|

تريز المربية
1-تريز المربية والمرشدة إلى اختبار سر الله
برهنت الأم القديسة تريزا، من خلال الكثير من الأحداث والنصوص، عن معرفة قوية وثابتة وأكيدة بالنفوس. وهذا يؤكد أن لديها معرفة نفسية كاملة ومتطورة. وهي كانت تملك، وما زالت من خلال كتاباتها ورهبانيتها، قدرةً على التربية مميزة، لا ترتكز على منهاج معين، بل على قدرة الحب الأمومي.
يمكننا أن نسأل ذواتنا حول هذه المسيرة التربوية التريزية:
ما هو الهدف الذي تريد أن تصل اليه تريز مع بناتها وأبنائها؟
ما هي الوسائل التي يجب ويحسن استعمالها للوصول الى الهدف؟
أين نحن الآن من الهدف؟
ويمكننا أيضاً أن نلحظ الطاقة التربوية التي كانت تتحلّى بها الأم القديسة، من خلال:
الطاقة على التعامل مع الواقع والتناقضات التي تفرضها المسيرة الروحية؛ وهذا ما نسمّيه الليونة أو المرونة والوضوح في الرؤية.
القدرة على الجمع بين الطاقة العملية الفعالة والعاطفة الحقيقية: الذكاء المشاعري حسب العلوم النفسية الحديثة. فالأم القديسة تعرف الهدف وتعرف كيف تصل اليه وتوصل الآخرين معها.
والذي يريد أن يقود الآخرين من أفراد وجماعات، عليه أن يحبّهم ويُظهِر لهم هذا الحب مع التقدير.
إن التربية بالنسبة للقديسة تريزا هي نشاط أمومي يتجذّر في الحب، وينتج الحب. فالحب هو وحده العنصر الفاعل؛ والحب وحده قادر على العطاء، وهو قادر على الخلق والخصب.
وقد حصلت الأم القديسة تريزا على هبة الأمومة الروحية تجاه عائلتها الرهبانية والكنسية الكبيرة. يمكننا أن نطبّق عليها الكلمات التي تصف بها الحب الروحي في كتاب طريق الكمال (طريق، 7). إنه الحب الخارق. غريبٌ أمر هذا الحب الجارف، كم من الدموع يكلّف، وكم من تقشفات وتأملات... [1]. كل ما يتمناه هذا الحب ويرغب فيه أن يرى النفس المحبوبة غنية بخيرات السماء.
من بين العناصر الأساسية التي تكون شخصية المؤسسين، هي تلك الطاقة على التعبير عن مضمون هذه الموهبة الخاصة. فأن نعيش اختباراً لا يعني أننا قادرون على التعبير عن مضمونه؛ أما القديسة تريزا الأفيلية، فهي تجيد التعبير عن اختبارها وموهبتها من خلال الكلمات والمواقف الحياتية. ويمكننا أن نقول اليوم في القرن الحادي والعشرين أن القديسة تريزا الأفيلية هي حيّة اليوم وتتفاعل مع الكنيسة من خلال اختبارها، من خلال كتاباتها وكذلك من خلال عائلتها الرهبانية الواسعة الانتشار. فالأم ما زالت تربي وترافق وتعتني اليوم بكل من شاء أن يغامر ويسير في طريق الصداقة الحقيقية مع الله.
يمكننا أن نتابع مواصفات هذه "المعلمة في التربية والتنشئة"، مع القديسة الشهيدة إديت شتاين[2]، التي تصفها بأنها تملك المواهب الطبيعية منذ المرحلة الأولى من طفولتها وشبابها وبدايات الحياة الرهبانية الكرملية. فالاستقامة الخلقية والتأثير الإيجابي على جميع الذين يحيطون بها، والسهولة في قيادة الآخرين التي امتازت بها شخصيتها، كلها صفات يملكها القادة والمربين.
كانت تريزا شخصاً فعالاً في الجماعة الكبرى وفي حلقة الأصدقاء الخاصة، لأنها كانت توحي بالثقة للجميع.يمكننا أن نصفها بقديسة الصداقة. وقد استفادت تريزا من هذه المواهب وجيّرتها في خدمة التأثير الإيجابي مثل: تعليم والدها الصلاة العقلية، التأثير على الكثير من الراهبات والكهنة في مسألة السيرة الشخصية واختبار الصلاة العقلية.
ففي تجديد الرهبانية تحوّلت الطاقة والموهبة لدى الأم القديسة، نوعاّ ما، إلى مهنة حقيقية في تربية الجيل الجديد من الراهبات اللواتي اتبعن نمط الكرمل التريزياني. علينا أن نرافق بدايات هذا التجديد وكيف حدث في نفسها:
رؤيا جهنّم: (سيرة 32، 1-3): "انفطر قلبي من تلك الرؤيا شفقةً على النفوس العديدة الهالكة، وكسبتُ اندفاعاً شديداً لفائدة النفوس، ... فلا أدري كيف يهدأ بالنا إذ نرى الشيطان يجبر العديدين من النفوس معه كل يومٍ الى العذاب الآخر، وهو عذاب مقيم" (سيرة 32، 6). من هنا رغبتها بالقيام أكثر ما يمكن من أجل خلاص النفوس.
