المقدّمة

إنّا نعيش اليوم، مسلمين ومسيحيّين، في عالمٍ واحدٍ تَشتدّ فيه روابط العلاقة بين أجزائه اشتداداً يزداد عاماً بعد عامٍ، بحيث بات يتَّضح لنا أنّ حاضرنا يُضحي بنوعٍ متزايد حاضراً واحداً مشتركاً وأنّ مستقبلنا، وإن لم تَلُح بعدُ جميع معالمه وملامحه، سيكون مستقبلاً واحداً مشتركاً. وأعني بذلك حاضراً لا يجوز لأحدٍ أن يحتكره لنفسه على حساب الآخرين، ومستقبلاً مشتركاً لا يحقّ لأحدٍ أن يستبدّ به دون الاكتراث بالآخرين. بل إنّ هناك، وهذا يصحّ في الحاضر والمستقبل، واجب التضامن من قِبَل الجميع تجاه الجميع.

وما دمنا نختلف ونتخالف في الأمور العقيديّة يجدر بنا، إذاً، أنّ نُرسي أسُس التضامن بكشف القيَم الإنسانيّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة والروحيّة المشتركة بين الإسلام والمسيحيّة لتصير قاعدةً لبناء المجتمع السليم العادل الواحد المشترك الذي من شأنه أن يُنشِئ إطارَ العيش الشريف للجميع ويُحقّق العدالة ويُنشِئ السلام للجميع[1].

فيجب إذن، في تحليل جدّيّ موضوعيّ نزيه، أن نحاول الكشف عن مواقع الاختلاف في العقيدة وعن مواضع الاشتراك في المعطيات الروحيّة. وذلك لا لنَدحر روحانيّة الطرف الآخر، ولا لنُذلّ مؤمنيّ الدين الآخر، ولا لنوسّع الشقَّ بينهما، بل لنعمل على أن يغني الواحد الآخر بخبرات أبنائه الروحيّة العميقة، حتّى نصل في نهاية المطاف إلى نبذ الآراء التعسفيّة والأحكام المسبّقة التي لا أساس لها، وإلى رفع سوء التفاهم السائد بيننا.

لقد اخترت، من أجل تسهيل الحوار المسيحيّ الإسلاميّ وإيجاد أرضيّة مشتركة، مادّة التصوّف. فالمتصوِّفون يلتقون ويختلفون في آن واحد. فهناك مستوى الاختبار وملاقاة السرّ الذي لا يمكن تحديده. على هذا المستوى يلتقي متصوّفو الأديان كلّها ويفهم بعضُهم بعضاً بطريقة عفويّة، إذ إنّهم ينعمون باختبارات متماثلة. فالاختبار متعلّق بالاحوال النفسيّة وبما يختبره الإنسان في وعيه. وبما أنَّ أحوال الوعي متماثلة عند متصوّفي الأديان كلّها، يستطيع المتصوّفون أن يفهم بعضُهم بعضاً.

        أمّا المستوى الذي يظهر فيه الاختلاف، فهو مستوى تفسير الاختبارات. وهذا التفسير يقوم على التعليم والعقائد المُلزمة. وهو مستوى التصوّرات المعيَّنة الخاصّة بدينٍ ما، المتعلّقة بالله الذي يبحث التصوّف عنه ويختبره. في التفسير تظهر بسرعة الاختلافات. فالمعلّم إكهارت (ت1327) مثلاً يركّز تفسير اختباراته على أساس ثالوثيّ، فيما لا يذكر بعض البوذيّين الله على الإطلاق[2].

        إن قلنا إنّ المتصوّفين يلتقون على المستوى البشريّ، على مستوى اختباراتهم البشريّة، لا على مستوى التفسير العقائديّ، فعندها يصحّ السؤال أين تقع الحقيقة، أفي ما يختبره الصوفيّ، أم في ما يقوله في تأويله؟

         لا هذا ولا ذاك. فالحقيقة هي سرّ الله. والصوفيّ يختبر هذا السرّ بطريقته الخاصّة التي لا يمكن استعادتها، إلا إذا تمّ تفسيرها وصارت بذلك قابلة للاستيعاب.

        أمّا إسهام الصوفيّة في الحوار، فيقال فيه تكراراً إنّ غاية التصوّف، هي الوحدة في الله، وهذه توجد عند جميع الأديان، وإنّ المتصوّفين، إنّ نحن غضضنا النظر عن الأحكام الشرعيّة، يستطيعون أن يتفاهموا في ما بينهم على صعيد الروحانيّة، أكثر منهم على صعيد العقيدة المُلزمة مع بعض الاستثناءات.

