زمن مضى، يتطلّب القرّاء الأكثر تنوّعًا، داخل الكنيسة وخارجها، اللّجوء إلى قدّيسَينا وإلى روحانيّة عائلتنا. إنّهم يطالبوننا، محقّين، بأن نطلعهم على هذه الثروة. ومع ذلك، علينا أن نسأل أنفسنا كيف نستطيع أن نلبّي، بفضل هباتنا اللّدنيّة، الملحّ من ضرورات علامات الأزمنة، في الكنيسة وفي العالم, والملحّ من طموحات الأجيال الجديدة، العلمانية والدينية، وهي طموحات مشروعة وكبرى، لتتمكّن هذه الأجيال، في الألفية الثالثة، من إتمام رسالة الكرمل التريزي بشكل أكثر فعاليّة، وأكثر آنيّة" ("سائرون مع القديسة تريز ليسوع والقديس يوحنا للصليب. انطلاق جديد من الجوهر"، 2003، 1). وبتعبير آخر: "يهمّ أن نعْرفَ هذا العالم الذي نحيا فيه، وأن ندركَ توقّعاته، وطموحاته، وطابعه المأسويّ في غالب الأحيان" (GS، 4؛ 6). ولنتذكّر أنّ علّة الكرامة الإنسانيّة الأسمى، هي دعوة الشخص البشريّ للاتّحاد بالله (GS 19). وإذا صحّ أنّ الهبة اللّدنية (الكريسما) التريزيّة تكوّنت وصُهِرَت بفضل خبرة صوفيّة قاسية ضمن الصّلاة التأمليّة، فأنّنا نعلم أيضًا أنّ هذه الهبة بلغت أوج نحوّها في غمرة أنوار أحداث عصرها الثقافيّة والدينيّة، كما أشير إليها في القسم الأوّل من هذا البحث، أحداث اقتضت الإجابة عليها، على أساس خبرة معاشة: الخبرة المذكورة في آثار القديسة تريز، والمُعاشة، في آنٍ، ضمن عملها كمؤسِّسة. إذًا، لدينا هنا صوفيّة مجسّدة في الحقائق التاريخيّة، صوفية حسّاسة تجاه الأحداث، وملتزمة الخدمة.

 

24- إنّ تصرّف الأم تريز يتطلب منّا وعي كلّ ما يدور حولنا، وتبصّرًا بكلّ ما يحدث في عالم مطبوع بالعلمنة، وما بعد الحداثة، والإلحاد، والكفر، وبخاصّة في المنطق الغربيّة، حيث الثّقافة الشموليّة تتسرّب شيئًا، فشيئًا، إلى الحقائق الجغرافية الأخرى. ومع ذلك، هو عالم يمكننا، بمفارقة مستغربة، أن نتبيّنَ فيه المزيد من إمارات يقظةٍ دينيّة جديدة، مصحوبةٍ بالبحث عن روحانيّة قادرة على إجابة أعمق هواجس الكائن البشري. وهو أيضًا عالمٌ يمكننا أن نلاحظَ فيه حاجةً إلى صوفيّة، وإلى استعادة خبرة الإيمان، كأنّ القرن الحادي والعشرين لا يزال يصرّ على أن يكونَ مسيحيًّا. ولكن، بموازاة ذلك، نرى بروز أزمة الهوّية الإنسانيّة بحدّ ذاتها، إذ أنَّ الإنسانَ يتآمر على كرامته إيّاها، وعلى القيم "المتعالية" المتجذّرة في كيانه بالذّات، وهو يدّعي تحديد هوّيته وشخصيّته دون أيّ استنادٍ إلى الله. وكلُّ إنسان هو "أنا" مشرعٌ، كما بجرح عميق، بعشق "التعالي". فالروحانية التريزيّة، والحالة هذه، كونها مرتكزة على الإنسان كمسكنٍ لله، منفتحٍ على التّواجد وإيّاه، قادرٍ على اقتباله في أعمق أعماق "قصره"، تمكّننا بشدّة من استعادة وعي هذه الكرامة التي تهدّدها الثقافة الحاليّة. في النتيجة، أن نربّي الإنسان للتوصّل إلى القيام بتصرّف تأمّل تريزيّ، هو أن نعينه على اكتشاف هوّيته الحقيقيّة من جديد.