بعد أن شاهدتُ ما شاهدتُ وأمورًا أخرى عظيمةً وسرِّيَّةً أراد الربّ، بجودِه، أن يكشِفَها لي عن المجدِ الذي يناله الأبرارُ والعِقابِ الذي يَنزِلُ بالأشرار، كان هاجسي أن أجدَ طريقةً ووسيلةً لأستطيعَ التكفيرَ عن هذه الشرور الكثيرة وأستحقَّ أن أنال هذا الخيرَ العظيم. كنت أبتغي الهرب من الناس، وأنتهي من ابتعادي عن العالم ابتعادًا نهائيًا. ما كان روحي ليسكُنَ، وما كان انشغالُه قَلِقًا، بل عذبًا. كان يُرى واضحًا أنَّه من الله وأنّه، عزّ وجلّ، أعطى النفسَ حرارةً لِتَهْضِمَ أطعمةً أثقلَ ممّا كانت تأكل. كنتُ أتساءَل حول ما أستطيع أن أصنع حبًّا بالله، فأرتأيتُ أنَّ واجبي الأوَّل تلبيةُ دعوته، عزّ وجلّ، إيّاي إلى الرهبنة وذلك بحِفظي القانونَ على أكمل وجهٍ أستطيعه. كان في الدير الذي اسكنه العديدُ من خادماتِ الله يعمَلْن له بأمانة، إلاَّ أنَّ الفقرَ المدقِعَ كان يدفع الراهباتِ لأن يَمضِين غالبًا إلى أماكِنَ نستطيعُ العيشَ فيها باستقامةٍ وتقوى. وما كان القانونُ ساريًا في صرامتِه الأولى، بل كان يُطَبَّق كما في الرهبنة كلِّها، وفقًا لبراءَةِ التلطيف البابويّة . ومن المساوِئ في رأيي، أنّي كنتُ أعيشُ في رفاهيَّةٍ لأنَّ الدير فسيحٌ وممتِعٌ. إلاَّ أنّ الخروجَ من الدير على إكثاري من الإلتجاء إليهن كان بالنسبة لي سيّئةً كبيرة؛ فإنَّ أشخاصًا، ما كان للرؤساءِ أن يَرُدّوا طلبَهم، كانوا يرغَبون في أن أكونَ بصُحبتهم؛ وبناءً على لجاجتِهم، كان الرؤساءُ يأمرونني بالخروج. وحسبَما كانت الأمورُ تَترتّب، كان يُمكن أن لا أعيشَ في الدير إلاَّ قليلاً، لأنَّ الشيطانَ كان يساعد كيلا أمكثَ فيه لأنَّني كنتُ أُطلِع بعضَ الراهبات على توجيهاتِ مرشدِيَّ لي فيستفِدْنَ فائدةً كبيرةً. (كتاب السيرة 32/ 8-9)
هكذا ولدت فكرة تأسيس دير جديد تكون غاية الراهبات فيه عيش الأمانة للرب من أجل خلاص النفوس. ومع بدايات الرهبانية الجديدة بدأت تريزا بتربية الجيل الجديد من الراهبات. كان ذلك سنة 1567.
إن الهدف الأساسي الذي وضعته تريزا في برنامجها التربوي لا يصلح تطبيقه مع جميع الأشخاص، بل يلزمه نوعٌ معيّن من الراهبات يتناسبن مع العمل؛ وتريزا تحدد الهدف وتميّز الأشخاص. إنه نمط حياة تكون الصلاة فيه هي المركز والأساس، كما يقول القانون الأول للكرمل: "ليمكث الراهب (أو الراهبة[3]) في قلاّيته يتأمّل شريعة الرب نهاراً وليلاً وساهراً في الصلاة، إلاّ إذا كان منشغلاً بأمور أخرى مشروعة". والقديسة تريزا تولي القانون الأول أهمية كبرى في حياتها ورهبانيتها الجديد؛ هذا ما نسمّيه اليوم في لغة كنيستنا المعاصرة، العودة إلى الجذور. إنه مبدأ مهمّ جداً لأنه يعتمد على الغاية الأساسية التي من أجلها ولدت العائلة الكرملية؛ وبينما لا يفهم أفراد عائلة معينة الغاية الأساسية لوجودهم في الكنيسة، كما أعضاء الجسد، فهم لن يتمكنوا يوماً من القيام بواجبهم كما يجب.
"واضح أن طريق الكمال هنا خفيف الاحتمال (دير مار يوسف)، سهل الإتباع، وقد أُعدّ كلّ شيء أحسن إعداد ليعيش فيه دائماً من يريدن أن يتنعّمنَ في العزلة مع عريسهنّ المسيح" (سيرة، 36، 29).
إنّه لعزاءٌ لي فائقُ الحدّ أن أراني منزويةً، هنا، بين نفوسٍ تجرّدت عن الدنيا هذا التجرّد، ولا يتذاكرن إلاَّ الوسائل التي تؤدّي إلى التقدّم في خدمة الله. عزاؤهنّ الوحدة، وعذابهُن التفكيرُ في مقابلة أحدٍ لا يساعدُهنّ على إيقاد حبِّ العروس فيهنّ، ولو كان من ذوي القربى الأدنين . وعليه، فليس يقصد هذا البيتَ سوى من يخوض في هذا الحديث، وإلاَّ فلا هو ينشرح صدرُه ولا هنّ يجدن مسرّة. لا يَخُضْنَ في حديثٍ إلاَّ عن الله، لذا لا يفهمنَ ولا يفهمهنَّ إلاَّ من كان هذا احديثَه. نلتزم قانونَ سيِّدة الكرمل، ونتقيّد به دون تلطيف بل كما فرضه الأخ هوغو، كردينال سانتا سابينا، ونُشِرَ سنة 1248، في السنة الخامسة لحبرية البابا زخيا الرابع. (كتاب السيرة 36/26)
ويمكننا أن نقرأ هنا لائحة المواصفات التي وضعتها الأم القديسة والمؤسسة للرهبانية الجديدة، للراهبة الكاملة في التأسيسات 12، 1-2 و5-7.