لذلك اخترنا في دراستنا هذه علمين من أعلام التصوّف في الديانتين الإسلاميّة والمسيحيّة، ألا وهما: حجّة الإسلام الإمام الغزاليّ والقدّيس يوحنّا للصليب الراهب الكرمليّ، لنبيّن تقارباً روحيّاً تمّ بين هذين الفذّين، على الرغم من التباينات الكبيرة بين دينيهما وعلى الرغم من الشاسع الزمنيّ بينهما، وذلك بعد تمهيد لحقبة ما قبل كلّ منهما، ثمّ عرض سيرهما فتعليمهما الصوفيّ كلّ على حدى، وأخيرأ وضعنا مقاربة أظهرنا فيها ما يجمع بين هذين العملاقين من أمور روحيّة واجتماعيّة، واستشهدنا بعدّة نصوص للمقاربة، كي ندلّ على مكامن التشابه بين خبرتهما الروحيّة التي تغني كلّ إنسان يبحث عن الحقيقة.

إنّ همّنا الوحيد من وراء هذه الدراسة هو الوقوف عند البعد الروحيّ الذي يميّز الإنسان عن باقي المخلوقات، ذاك البعد الذي يتخطّى الزمان والمكان، ويتحرّر من كلّ سلاسل العادات والتقادليد والشرائع، ليلج في السرّ الإلهيّ ويلتقي هناك كلّ النفوس التوّاقة إلى الخير، وإلى بناء حياة أفضل تجمع البشر أجمعين، حيث يعمّ السلام والأخوّة. وهذا لا يعني أن يذوب الواحد في الآخر أو أن يتخلّى المؤمن عن دينه، كلا، بل كي يشعر المؤمن بأنّ الآخر المختلف هو أيضاً من الله وله الحقّ في أن يختار إيمانه كما يريد. وأنّ هذا الآخر ليس حجر عثرة في درب المؤمن، إنّما هو خَلْقُ الله، أيّ هو بركة من الله وإلى الله يعود.

وقد أردنا في عرضنا هذا أن نسير بعيداً عن شكل الدفاع أو التفنيد الذي ساد جولات أغلب العلماء والمفكّرين والباحثين في الماضي. إنّا نبغي الموضوعيّة وننطلق على أساس ما لدينا تجاه الدين الإسلاميّ من اعتبار وتقدير، فاعتمدنا في دراستنا هذه على مصادر ثقةٍ[3] تعبّر عن غناه الروحيّ، وعلى ما اختبرنا في علاقاتنا الودّية مع بعض المسلمين.

وتجدر الإشارة بأنّا استعنّا ببعض الكتب الأجنبيّة، بالإضافة إلى العربيّة والمترجمة، كمراجعَ اعتمدنا عليها في صياغة حياة يوحنّا للصليب وفكره، ولذلك لندرة المراجع العربيّة. وقد ساعدنا، مشكورين، في الترجمة: الأب ريمون عبدو الكرمليّ، والأب فالري بيطار الكرمليّ، والأخ شارل صوايا الكرمليّ.

أرجو أن نسهم بدراستنا هذه في نشر معرفةٍ أدقّ، وتقديرٍ أوسع، وانفتاح أكبر بين الطرفين، بغية التحاور لنخطوَ معاً خطوةً خطوة نحو تفادي انحرافات الماضي واكتساب الثقة المتبادلة في الحاضر، ونبلغ أخيراً إلى صداقة متبادلة، هي أمنيات الحاضر وآمال المستقبل.

 

الجزء الأوّل

 

مسيرة النفس حسب تصوّف الغزاليّ

 

تمهيد

 

        قبل أن نتحدَّث عن التصوّف عند الغزاليّ، رأينا من المناسب أن نتحدّث بإيجاز عن التصوّف قبله والمراحل التي مرّ بها، مبتدئين بالتعريف عن التصوّف: "أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، قال: حضرت مجلس أبي الحسين بن سمعون، فسأله رجل عن التصوّف ما هو. قال: إن له اسما وحقيقة، فعن أيّهما تسأل. فقال: عنهما جميعاً. فقال: أمّا اسمه فنسيان الدنيا ونسيان أهلها، وأمّا حقيقته فالمداراة مع الخلق واحتمال الأذى منهم من جهة الحقّ"[4]، وويورد  المتصوّفون الكثير من الأقوال التي تعرّف التصوّف، نذكر منها: " وقد قيل إنّ التصوّف النبو[5] عن رتب الدنيا والسمو إلى المرتبة العليا. وقد قيل إنّ التصوّف حمل النفس على الشدائد الذي هو من أشرف الموارد. وقد قيل إنّ التصوّف الإكباب على العمل تطرّقا إلى بلوغ الأمل. وقد قيل إنّ التصوّف الصبر على مرارة البلوى ليدرك به حلاوة النجوى. وقد قيل إنّ  التصوّف ابتغاء الوسيلة إلى منتهى الفضيلة. ود قيل إنّ  التصوّف مرامقة المودود ومصارمة المحدود. وقد قيل إنّ التصوّف إسلام الغيوب  إلى مقلب القلوب. وقد قيل إنّ التصوّف الرغبة إلى المحبوب في درك المطلوب. وقد  قيل إنّ التصوّف الارتقاء في الأسباب إلى المقدرات من الأبواب. وقد قيل إنّ التصوّف البروز من  الحجاب إلى رفع الحجاب. وقد  قيل إنّ التصوّف النزوح بالأحوال والتخّفف من الأثقال. وقد قيل إنّ التصوّف الوطء على جمر الغضا إلى منازل الأنس والرضا"[6].