 

25- علينا، بعد أن نكتشف مواقفنا من الظّلم، والفقر، ورفض الآخر في الوقت إيّاه، الذي نكتشف فيه أزمة الإنسان وواقع عدم الأيمان. وهذه الحقيقة لها علاقة كبرى، بدورها، بالوحي الإلهيّ، وبإمكانيّة الحصول على جواب إنسانيّ حقيقيّ ستكون له فائدة كبرى في الاهتداء بنور التجربة التريزيّة. فروحانيّةُ مسيحيّةٍ تدّعي مجابهةَ تحدّيات القرن الواحد والعشرين عليها بالضرورة أن تواجهَ مشكلةَ الفقر. والاهتمام بالفقراء حاضرٌ بوضوح في منابع الوحي المسيحي عينها. فخبرة الله، إذًا، لا يمكن أن تتمّ في الانعزال، واللاّمبالاة، وقلّة الاكتراث بآلام الناس. وكلّ تأمّلٍ لا يعير أيّ انتباه لهذا الموقف الذي يمزّق مجتمعنا، سيكون، بيبليًّا، تأمُّلاً بغيضاً، تمامًا كعبادة الله التي تودّ تجاهل عناء الفقير والتعيس، كما كانت عليه الحال التي فضح أمرها الأنبياء.

 

26- إحدى علامات تجدّد الحياة الرهبانيّة، والدينيّة، والمسيحية الحالية، هي التّجذّر الانجيليّ وجوديًّا، وهو ما يحدّده المجمع الفاتيكاني الثاني كأنّه "عودةٌ ثابتة لمنابع كلّ حياة مسيحيّة" وحاجّةٌ للعثور، في المسيح، على "النظام الأسمى" للحياة الإنجيلية (م. ك. 2)، ونحن نبحث، في الوقت ذاته، عن "ثمرة الرّوح القدس" الذي يفعل دومًا داخل الكنيسة، بفضل هبة المؤسّسين اللّدنيّة، إذ إنّ كلّ هبة لدنيّة، بصفتها خبرة الرّوح القدس، تمثّل قراءَةً للإنجيلِ متجدّدةً، وروحانيّةً جديدةً تقدّم تقريرًا عنها وهي تنفتح على الزّمن الحالي، بغية التعمّق الدّائم والتّنمية الدائمة بفضل المواهب الخاصّة التي ينعم بها جميع الذين يشاركون فيها (ع. م. 11). فالمسيح هو الإنجيل تحديدًا، إذًا، نقطة دائرة كلّ حياة مكرّسة، وقاعدتها النهائيّة، وأصل كلّ هبة لدنيّة وغايتها. أضف إلى ذلك، أنّ الموهبةَ اللدنية التريزية تمثّل طريقة طريفة لقراءةِ الإنجيل وتأمّل المسيح، والتّماهي معه في مظهر من مظاهر سرِّه.

 

27-  إصالة تريز، وهبتها اللّدنية الكنسيّة ترامت إليها، تحديدًا، من تماهٍ مع المسيح، ومن معرفة قائمة على الخبرة، ومن خبرة صوفية متمحورة حول المسيح (ح. 9، 1-3؛ 26، 6؛ 27، 2-8، إلخ...). فيمكننا القول، في هذا المعنى، أنّ هبتها اللّدنيّة هي هبة أصيلة لا شائبة فيها، وشيءٌ جديد حقيقة في حياة الكنيسة الروحيّة (ع. م. 12). وهذه الجدّة، والنجاح الذي لقيته، كَسَبْقٍ نوعيّ في الروحانيّة المسيحيّة، يجدان تفسيرًا لهما، بدقّة، في عرضهما طريقة جديدة لعيش الإنجيل الذي يتلاءَم تمامًا مع هواجس عصرها، ولكنّه، بشكلٍ أو بآخر، يتلاءَم مع حاجاتِ العصور كافّة. ومن هنا أيضًا نجد تفسيرًا لانتشار الآثار التريزيّة الواسع، تلك الآبار التي تعتبر مدخلاً حقيقيًّا للخبرة المسيحيّة. كلّ ما تقدّم يلقي أضواء على واجب الكرمل اليوم: عيش الهبة اللّدنيّة التريزيّة بزخم، وتدريب الإنسان المعاصر على الخبرة التأمّلية التريزيّة، تحت الأضواء، والعمل على نشر آثار القدّيسة.