دخلت هذا الدير، قبل دونيا كاسيلدا، صبيّةٌ تربطها بها علاقة قربى بعيدة تدعى دونيا بياتريث أونييث[4]، أدهشت الراهبات جميعًا بما حباها الربّ من فضائل. وتؤكّد الراهبات والرئيسة أنّها طيلة حياتها معهنّ لم يريد لديها قطّ ما يمكن اعتباره نقصًا، ولم يرينها قطّ تنفعل تجاه أمرٍ ما، بل تعيش في حبور هانئ يفصح بوضوح عن اللذّة الباطنيّة التي كانت تنعم بها نفسها. صمتها لا يَنمُّ عن حزن، وسكوتها الدائم تقريبًا ما كان يبدو ناجمًا عن باعث خاص. لم يُسَجَّل عليها أنّها تلفّظت بكلمة تؤاخذ عليها، ولم يلاحَظ لديها تشبّثٌ بأمر، ولا محاولةٌ لتبرير ذاتها، ولو أنَّ الرئيسة، رغبةً منها في امتحانها، حاولت اتِّهامها بما لم تفعله، كما هي العادة في هذه الأديار وذلك للتعويد على الإماتة. ما تذمّرت قطّ من شيء أو من إحدى الأخوات، ولم تُظهر نفورًا لواحدةٍ بحركة أو بكلمة، كائنًا ما كانت الوظيفة التي تشغلها، ولم تترك مجالاً ليخطر ببال أحد أنّ نقصًا ما يعتريها، ولم توجد لديها هَفْوَةٌ تُشكى في الاجتماع الدوري، على كون الناظرات يعرضن أشياء تافهة جدًّا لاحَظْنَها. كان الانسجام بين الباطن والظاهر لديها، في كلِّ شيءٍ، رائعًا، ناجمًا عن استحضارها الدائم للأبدية ولما خلَقَنا الله من أجله. ما كان فمها ينفكّ عن اللهج بحمد الله وشكره شكرًا جزيلاً. والخلاصة: أنّها كانت تعيش في تأمّل دائم.
ما أتت قطّ هفوةً ضدّ الطاعة، بل كانت تنفّذ كلَّ ما تُؤمَرُ به بسرعة، وكمالٍ، وحبور. عِظَمُ محبتها للقريب كان يحملها على القول إنّها مستعدّةٌ، من أجل كلِّ واحد، أن تُقطَّع ألف قطعة مقابل أن لا تهلك نَفس، وأن يتنعَّمَ الجميعُ مع "اخيهم يسوع المسيح" كما كانت تدعو ربَّنا. لقد احتملت مشَّقات هائلةً ناتجةً من أمراضٍ جسيمة، كما سأقول فيما بعد، وقاست أمراضًا مبرِّحةً بصبرٍ وسرورٍ لا مَثيلَ لهما، وكأنّها تنعم بأفضالٍ ولذّاتٍ كبيرة. لا شكّ أن ربّنا أجزل لها عطايا الروح، فلولاها، لاستحال عليها أن تحتملَ بذلك الفرح ما كانت تحتمله.
كانت تتداول مع الرئيسة في جميع الشؤون الروحيّة فتشعر بارتياح. وطيلة مرضها لم تُزعج أحدًا أدنى إزعاج، وما كانت تفعل إلاَّ ما تريده الممرِّضة ولو كان شرب قليل من الماء فقط. ومن الطبيعي أنّ نفوسًا تمارس تأمّل تشتهي الآلام إذا كانت لا تعانيها؛ أمّا أن تبتهجَ بالآلام حين تكابدها، فهو شأنُ القليلِ من النفوس. أمّا هي، فكانت تقاسي ضيقًا شديدًا؛ ولم يَطُلْ بها الأمرُ حتّى قَضت أجلها وهي تعاني من آلام مبرّحة ومن وَرَمٍ أخَذَ بحنجرتها فحال دون أن تستطيع البلع. وكان قائمًا بقربها بعض الأخوات؛ وحين شرعت الرئيسة تُنشِّطها وتشجِّعها لتحتملَ ألمها الشديد، أجابتها أنّها لا تشعر بألم، وانّها لا تبدِّل مرضَها بصحّةِ أيّةٍ من الأخوات الصحيحات. وكان الربّ الذي تقاسي من أجله حاضرًا لديها أيّ حضور، فتموِّه ما استطاعت التمويه كي لا تلاحظَ الأخواتُ شدَّةَ آلامها. وعليه، نادرًا ما كانت تتأوّه، إلاّ حين يُرهِقُها الألم.
ما كانت تخال أنَّ في الأرض ما هو أحقر منها، فكانت، بالتالي، تُفصِحُ في كلِّ حال عن تواضع عميق؛ وإذا ذُكرت فضائلُ أشخاصٍ آخرين أمامها تبتهج كثيرًا جدًّا، وتبالغ في ممارسة الإماتات. وتتحاشى ببراعة كلَّ ما يسلّي، فلا يُدركُ ما تفعلُ إلاّ مَن كان متنبّهًا لذلك. لا يخال أنّها كانت تعيش مع الخلائق أو تتعاطى معها لأنّها ما كانت تعير شيئًا اهتمامًا. وكيفما تقلّبت الأحوال، كانت تجابهها بسلام فتُرى دائمًا منبسطةَ الأسارير، حتى قالت لها أختٌ ذات يوم إنّها تذكّرها بأولئك الأشخاص الكرام الكرام الذين يفضّلون الموت جوعًا على أن يشعرَ الآخرون بحالهم؛ فإنّ أخواتِها ما كنَّ يستطعنَّ أن يصدّقن أن لا شيءَ يكدّرها أبدًا ولو لم تظهر عليها ملامحُ الكَدَر.