        ثمّة خلاف جوهريّ بين أهل السنّة والمتصوّفين تدور رحاه في أكثر من صعيد، من أهمّ نقاطه:

        *الخلاف حول تفسير السور والآيات القرآنيّة[7].

        *إتّهام المتصوفين بإدخال عقائد وعبادات مسيحيّة وفارسيّة وهنديّة، ويونانيّة ... تنافي روح الشريعة الإسلاميّة والسنّة النبويّة، وتُجيّر سيرة الصحابة والتابعين[8].

        بدأ هذا الخلاف يظهر نهاية القرن الثاني الهجريّ، وذلك يعود إلى ترجمة الكتابات الفلسفيّة العلميّة والروحيّة من لغات عديدة إلى العربيّة، وأيضاً دخول الكثير من الفرس والمسيحيّين في الدين الإسلامي حاملين معهم فكرهم الدينيّ والفلسفيّ، لذلك تحوّل زهد الأوّلين[9] إلى تصوّف متشعِّب الأفكار ومتنوّع العقائد لا يمت للإسلام بصلة[10]، ومن هذه الأفكار والعقائد، ما ورد على لسان أبي زيد البِسطاميّ وغيره: " سبحاني سبحاني ما أعظم سلطاني؛ ليس مثلي في السماء يوجد، ولا مثلي صفة في الأرض تعرف. أنا هو، وهو أنا، وهو هو"[11].

        هذا وسواه دفع بأهل السنّة إلى أن يُحاربوهم بعنف، وصل إلى حدّ قتل الحلاج (ت309هـ) وشهاب الدين السهروردي[12] وغيرهما، إذ كفّر أهل السنة مذهب المتصوّفة، ناعتينه، بأرذل الصفات، كمذهب فاسد، مُضلّ، مأخود عن المشركين النساطرة وغيرهم ...[13].

        وما بين التشكيك والتكفير بين مذهب أهل السنة والمتصوّفة دخل الغزاليّ حلبة الصراع، فوقف موقفاً استطاع من خلاله أن يوفّق بين الشرع والتصوّف. إذ جعل الشرع المرجع الوحيد لتصوّفه وهذا ما يشدّد عليه في معظم مؤلّفاته وتعاليمه، فجعل التصوّف أقرب إلى الشرع، فسمّي بـ "التصوّف المعتدل" أو "التصوّف السنّي". وسنذكر بعضاً من مظاهرالزهد الأوّل[14]:

        اللباس: كان خشن الصوّف، مثل ما كان يرتدي الرهبان المسيحيّون، ويُعتقد منه أُشتق اسم التصوّف، وكان يُطلق على الزهّاد اسم آخر وهو مسوحيّ، نسبة إلى مسوح. وهو اللباس من الشعر.

        الطعام: كان الزهاد يأكلون الطعام الذي تحلِّله الشريعة ويمتنعون عن ولائم الأعراس أو طعام الحكّام منعاً للالتباس، وأفضل طعام للزاهد الخبز الساخن مع زيت الزيتون. وقد تمنَّع جلّهم عن أكل اللحم والتمر ... ليهذّبوا أنفسهم. وكان الأكل عنده فقط لتقوية البدن.

        الصلاة: لم يكتفوا بفروض الصلاة الخمسة، بل  واظبوا على الصلاة المستمرة معتمدين على آياتٍ قرآنيّة، منها:" وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (الأنفال45).

        الزهد والفقر: كانوا يزهدون في الدنيا ومتاعها، معتمدين على بعض الآيات والاحاديث، منها: " قُلْ مَتَعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا"(النساء77).