 

ثانيًا: بعض نقاط خبرة تريز وقانونها الحيويّين.

 

28-  إنّ خبرة تريز الشخصيّة متمحورة، فوق كلّ شيء، حول المسيح، بالتّناغم، والتآلف مع الحساسيّة الدينية، وممارسة الإيمان المسيحي في ايّامنا هذه. وهي تتحقّق بكلّيتها في رسالة يسوع المسيح التي لا بديل عنها، تقول: "رأيت بوضوح وجوب دخولنا عبر هذا الباب، إن نحن شيئنا أن يلهمنا "صاحب الجلالة العظمى" أسرارًا جُلَّى" (ح. 22، 6). وإلى ذلك، فإنّ جوهر الصوفية التريزيّة يكمن في إدراك ناسوت المسيح الممجّد كدعامة تحملنا وكحياة لحياتنا (7م. 2، 6). وهذا واضح لدى تريز، منذ اهتدائها (ح. 9، 1) وحتى اكتشافها ناسوت المسيح على أنَّه "كتاب حيّ"، ترى فيه الحقائق، كتابٌ "يصبع فينا ما علينا أن نقرأه بشكلٍ يستحيل معه أن ننساه" (ح. 26، 6).

 

29- إن كان المسيح ركن التصوّف التريزيّ ومحتواه، فأنّ الخبرة اللاّهوتية للصلاة التأمّلية تبقى ميّزة هبة تريز اللّدنية الأبرز، والأكثر التصاقًا بخصوصيّتها. هذه الخبرة تكشف لنا عن معنى كرمها الجديد ودون آثارها الرّئيسيّ، كما أوضحه البابا بولس السادس في إعلانه الرسميّ لشهادة الدكتورا، قال: تريز نجحت بتأدية رسالة الصّلاة التأمّلية في إطار عائلتها الرّهبانية، وفي الكنيسة، وفي رسالتها الحاليّة التي لا انقضاء لها". وذلك لأنّ اكتشافها التأمّل حثّ على طرح طرق محسوسة جديدة في هذا الموضوع، بغية جعل التأمّل ممارسةً في متناول جميع الطّبقات المسيحية (ط. 19، 15؛ 23، 5). من هنا إقامة نهج تربويّ جديد، وشقّ طرق جديدة للتّدريب، وطرائق تنمية حديثة. وبفضل تعاليم الأثار، وجب أن تتحوّلَ موهبة تريز اللّدنية في التأمّل إلى بداهة في قلب الكنيسة، حدّها استحالة التّفكير بتحقيق ملء حياةٍ مسيحيّة، دون الرّجوع إلى هذا البعد اللاّهوتيّ، وحتى إلى هدفه الصّوفيّ. يكفينا، في هذا الصّدد، أن نعيدَ قراءةَ النصّ الرئيسيّ في كتاب التعليم المسيحي الكاثوليكيّ حول الصّوفيّة، على اعتبارها ملء الحياة المسيحيّة وتمامها، وعلى اعتبارها اتّحادًا بالمسيح أكثر فأكثر حميميّة (ت. م. ك. ك.  2014)، وحول مبادئ التّنشئة على التأمّل (ت. م. ك. ك. 2709 – 2719).