كانت تقوم بجميع الأشغال والوظائف، وهدفها أن لا يفوتها الاستحقاق، فتقول للأخوات: "إنَّ أدنى شيءٍ نعمله ذوُ ثمن لا يقدَّر إذا عملناه حبًّا بالله؛ يجب أن لا نحرّك عيوننا، يا أخواتي، إلاّ لهذه الغاية أو لإرضائه". ما كانت تتدخّل قطّ في شؤون لم توكَلْ إليها، فلا ترى نقصًا في غيرها، بل فيها، هي. كانت تحزن أيَّ حزن إن قيل فيها شيءٌ صالحٌ حتى إنّها ما كانت تثني على أحد بحضوره كي لا تسبِّبَ له غمًّا. ما التمست سلوةً قطّ في خليقة، ولا ذهبت إلى البستان سعيًا إليها؛ ففي رأيها أن التماسَها تخفيفَ الآلام التي يرسلها إليها ربُّنا وقاحة؛ وعليه فما كانت تطلب شيئًا بل تكتفي بما يُعطى لها. ومن أقوالها أيضًا إنّها تعتبر صليبًا كلَّ تعزيةٍ خارجًا عن الله. والخلاصة، إنّني استطلعت راهبات الدير أمرَها، فما وجدتُ واحدةً رأت فيها شيئًا إلاّ وهو صفة نفسٍ بالغةِ الكمال. (التأسيسات 12/1-2 و5-7)
إن القِيَم الأساسية التي تبني عليها القديسة تريزا تربيتها الروحية والرهبانية هي: التواضع، الطاعة، محبة الأخوات، التخلّي عن العالم والمخلوت وعدم التعلق بالأهل والكرامة التي تأتي من العالم، محبة الله، محبة النفوس...
هذه القِيَم موجودة في كتاب طريق الكمال بشكل خاص، وهو الكتاب التربوي بشكلٍ مميز، وفي القوانين التي وضعتها القديسة، وهي تحدد نظام حياة الراهبات في الدير، والأولويات الأساسية فيه.
إن ما يهمّنا في حديثنا هنا هو كيف تقوم تريزا بتعليم الصلاة التي هي قلب برنامجها التربوي والرهباني، لا بل يمكننا أن نقول أنها القلب بالنسبة للجسد بالنسبة للكنيسة جمعاء، حسب رأي تريزا الأفيلية.
الأمر لا يتعلق هنا بسرد الأحداث والإختبارات الشخصية في صلاة تريزا الأفيلية، وليست المسألة أن نحدد لاهوت الصلاة حسب اختبارها الخاص (أي كيفية وصف الصلاة كلقاءٍ محوِّل وحيويّ وشخصي)، بل غايتُنا هنا هي أن نتكلّم عن التربية على الصلاة.
"أنا عانيت الكثير وأضعت زمناً طويلاً لجهلي ما كان عليّ أن أعمل؛ وتحزنني أيّما حزنٍ نفوسٌ تشعر بذاتها وحيدة حين تبلغ إلى هذه الحالة. لقد طالعت العديد من الكتب الروحية تتناول هذا الموضوع، لكنها لا تفي بالمرام. ولئن أفاضت النفس في شرح حالها، فإذا لم تكن متدرّبة جداً تجد صعوبة جمّة في فهم حالها." (سيرة 14، 7)
فالمعلّم الحقيقي يعلّم من خلال العيش وليس من خلال الكلام أو الصلاة فقط. أي أنه يهتم بتنشئة الإنسان المصلّي اولاً، أكثر من ممارسة الصلاة في حد ذاتها. هذا ما يشير لدى تريزا، إلى نظرة خاصة للصلاة المسيحية. فإذا راجعنا كتاب طريق الكمال نرى تريزا تتكلّم عن "أمور تناسب نمط الحياة وطريقتها في هذا الدير"
(طريق الكمال صفحة 30-31)
إنه تعليم الصلاة التريزي، والذي يريد أن يمارس الصلاة أو أن يعيش الصلاة، عليه أن يكسب الحرية في علاقته مع نفسه، وفي علاقته مع إخوته، وكذلك في علاقته مع الله.
طريق الكمال: 19، 4
سيرة 13، 1؛ 16، 8؛ 24، 8
ويمكننا أن نضيف، أن من يرغب في عيش الصلاة، عليه أن ينظم حياته بكاملها من الأساس حسب المبادىء التالية: محبة القريب، التخلي عن الأنانية، العيش في الحقيقة. ومن دون هذه المبادىء والقواعد الأساسية لا نقدر على أن نعيش الصلاة- الصداقة؛ فالمصلّي لا يصبح ما هو عليه بدون هذه المقومات. والدعوة إلى أن نكون رجال صلاة لا تعني أن نمارس الصلاة فقط؛ إن تريزا تريد أن تحرر أعماق الإنسان، لكي يعطي ذاته بكلّيته لله في علاقة صداقة.
محبة القريب:
قبل أن نصل الى الله، علينا أن نجيد التعامل والمحبة مع القريب. "أحبب الرب إلهك... أحبب قريبك حبك لنفسك". فمحبة القريب التي تدعم العلاقة مع الله وتجعلها ممكنة، ليست كأي محبة، إنها محبة لاهوتية، أي أنها مؤسسة على الله وهدفها دوماً هو الله، والفاعل الأساسي فيها، هو الله (لأنها قائمة ومعتمدة على الإيمان).
ليست المحبة هي عواطف، وهذا النوع من المحبة متعبٌ بل وصليب، لأنه يواجه الأنانية التي توجد في داخلنا. هذا الحب يكوّن فينا الإنسان المصلّي. إن جماعة تحب بعضها بعضاً هي قادرة على أن تكون جماعة مصلّية، لأن الحوار داخل الجماعة قادرٌ على أن يتحوّل إلى حوار مع الله. وهذا النوع من الحب لا يمكننا أن نوجده بشكلٍ مفاجىء، بل يتطلّب العناية والتربية.
نصوص للمراجعة: سيرة 6، 3-4؛ سيرة 7،20-21؛ سيرة 22، 14 و17؛ سيرة 40، 19
الحرية:
إن كلّ عمل أو شعور لا يكون الله هو مصدره وهدفه في آن، يقود الإنسان إلى عبودية تجعل تحقيق مشيئة الله مستحيلاً. وتهتم الأم القديسة تريزا جداً بتحقيق مسيرة هذه الحرية في الحياة الروحية. والتحرر من أي جاذبية أو إغراء من خارج الله يتطلّب تربية على بناء العلاقات التي لا تعتمد الميل الى حب التملك. فالقلب الحر قادرٌ على حب الله والدخول في صداقة معه.
"إن الله لا يعطينا ذاته كلّياً إلى أن نعطيه ذاتنا كلّياً" (طريق الكمال 28، 12)
التواضع:
إن التواضع هو أساس البناء في حياة التأمل، لكن علينا تمييز حقيقة التواضع في حياة التأمل، لأن الشيطان يستعمل حيَلاً كثيرة لكي يدمّر النفس إذ يستعمل أفكاراً وأوهام غشاشة. فالانسان المتواضع يتيح لله لكي يكون المحرّك الفاعِل والأساسي في حياته. فالله يريد أن يقود ويدعو ويرافق، وعلى الانسان، إي المصلّي، أن يتعرّف اليه ويتقبّله. في هذا الإطار توفّق تريزا بين التواضع والفقر بالروح الذي قِوامُه أن "نجد تعزيتنا في الألم حبّاً بذاك الذي تألّم كثيراً من أجلنا".
إن المتواضع الحقيقي لا يفقد الشجاعة، فهو تأسس على صخرة النعمة ومواعيد الخلاص؛ فهو يقبل كل شيء (أحداث وتضحيات) بشجاعة وليس بخنوع وخوف. فهو يكسب قوة وجرأة لأنه يريد أن يتبدّل العالم ويتّجه نحو الله، وهو يعرف (في المسيح) حقيقة القوة التي تبعد العالم عن الله.
تطلب تريزا دوماً من بناتها أن يسعَينَ إلى تمييز التواضع الحقيقي من التواضع الزائف. وهي تقدّم بعض المبادىء التي تدل على عمل الله في حياتنا في كتاب السيرة 15، 14 يمكننا أن نستعملها كمبادىء تمييز.
علامات عمل الله: من التقدّم الذي قد تلاحِظة تلك النفوس في ذاتها تُدرك أنّه ليس من الشيطان. وحتى لو عادت إلى السقوط تبقى علامةٌ تدلّ على أنّ الربّ كان هناك، وهو نهوضُها سريعًا، وهذه العلامات الأخرى التي سأعرضها:
- عندما يعملُ روحُ الله فينا لا تكون ثمَّة حاجةٌ لأن نمضي في استقصاء أشياءٍِ تُشعِرنا بالتواضع والخجل، لأنّ الربّ نفسَه يُعطينا تواضعًا مختلفًا تمامًا عن الذي نكسِبه باعتباراتنا الحقيرة؛ وهذه ليست شيئًَا إذا ما قورنت بتواضعٍ حقيقيّ نَيِّر يعلِّمنا إيّاه الربّ هنا؛ إنّه تواضعٌ يخلق فينا خجلاً يسحق سحقًا. هناك حقيقةٌ مشهورة، هي المعرفة التي يعطينا الربّ لندرك عجزنا عن امتلاك خيرٍ ما من طبعنا، وكلّما كانت الخيرات أسمى كان عجزنا أكبر.
- وروح الله ينفح في النفس رغبةً شديدةً للتقدّم في التأمّل ولعدمِ إهماله مهما اعترض ممارسته من مشقّات.
- وتكون النفس مستعدّةً لكلّ أمر.
- يَجمعُ فيها اليقينُ بخلاصها مقرونًا بالتواضع والخوف.
- يَبعُد حالاً عن النفس الخوفُ العبودي ويحلُّ فيها الخوفُ الأمين في أسمى درجاته.
- وترى النفسُ أنّ حبًّا لله بدأ ينمو فيها مجرَّدًا عن كلّ مصلحة خاصّة.
- وترغب في أويقاتِ وحدةٍ لتزيد متعتها بذاك الخير.
مراجع: سيرة 12، 4و 7؛ 13، 4 و14؛ 21، 9-10؛ 22، 11؛ 29، 3؛
التواضع الزائف 30، 10؛
غرور المبتدئين 31، 18.
معرفة الذات
في موضوع التمييز الروحي، تلفت انتباهنا القديسة تريزا إلى حِيَل الشيطان وتجاربه لكي يوقف حياة الصلاة، ويُنهي المحبة الأخوية ويُبطل التواضع. فالشيطان الخبيث يستعمل ضعف الانسان وجهله، يستعمل رغباتِه، ويستفيد من قلّة اختباره وخبرته (سيرة 15، 10). لذلك تنصح الأم القديسة أبناءها وبناتها بالسعي دوماً إلى معرفة الذات. وهي تردد غالباً خطورة الثقة المفرطة بالذات (سيرة 19، 14)، وتسير في طريق التجرّد من ذاتها، وتعلّم على ذلك (سيرة 20، 8)؛ وتقود النفس إلى فسحة اكتشاف انعامات الله والعرفان بالجميل أمام هذه النعم والعطايا.
العزم الثابت[5]
أمام المصاعب التي تواجهها الحياة الروحية، فعلى المؤمن المصلّي أن يعتمد جميع الأساليب المنشودة والممكنة لكي يواجه وينتصر. ولكن بما أن نقاط الضعف التي تسبب فشل الانسان هي في داخله، عليه أولاً أن يكتشف هذه النقاط؛ وهنا نذكر بعضها:
- الأنانية، أي التركيز على "الأنا"
- التعلّم كيفية مواجهة المخاوف وقلّة الثقة بالذات.
- تدعيم الفضائل، لأن الانسان لا يبحث عن ارضاء ذاته في الحياة الروحية، والصلاة هي عطاء ذات مستمر.