 

30- إنّ هبة القديسة تريز اللّدنية، وغيرتها الصّوفيّة بالمسيح، ومثالها التأمّلي في خدمة الكنيسة، تتطلّب التّجسّد بوضوح في كلِّ ما تعرضه علانيةً، بعد قليل، على أنّه "أسلوبنا في الصّداقة الأخويّة والتنزّه" (ق. أ. 13، 5). وفي الحقيقة الواقعيّة على أنّه مثالٌ أعلى لحياةٍ جماعيّة تتمظهر حسب العوامل الثلاثة التالية: أولّها، جماعة تكون، قبل كلّ شيء، "معهد يسوع" (ط. ك. 20، 11) متطابقةً مع النّموذج الأكثر تجذّرًا في الكنيسة الأولى، لأنَّ السيّد المسيح، شخصيًّا، قائم وسط الجماعة (ح. 1، 5؛ 3، 5)؛ فهو "ربُّ البيت" (ط. 17، 7)، وهو الذي "جمعنا هنا" (ط. 1، 5؛ 3، 5). ثانيها جماعة تحترم مستلزمات المساواة الأشدّ صرامة، ومستلزمات المحبّة الحقيقيّة (ط. 4، 7؛ 7، 9) حيث كلّ شيء يُبرز أسلوب المحبّة الإنجيليّ، الفعّال، المجانيّ، النّزيه (ط. 4، 11؛ 6، 7؛ 5م. 3، 7-12)، وحيث قاعدة العمل اليدويّ تُعطى قيمتها (ق. أ. 28). وثالثها، جماعة إنسانويّة، ذات بعض العلامات الخاصّة التي كان يمكن أن تبدو مستغربة، شاذّة، ففي حينها: الثقافة، الفضائل الإنسانية، الطيبة، الفطنة، الخفر، البساطة، البشاشة، الفرح (ط. 41، 7-8؛ ح. م. 42؛ أ. ج. 43).

 

31- إنّ مشروع الكرمل التأسيسيّ يتضمّن مرجعيّة مريميّة واضحة كلّ الوضوح (ح. 33، 14). وإلى ذلك، فإنّ تريز ليسوع، التي خَبرت باكرًا، في حياتها الشخصيّة، سلطان شفاعة العذراء (ح. 1، 7) تقترح هذه العذراء البالغة القداسة كأمّ الرّهبته، وشفيعتها (أ. 29، 23؛ 3م. 1، 3)، وكمثال للصّلاة وللتّفاني على طريق الإيمان (6م. 7، 13-14) وكأمرأة متورّطة، جسدًا وروحًا، في الإصغاء لكلام المسيح، وفي تأمّله (MC. 5، 2؛ 6، 7)، وهي أبدًا مطواعة لنبض الروح القدس، مشتركةً في المسيح الفصحيّ بالحبّ، والألم، والفرح (7م. 4، 5). ينجم عن ذلك، أنّ التّواحد مع مريم يجب أن يُشْرِبَ كلّ عناصر حياتنا، فيطبعها جميعَها بالبصمة المريميّة، أكانت عناصر حياتنا الأخويّة، أو عناصر روح الصّلاة التأمّلية أو التأمليّة وحسب، أو الروح الرسولية بأشكالها كافّة، أو روح التّضحية الإنجيلية بحدِّ ذاتها (ق. أ. 47-52). فأنّ وجه العذراء الإنجيليّ، وهو يقدّم لنا نموذج حياتنا، يحثّنا، كذلك، على السّير في خطاها، داعيًا إيّانا "كمساكين يهوا" الحقيقيين، "كمطابقة حياتنا على حياة سيّدتنا، بتأمّل الكلمة الإلهيّة تأمّلاً متواصلاً، بالإيمان، وبتقدمة ذواتنا من خلال تنوّع الحبّ" (ق. أ. 49). فعلى يدِ العذراء نلج سرّ المسيح والكنيسة، ونصبح، تمامًا مثلها، حَمَلَةَ يسوع وبشارة الملكوت السارّة. لأجلِ هذا، فأنّ البعد المريمي، هو بلا ريب، وبعلاقة مع بُعده المتمحور حول المسيح، أحد المفاتيح الأساسّية لقراءَة آثار تريز.

 

إلى جانب مريم، لدينا القديس يوسف، كخادم متواضع ليسوع ولأمّه، مثلٌ حيٌّ لتواحد صلاةٍ مع يسوع (ق. ض. 52).

 

 

ter8

 

القسم الثالث 

معايير خطّة لقراءَات تريزيّة

 

اقتراحات عملانيّة

 أولاً: معايير خطّة لقراءَات تريزية.