- لقد حمل يسوع صليبه على طريق الجلجلة، وهو لم يبحث عن الراحة؛ وإذا شئنا نحن أن نتبع المسيح في هذه الطريق، علينا أن نحمل الصليب، وأن نصمم على عدم التراجع.
يمكننا مراجعة: سيرة 11، 1 و2-4
المتطلّبات النفسية
ويحتاج كل مؤمن يريد أن يكرس ذاته لحياة الصلاة إلى مواصفات ومسلكية محددة:
عليه عيش العزلة، والصمت. فالتربية على العزلة ضرورية في مفهوم تريزا الأفيلية، إذ أن العزلة المادية والزمنية هي ضرورية للتفرغ لله الحاضر دوماً معنا في حياتنا. وعزلة القليب أيضاً هي مناسبة تسمح لنا بلقاء المسيح الحاضر.
إن اختبار الصلاة في حياة الجماعة يعطيها المقدرة على إيصال اختبارات الصلاة، وقدرة التواصل في الاختبار الروحي. هذا التواصل يطال المواضيع التالية: الاصلاح الأخوي، المشاركة، المساعدة والتشجيع، الشراكة، المسيح يصبح قلب الجماعة، أهمية الصداقة في الحياة الروحية (سيرة 7، 20-21)
أهمية المرشدين في حياة الصلاة والقديسة تريزا الأفيلية تقدم الكثير من الاختبارات في هذه المادة المهمة.
2-تريزا المربية والمرافقة الى اختبار أسرار الحياة الإلهية
حقيقة الاختبار الصوفي
نريد في مطلع الكلام عن الإختبار الصوفي، أن نحدد ما هو هذا الإختبار في حد ذاته. "يسعى التقدم الروحي الى الاتحاد بالمسيح يزداد أبداً إلفةً. هذا الاتحاد يدعى "سرياً" (mystique)، لأنه يشارك في سر المسيح بواسطة "الأسرر المقدسة" وفي المسيح يشارك في سر الثالوث الأقدس. فالله يدعونا جميعاً الى هذه الوحدة الأليفة معه، وإن لم تمنح نعمٌ خاصة بهذه الحياة السرّية، أو علامات خارقة لها، إلاّ لبعض الناس لإظهار العطية المجانية الممنوحة للكلّ. (تعليم مسيحي، 2014)
إن حياة المتصوفين واختبارهم يصبح ذات بعدٍ كنسي ولاهوتي؛ وعندما تعلن الكنيسةُ تريزا ليسوع معلمةَ الكنيسة، هذا يدل على أن اختبارها أصبح في إطار المثال الأعلى بالنسبة للمؤمنين، وهو مثال يحتذى به.
مستاغوجية الخبرة:
إن كلمة "ميستاغوجية" تعني "أن يساعد المؤمن على أن يلج في سر المسيح". هذا هو دور الليترجية في الحياة المسيحية، أي أن تساعد المؤمن أن "يلج في سر المسيح، منطلقة من المرئي الى اللامرئي، ومن الدالّ إلى المدلول عليه..." (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 1075)
إن الأم القديسة تريزا تصف كتاب "السيرة" بأنه هو "نفسها" (سيرة 16، 6) "إليك وكلتُ نفسي". فهي تضع كامل اختبارها بين يدي مرشدها؛ ولكن هذه الخبرة تنتقل لاحقاً لتصبح في خدمة الجماعة الكرملية الجديدة والكنيسة: فالقديسة تريزا تكتب انطلاقاً من الاختبار (راجع سيرة 18، 8 و 23، 3 وطريق مقدمة 3)، ولكي تثير الرغبة في الاختبار لدى القارىء. فهي تحاور من خلال الاختبار؛ واختبارها يتحاور مع اختبار القارىء. والقديسة تعرف أن اختبارها لن يكون مقبولاً ومفهوماً حقاً إلا بمقدار وسع اختبار القارىء الشخصي. وهي تؤكّد أن الإختبار يكسب أهمية في بعض الأحيان تفوق الإيمان (طريق الكمال 28، 1). وهي تهتم ليس فقط بنقل المعلومات، بل بإثارة الشهية والمبادرة الى الإختبار.
والانسان المتصوف والمرافق في اختبار السر (الميستاغوجي) هو ذاك الذي اختبر سرّ الله وهو يقدر على أن يكون دليلاً لأولئك الذين يكتشفون هذا الطريق. لكن المساعدة لا تكمن في اعطاء النصائح العلمية والقواعد، بل بعرض سر الله واتحاده بالانسان بشكلٍ يسمح للسر نفسه أن يحدد مضمون الاختبار الجديد وشكله. فإن فن "الميستاغوجية" يكمن في أن صاحبه قادرٌ على إيصال سر الله الشخصي المجاني والذي يتجلّى بحرّية للذين يبحثون عنه، وليس فقط خبرته الشخصية.[6] إن "المستاغوجي" Mystagogue هو ذاك القادر على أن يساعد الآخرين على الدخول في اختبار السر المسيحي (سر الله) انطلاقاً من اختباره هو لسر. هذه الدينامية تنطلق من تعاطف روحي وشراكة حياة، تحت فعل الروح القدس.
إن الذي دخل في سر المسيح من خلال الأسرار، وتشرّب النعمة وصار مسكن سر الثالوث نبع الوجود، تتكوّن فيه المقدرة على ن يصبح حاملاً بشرياً للسرّ؛ والروح القدس يوصله للآخرين الراغبين في ذلك، في حيوية شراكة القديسين المسيحية. هكذا يمكننا تحديد الميستاغوجيا: إنها أعلى مستوى من التربية الفائقة الطبيعة والتعاطف العميق بين البشر، في سبيل خدمة الله والاتحاد به وفيه.