 

32- معيار أوّل تعرضه لنا خبرة الأمّ تريز الروحيّة الخاصّة. فانطلاقًا من اهتدائها، واتّخاذها الصّلاة التأمّلية أساسًا، قامت بخبرةِ تلاقٍ، أعمق فأعمق، مع شخص المسيح الذي تؤمن به، وتحبّه، وتنتظره. وعلى يد المسيح، ولجت حياة الثالوث الأقدس. ولأجله نذرت نفسها كلّيًا لخدمة الكنيسة، من خلال ممارسة تأمّل رسوليّ وتبشيريّ. وهكذا، يجب أن تضعنا قراءَتنا في المسيح، وأن تحثّنا على تأمّل وجهه، وأن تدعونا إلى جعل حياتنا متطابقة مع حياته، وأن نجعل ذواتنا قادرين على إعلانه للعالم عبر كلمته، وعبر إقامة أنفسنا شهودًا لمحبّته.

 

33- معيار ثانٍ، يجدر بنا اقتراح إعادة القراءَة على أساس منظوريّة بيبليّة، آخذين بعين الاعتبار كلمة الله، والكتب المقدّسة، على ضوء الخبرة التريزيّة، وبالتّزامن مع إعادة تقييم "كلمة الله في الحياة المسيحية، وفي رسالة الكنيسة" (مجمع الأساقفة ت1 2008)، دون أن نغفلَ أنَّ الخبرةَ التريزيّة لكلمة الله تظلّ على اتّصال وثيق جدًّا باللّيتورجية "ينبوع الحياة الروحيّة وقمّتها" (SC، 14).

 

34- معيار ثالث، بناء على الخبرة الفريدة التي قامت بها تريز في الكنيسة، يمكننا أن نقترحَ، بَعد، مفتاحًا آخر لقراءَة آثارها: أن نأخذَ بعينِ الاعتبار ضرورات الكنيسة الحاليّة، جاهدين في إيجاد حلول طيّها، وخاصّة في حقلي الروحانيّة والتبشير بالإنجيل، شرط احترام الأعمال التّنسيقيّة بين تعاليم الكنيسة، التي أعقبت المجمع الڤاتيكاني الثاني، والتي أعيد التّذكير بها في "الحياة المكرّسة": التّكريس، والمناولة، والرسالة.

 

35- إنّ آثار تريز تصف أسلوب حياة أخويّة ذات مغزىً خاصّ بمجتمعنا الحيث المطبوع بالفرديّة، بينما علامات التّواحد يجب أن تكونَ فيها أوضح. وأقوى من أيِّ وقتٍ مضى، وأقدر على التبشير بأخوّةٍ كونيّة. وشهادة الحيواة المعاشة بامتلاء في الفقر، والعفة، والطاعة، يجب أن تكونَ إحدى هذه العلامات: "لقد قرَّرتُ أن أقومَ بالقليل، القليل، الذي كان في متناول يدي، أي أن أتبعَ النصائح الإنجيليّة بقدرِ ما يمكن من الكمال، وأن أحاولَ التوصّلَ إلى جعلِ الرّاهبات المعدودات الموجودات هنا يقمن بالشيء ذاته، واثقةً بكبير عطف الربّ الذي لا يمكن ألاَّ يمدّ يدَ العون لمن يقرِّر ترك كلُّ شيء لأجله" (ط. 1، 2؛ ح. م. 87).

 

36- هناك مفتاح آخر لقراءَة آثار تريز، وهو البعد الرسولي والتبشيري الذي يُستشَفُّ من حياة القديسة وآثارها، متيحًا رؤية مدى سرِّ الفصح الذي عرفَت أن تحياه كينبوع كلِّ تبشيرٍ إنجيليّ، ومنيرة عقولنا بذلك، لإدراك الخدمة الرسولية التي تتطلّبها الكنيسة اليوم من الحياة المكرّسة، كما يعرضها لنا القسم الثالث من الحياة المكرّسة.

 

37- في النهاية، كون قناعتَنا راسخة بأنّ آثار القدّيسة تحتوي على رسالة تصلح لعصرنا، وللثّقافات كافّة، فلتكن دعوة لنا قراءَتها بمنظار اليوم، وبحساسيّة دينيّة وثقافيّة جديدة، آخذين بعين الاعتبار مختلف قرائن الرهبنة ثقافيًّا ودينيًّا. فإطار مثل هذه القراءَة يمكن أن يكونَ شبيهًا بالإطار الذي نراه ينمو ويتطوَّر في وثيقة المجمع العام 2003: سائرون مع تريز ليسوع والقدّيس يوحّنا للصّليب، ومنطلقون، ثانية، من الجوهر (n.n. 60-64؛ 74-78).

 

ثانيًا: اقتراحات عملانيّة.

 

38- إستنادًا إلى دليلٍ أعدّته لجنة عيّنها مجمع المدبّرين، يُقرأ في الرّهبنة، كلّ عام، أثرٌ من آثار الأمّ القدّيسة، تريز ليسوع، جماعيًّا، وإفراديًّا كذلك، إبتداء من العام 2010، وحتى العام 2015. وتتوّج القراءَة الجماعيّة، إن أمكن، باحتفالات، أو بأسابيع نشاطات روحيّة، أو بمؤتمرات مشتركة بين أنظمة مختلفة حول آثارها، إلخ... أيًّا تكن وسيلة التّتويج، ستشكّل موضوع اجتماعٍ سنويّ في كلِّ دائرة لاقتسام مفاعيل هذا المشروع وتقييمها.

 

39- أمّا تراتبيّة قراءَة الآثار التريزية ستنتظم على الشكل التّالي: "الحياة" (2009-2010)؛ "طريق الكمال" (2010-2011)؛ "القوانين التأسيسية" (2011-2012)؛ "المنازل"، بمناسبة ذكرى إنشاء مؤسسة القديس يوسف الآڤيلية، الخمسين بعد الأربع مئة (2012-2013)؛ "العلائق الروحية"، قصائد ورسائل _2013-2015).

 

40- إنّ الغاية التي نسعى إليها بواسطة الإصغاء إلى كلمة القدّيسة تريز، هي أن نوقظَ داخل الأفراد والجماعات تجذّرًا لوجودنا المسيحي من وجهة نظر بيبلّية وإنجيلية، كما نهدف إلى أن نكوّنَ غنى إيماننا بالاتحاد مع الكنيسة. وبصفتنا محاورين حاليّين للقدّيسة تريز، علينا أن نتمكّنَ من تلمّسِ مدى مساهمة ثمار علاقتنا بآثارها في تطويرِ حياتنا، كوننا أبناءَ كرمل تريز، تطويرٍ مصحوبٍ بتأثيرٍ فعّال شبيهٍ بالتأثيرِ الذي كان القدّيس غريغوريوس الكبير ينسبه إلى تأثير الكتب المقدّسة، الذي ينمو مع الذي يقرأها بنسبةِ إيمان القارئ ومحبّته. وقراءتنا لآثارِ تريز سيوجهها انتباهنا إلى ما هو ملائم فعلاً لحياتنا، بدل أن تكونَ قراءةً منهجيةً منتظمةً.

 

41- مجلس المدبّرين سينشئ لجنةً مركزيّة، مهمّتها الرئيسية ستكون إعدادَ مرشدي قراءَةٍ، أو تأمينَ احتياطَ معوناتٍ ماليّةٍ لإقامةِ نشاطاتٍ، كلّ عام، تمامًا كما لتفعيلها، ولتنسيق المبادرات التي تطرأ في مختلفِ الأقاليم، ونشرها، وقل تعميتها.

 

42- علينا أن نوسّعَ دائرةَ القراءة، بغية إغنائها، ابتداء من الأفراد والجماعات، وحتّى الكرمليّين الحفاة، والكرمل العلمانيّ، والعائلة التريزيّة، والعلمانيّين. وفي الوقت عينه، علينا أن نوليَ دفعًا خاصًّا، في جماعاتنا الرهبانيّة، وفي حقول رسالتنا، لقراءَةِ آثار القدّيسة تريز قراءَةً تقوم على تبادل الآراء حولها.