إن ما يميّز روح الكرمل (يوحنا وتريزا) هو ذاك الإختبار العميق للنعمة والسر المسيحي. هذا الاختبار المعيوش في اختبار صوفي، يتحوّل الى طاقة إيصال السر الى الأتباع والشركاء في الحياة عينها، دون أن ينغلق في السر أو أن ينحصر فيه. (Thomas Alvarez). إن القديس المتصوف يؤثر في الكثير من الأشخاص الراغبين في تحقيق الاختبار الروحي بشدّة؛ وهؤلاء ليس عليهم بالضرورة أن يكونوا قديسين، بل هم يرغبون بخوض الإختبار الروحي، فيجدون تناغماً في أفكارهم واختبارهم مع القديس. وأسباب هذه الجاذبية هي الدليل القاطع على أن المتصوف هو أيضاً ميستاغوجي (دليل الى اختبار السر).
ومن خلال مطالعة القديسة تريزا والقديس يوحنا الصليب، نكتشف أن اختبارهما وتعليمهما ولغتهما تلمس واقعنا، وهي حاليّة وآنية actuelle تشعر بها الكنيسة والأفراد والجماعات والثقافة أيضاً.[Federico Ruiz[7.
والقيم الأساسية التي يختبرها المتصوف والدليل في اختبار السر، هي:
المجانية المطلقة في هبة الحب الإلهي التي يختبرها دون الاعتماد على التقنيات أو المجهود الشخصي.
تشخيص قوي للعلاقات بين الله الآب والانسان يسوع المسيح بما يفوق العقائد.
العيش الشخصي في الواقع بكل الأبعاد التي تدخل الاختبار (الحيوية والحياة):
الله الحيّ
المسيح الحيّ
الايمان الحيّ
الصلاة الحيّة
الكتاب الحيّ
الانسان يكتشف الحق والحقيقة من خلال الاختبار.
هذا الاختبار محوّل وفعّال في حيويته في حياة الانسان.
سر الله الحي
الانسان الخاطىء والمتحوّل من خلال تعرضه لقوة الحب الرحيم.
الوسائط الشفافة (الأسرار، كلمة الله، الألم...)
إن المتصوف يستعمل الكلمة لكي يتكلّم مع الله، والى الله، وليس فقط عن الله. فالتواصل في حقل الحياة الصوفية والميستاغوجية، يكشف عن حقيقة الشخص، ويتكلّم عن الله وسرّه ومواهبه التي تعرّف اليها في الايمان. إنه يتواصل بشكل مستمر مع الله في حياته اليومية، مهما كانت اهتماماته الحالية. إنه يتكلم مع الله ويتوجه الى الله، ولايتكلم عن الله. إنه يملك الفعالية للتأثير، مما يجعل القارىء يشعر بأنه معني بالتاريخ والاختبار الذي يتكلم عنه ويسرده، مما يجعله ينتقل من "قارىء" ومتفرّج، إلى فاعل مدعوّ وملتزم. لذلك يسرد هذا التواصل وقائع حياة صاحبه، ويستعمل خبرته كمادّة لكي يشهد مباشرة وبشكل حيّ، على حضور وفعل الله؛ هكذا فعل القديس اغسطينوس عندما شهد بواسطة خطاياه بشكلٍ واقعي وموضوعي على حب الله الرحيم والفاعل فيه وفي حاضره.
ميستاغوجية القديسة تريزا الأفيلية
تستعمل القديسة تريزا في بعض الأحيان النبرة الشاعرية (والقصائد) لكي تدع الآخر ينغمس في اختبارها الشخصي للسرّ.
آه ! كان الله في عوني ! كيف تكون نفسٌ وهذه حالها ! لتودّ أن تكون كلّها ألسنةً كي تسبّح الربّ. تنظق بألف حماقة مقدّسة وتصيب دائمًا في إرضاء مَن جعلها في هذه الحال. أعرف شخصًا، على كونه ليس بشاعرٍ، كان يَحدثُ له أن ينظِم في الحال أشعارًا رقيقةً جدًّا تفصح عن ألمه، أشعارًا لم يكن للعقل دور فيها، بل كان يتشكّى بها إلى الله ليتمتّع أحسنَ مُتعةٍ بالمجد الذي كان يغمره به ذلك الألمُ العذب. لكان يودّ لو يتمزّق، نفسًا وجسدًا، ليبيِّنَ الحبورَ الذي يُحدثه له هذا الألم. فأيُّ عذاباتٍ تعترضه ولا يستعذب احتمالَها حينئذٍ من أجل الربّ ؟ ويرى واضحًا أنّ الشهداء ما كانوا يأتون شيئًا من لديهم لاحتمال العذابات؛ فالنفس تعرف معرفةً حقَّةً أنّ الشجاعة تأتي من مصدرٍ آخر. لكن بِمَ ستشعر هذه النفس حين تعود إلى ذاتها لتعيش في العالم وترجع إلى همومه ومقتضياته؟ (سيرة 16/4)
فالقديسة تريد أن تسرد اختبارها وفي نيتها ليس فقط أن تشهد بل وغالباً، أن توصل وتؤثّر في القارىء وتدفعه الى الاختبار الروحي. ففي كتاب السيرة تروح القصة تعبر من مرحلة الشاهدة (قصة وسرد أحداث)، الى مرحلة الحوار (حوار ظاهر وواضح)، الى أن تصبح لاحقاً حواراً تعاطفياً حيث تبحث عن شراكة حقيقية مع القارىء.
فالقديسة تريزا تكتب لكي تجتذب القارىء. إنها تُفصِح في كتاب السيرة (18/8): "لكني واثقة بأن الرب سيساعدني في هذا الأمر، لأنه يعرف، جلّ جلاله، أن قصدي، بعد القيام بواجب الطاعة، إغراء النفوس بهذا الخير الفائق السموّ. لن أقول شيئاً ما لم أكن قد خبرته طويلاً".