 

43- علينا أن نُحدث موقعًا الكترونيًّا ليتيحَ، بفضل التقنيات الحديثة، نشرَ أثارِ الأمّ تريز، بغيةَ تعميم قراءَتها كونيًّا ضمن الحدود الممكنة.

 

44- علينا أن ندعمَ طاقةَ Avila، بصفتها مركزَ استقبال الحجّاج وبخاصّة الشّباب منهم، إنطلاقًا من مجلس المدبّرين، وبالتّنسيق مع دير "Santa" (مسقط رأس القديسة تريز)، ومؤتمر الرؤساء الاقليميّين والـ CITeS الأسبانيّ. وفيه، يجب اقتراح برنامج رعائيٍّ قابل للانتشار في مراكز تريزية أخرى لها دلالاتها الخاصّة، ويشمل رحلات حجّ، وأيّام صلاة وإعداد، إلخ... فبهذا المعنى، نردّ التّحدّي الذي ستمثّله احتفالات أيّام الشبيبة العالمية في مدريد عام 2011، كمناسبة مميّزة للتعريف بوجه القديسة تريز وآثارها.

 

45- علينا أن نكملَ هذا الاقتراح الرّعائي، بالاعتماد على مراكز تنشئة أخرى في الرّهبنة، من مثل مركز Teresianum، من أجل توفير نشاطات ثقافيّة، شبيهة بتنظيم دروس، ومؤتمرات، ولقاءَات، وحلقات دراسيّة، معدّةٍ لاختصاصيّين في الترجمة، ولباحثين في المواد التريزية. ومن المهمّ إجادة تكوين اقتراحات عملانيّة قابلة للتّطبيق وللتّحقيق في مختلف الدّوائر، وفي مراكز دراسة اللاهوت الروحي، إلخ...

 

46- علينا، اقلّه مرّة واحدة خلال رئاسة السنوات الست القادمة الاحتفال بقيام مجلس مدبّرين فوق العادة، يكون أحد مواضيع دراسته، تقييم فعاليّة مخطّط القراءَة هذا.

 

47- علينا تثبيت "نصّ معتمد" لآثار القدّيسة تريز، كما علينا تثبيت "طريقة عمل" لربح المستجدّات فيه، وبخاصّة ما قد يستجدّ اكتشافَه من رسائل ومقطوعات أخرى، بغية توحيد الاستشهادات في النصّ الأصليّ، وفي التّراجم. وعلى مجلس المدبّرين تولّي مباشرة هذه المهمّة، والفراغ منها في أقرب وقت، بعد أن يكونَ قد تداول بشأنِها مع خبراء ودور طباعة ونشر.

 

48- علينا أن نطلقَ، على يدِ مجلس المدبّرين، طباعة آثار القديسة تريز في مختلف اللغات، وبأحجامٍ شعبية- اقتصاديّة.

 

خلاصـة

 

نحن مصمّمون، بفضل قراءَة آثار القديسة تريز ليسوع، هذه القراءَة المبرمجة حسب النّحو المشار إليه، على أن نجدّدَ وعيَنا المواهبيّ لخدمةِ الكنيسة والبشريّة الحاليّة، وقد ترسّخنا في الإيمان، بفضل خبرتنا الله الحيّ الذي احتفظ لنفسه، في داخل كلّ شخصٍ، وهو يخلقه على صورته ومثاله، بمساحة يجعل منها مقامه هناك. فرغبتنا القصوى هي أن نحيا القيم التريزيّة من جديد، وأن نتقاسمها: من فهمها لله وللإنسان، إلى فكرتها حول الصّلاة التأمّلية، إلى انفتاحها على أحداث عصرنا، إلى مسؤوليتها الكنسية، إلى روحها الرسولية. خلاصة القول، نريد أن ننفتح معها على "جمال النفوس التي يجد الربّ فيها كامل متعته" (7م. 1، 1). ويسعنا تحقيق كلّ ذلك بفضل وعيٍ متجدّدٍ لكرامة كلّ واحدٍ منّا. بناءً على هذا، ستتوفّر لنا رؤيةٌ إيجابيّة، متفائلة للإنسان المعاصر. وتصرّفنا سيكون خلاّقًا لبناء ملك يسوع المسيح، بقدر ما سيكونه للتبشير بسماءٍ جديدةٍ وبأرضٍ جديدةٍ. "فعظائم الربّ لا تحدّ، وصنائع يديه لا يسعها أن يكون لديها ذرّة منها". والربّ لم يتوقّف عن الفعل. فهو باقٍ سيّدَ التّاريخ. وتقدمتنا التريزيّة، بدورها، تبغي أن تكون اقتراحًا هامًّا، يشعر الكرمل بضرورة القيام به، كيما يتمكّن إنسانُ الألفيّة الثالثة من أن يصبح صوفيًّ، إنسانٌ، بعد أن خبر الربّ، ووجد معنى حياته الحقيقي. يتحرّق شوقًا لاقتسام اكتشافه مع معاصريه.