في بعض الأحيان يتحوّل النص، من الاختبار العميق إلى حوار مع جماعة من أفراد تعرفهن تريزا، وتتبدّل النبرات (سيرة 16/ 4). "تباركت ربي إلى الأبد! ولتسبّحك الكائنات كلّها أبداً! ويا مليكي! بما أني، وأنا أكتب ما أكتب، لست بعيدة، بفضل جودك ورحمتك، عن هذا الجنون السماوي المقدّس، وهي نعمة تؤتنيها دون استحقاق، أتوسّل إليك أن إجعل مَن أتعاطى معهم مجانين حبّك أو فلا تسمح بأن أتعاطى مع أحد...". "أتوسّل اليك، أبتِ: لنكن كلّنا مجانين حبّاً بمن وُصِمَ بالجنون من أجلنا. تقول إنك تمحضُني مودّتكَ؛ فأرجو أن تُثبِت ذلك باستعدادك ليمنحك الله هذه العطية" (سيرة 16/ 6). وهي تقول للأب غارسيا دي توليدو، في خاتمة كتاب سيرتها: "لأن حضرتك سترى ممّا كتبت، ما أحسن أن يعطي الانسان نفسه كلّها –كما بدأت تفعل- لمن يعطينا ذاته بدون حساب".
وتنتهي غالباً حوارات الأم تريزا في شطحات شعرية تعبّر فيها عن رغبتها بإيصال مشاعرها الموءثّرة:
يا ملكَ المجد وربَّ الملوك جميعًا ! ليست مملكتُك مسلّحةً بقضبانٍ، لأنّ ليس لها حدود ! ما أقلّ حاجتَنا إلى وسطاء للوصول إليك ! يكفي أن نرى شخصَك فنرى حالاً أنَّك وحدَك جديرٌ بأن تُدعى سيِّدًا نظرًا لما توحي من جَلال. لستَ بحاجةٍ لمرافقين أو حرسٍ ليُعرفَ أنَّك ملك. هنا، على الأرض، لا يُميِّز ملكٌ عن غيره إذا كان وحيدًا، ومهما يحاول أن يُعرَفَ ملكًا لا يصدِّقوه، لأنَّه لا يمتازُ بشيءٍ عن الآخرين. لذا ينبغي أن يُرى ما يحمل على التصديق؛ فوجب أن يبديَ مظاهرَ السلطة المصطنعة هذه وإلاَّ، فمن دونِها لن يعتبروه. إنَّ ملامح القدرة لا تنبعث عن ذاته، فيجب أن تأتيَه السلطة من آخرين. إيه ربّي ! إيه يا مليكي ! مَن تُراه يستطيع أن يصفَ جلالك ! يستحيل ألاَّ نرى أنَّك، بذاتِك، أمبراطورٌ عظيمٌ؛ فمشاهدة هذا الجلال تُذهلُ النفوس، لكنّ مشاهدةَ تواضعِك، ربّي، وهذا الجلالِ، والحبِّ الذي تُبديه لإنسانٍ مثلي، تَزيد من الذهول. ما إن تنقضي لحظةُ الذهول الأولى والخوفِ من جلالِك حتى نستطيعَ أن نتداولَ وإيّاك أيَّ أمر، ونحدِّثَك كما يحلو لنا الحديث، ولو لازَمَنا خوفٌ من إغاظتك أكبرُ من ذاك. لكنَّه ليس خوفًا من العِقاب، ربّي، لأنَّ هذا ليس شيئًا إزاء الخوف من خسراننا إيّاك. (كتاب السيرة 37/ 6؛ راجع أيضاً 38/21)
[1] كتاب طريق الكمال، تراث الكرمل، ص 74....
[2] تريزا بندكتا للصليب (إديت شتاين)، معلّمة في التربية ومنشّئة: تريزا ليسوع. بسببن عدم وجود ترجمة عربية للنص رجعنا الى النص الاسباني المترجم عن: Eine Meisterin der Erziehungs-und Bildungsarbeit: Teresa von Jesus. Una Maestra en la educacion y en la formacion: Teresa de Jesus, dans EDITH STEIN, Obras Completa, V Escitos espirituales, Ed. El Carmen-Espiritualidad-Monte Carmelo, Burgos, 2004, 53-78.
[3] يعود القانون الأول لرهبانية الكرمل Règle primitive للقديس ألبرتس الأورشليمي، أسقف عكا في الأراضي المقدسة، وضعه تقريباً سنة 1209 وكان المهد الذي تأسست عليه الرهبانية الكرملية في جميع فروعها. وفي البدايات تأسست رهبانية الرجال فقط، أمّا الراهبات المحصّنات فقد أسسن في أواسط القرن الخامس عشر 1452 لذلك أطلق عليهن أسم الرهبانية الثانية، وبعدهنّ فوراً تأسست رهبانية الكرمل العلماني، وهي تسمّى أيضاً الرهبانية الثالثة.
[4] Doña Beatriz OŇEZ، لبست الثوب الرهباني في ڤاليادوليد في 8/9/1569؛ أبرزت نذورها في 17/9/1570، وتوفيت بعد ثلاث سنوات.
[5] تسميه في الاسبانية determinada determinacion وهذه العبارة أصبحت شائعة في الاسبانية وتنسب الى القديسة ترزا فقط.
[6] فيديريكو رويز، اللاهوت الروحي. دينامية،
[7] يمكننا أن نذكر هنا كيف أن جميع الحضارات الدينية وخاصة غير المسيحية تعود الى اختبار تريزا ويوحنا بالنسبة لحقيقة اختبارهما الصوفي. أما بالنسبة للثقافة المعاصرة والغير المسيحية، يمكننا أن نشير الى جوليا كريستيفا التي كتبت كتاباً مهماً عن تريزا الأفيلية، وهي لا تؤمن.
|