 صلاة ترفع إلى القديسة تريز ليسوعأيَّتُها الأمُّ القدّيسةُ تريز ليسوع !يا مَن صرفتِ ثوانيَ العمرِ في خدمةِ الحبِّ؛علّمينا كيف نسلكُ دروبَ صلاةِ التأمّلِ طيَّ الضلوعِ بعزمٍ لا يلينُ وأمانةٍ لا تعرفُ الخيانةَ،وعيونُنا رانيَةٌ إلى الإلهِ الثّالوثِالحاضِرِ أبدًا في عمقِ أعماقِ كيانِنا. أَرسي في وجداتِنا أساسَالتّواضعِ الحقيقيّ،والتجرّدِ المتجدِّدِ دونَ انقطاعٍ،والمحبّةِ الأخويةِ المتحرّرة من كلِّ شرطٍ،فلا نبرحَ، العمرَ، مدرسةَ أمِّنا العذراءِ مريم. أوقدي في أحشائِنا نارَ عشقِكِ الكنسيةَ الرسوليِّ الذي لا ينطفئُ؛وليكنْ يسوعُ فرحَنا،ورجاءَنا، وديناميّتَنا،وينبوعَ حميميّتِنا الأبعدِ غورًاوالذي لا يعتريه نضوبٌ. باركي عائلتَنا الكرمليّةَ الكبرى،علّمينا أن نهتفَ وإيّاكِ، بكلِّ جوارحِنا:"أنا لكَ، ربّي، لكَ ولدتُ"فما عساكَ تودُّ أن يكونَ مصيري ؟" 

 

آمين!

 L. D. V. M.  

 

  

 

 


 

 

صدور الكلمات المعتمدة

 

آثار القدّيسة تريز ليسوع

 

 ط.           =  طريق الكمال، مخطوطة فلاّدوليد (Valladolid) 

                  (ط. ك.= طريق الكمال، مخطوطة الأسكوريال)

 

ع.           =  علائق روحيّة

 

ق. أ.        =  قانون أساسيّ

 

أس.          =  أساسات

 

م.            = كتاب المنازل (م1، م2، م3، إلخ = الأولى، الثانية، الثالثة، إلخ...)

 

آ.            =  آراء حول محبّة الربّ

 

ح.           =  الحياة

 

وثائق أخرى

 

ت. ك.      = تعليم الكنيسة الكاثوليكيّة

 

ق. ض.      =  قوانين وضوابط تطبيقيّة لدى "الأخوة الحفاة" المنتمين إلى رهبنة سيّدة الكرمل الجزيلة الاحترام.

 

ك. ا.        =  كلمة الله

 

ن. إ.        = نشر الإنجيل

 

ش. إ.        =  شهادة للإنجيل

 

ع. م.        =  علاقات متبادلة

 

إ. أ. ج.     =  إتحاد الألفية الجديدة

 

م. ك.        = المحبّة الكاملة

 

ح. م.       =  الحياة المكرّسة

 

وثائف أخرى

 

م. ق. ت.   = مركز القديسة تريز العالمي – سان خوانيست.

 

Document en français
 

 
Carmes Déchaux - Liban -