        ونودّ أن ننوِّه بأنّ الكثير من المستشرقين قدّموا دراسات مهمّة في التصوّف الإسلاميّ، أمثال: الأستاذ لويس ماسنيون والأستاذ رينولد نيكولسون، والعلامة جولد سهير، والأستاذ إدوارد جرانفيل براون، وماكس هورتن، وريتشارد هارتمان، والأستاذ ماكدونالد، والبارون كارادي فو،والأستاذ مرغوليث، والأسقف أسين بلاسيوس...[15] رفضها بعض المفكّرين والمؤرِّخين العرب، معلِّلين رفضهم هذا: بأنّها غير صحيحة، لأنّ غايتها تشويه منابع الدين الإسلاميّ وتفريغه من محتواه، وبالتالي حذف خصوصيّته، والتشكيك بصفاء عقائده وصحّة إنزاله، نذكر منهم الدكتور عليّ النشّار[16].

       

 

 

الفصل الأوّل

سيرة جحّة الإسلام الإمام الغزّاليّ

      

أوّلاً: حياته

       1- الطفولة والشباب

        هو أبو حامد محمّد بن محمّد بن أحمد الغزاليّ. وُ لد بمدينة طوس الواقعة في خرسان، سنة 450هـ/ 1058م. عُرفَ بـ "الغَزّاليّ" نسبة إلى عمل والده. كان أبوه رجل ورعٍ وتقوى، يميل إلى الفقهاء ويحضر مجالسَهم، يعيش من غزل الصوف حياة متواضعة مع ولديه "محمّد" و "أحمد". توفّي الوالد، وكبير ابنيه "محمّد" لمّا يزل في السابعة من عمره؛ وكان، حين أحسّ بدنوّ الأجل، قد أوصى بولديه صديقاً له من المتصوّفة[17]. فبقي الصبيّان في عهدة المتصوّف، وهو ينشئهما على التقوى وإقامة الشعائر الدينيّة، حتّى نفذت الثروة الضئيلة الموروثة عن والدهما، فنصحهما باللجوء" إلى مدرسة النظاميّة[18] التي توزع العلمَ والقوت"، ففعلا، وأكبّا على دراسة الفقه والتعمّق في فهمه. ثمّ سار محمّد نحو سنة 1073م إلى مدينة جرجان[19] وقد اشتهرت آنذاك بفقهائها ومحدِّثيها، فتتلمذ على يد أبي نصر الإسماعيليّ[20].

        بعد ذلك، قصد الغزاليّ مدينة نيسابور عاصمة خراسان، فدخل جامعتها النظاميّة سنة 1079م، وكان على رأسها آنذاك أبو المعالي عبد الملك الجوينيّ الملقَّب بإمام الحرمين[21]. ولمع نجم الغزاليّ في كلّ ميدان، وانصرف إلى التأليف وكان لا يزال تلميذاً في النظاميّة. فحصل لذلك بينه وبين أستاذه بعضٌ من الجفاء. ولكنّ هذا لم يمنع أستاذه من تقديره وتكليفه إلقاء بعض الدروس، فظلّ ملازماً النظاميّة حتّى وفاة أستاذه الجوينيّ سنة 1085م؛ فغادر نيسابور بصحبة امراته وبناته الثلاث، واتّصل بالوزير نظام الملك (1018- 1092م) في مقرّه في بغداد، ففتح له داره ملتقى للعلماء وندوة للمناظرة[22]. ويبدو أنّ شيئاً من الشكّ كان قد بدأ يُقلق نفسه قبل مغادرته نيسابور :"فلم يطمئن إلى تعريفات الفقهاء وتدقيقاتهم بما فيها من تكلُّف"[23]، وأخذ وهو لا يزال شاباً، يُبدي عدم اطمئنانه إلى أدلّة المتفقِّهين الملفَّقة.

        التزم الغزاليّ صحبة الوزير نظام الملك قريباً من ستّ سنوات أظهر فيها تفوّقاً واضحاً على منافسيه في مجلس الوزير، فولاه، سنة 1091م، إلقاء الدروس في النظاميّة في بغداد، ونال هناك شهرة واسعة، حتّى بات يُعرف بإمام العراق: " فظهر اسمه في الآفاق وارتفق بذلك أكمل الارتفاق حتى أدت الحال به إلى أن رسم المصير إلى بغداد للقيام بالتدريس بالمدرسة النظامية بها. فصار إليها وأعجب الكل بتدريسه ومناظرته وما لقي مثل نفسه وصار بعد إمامة خراسان إمام العراق"[24]. وبقي في منصبه هذا أربع سنوات حتّى 1095م, وقد عَرَف اثناء إقامته في بغداد جاهاً لم يكن ليتوقَّعه، ونال مجداً لم يكن ليحلم به، فأقبل عليه علماء عصره من كلّ قطر، والتفَّ حوله ثلاث مئة طالب، وصار جليساً للأمراء والوزراء والحكّام[25].

       

        2- قلق الغزاليّ وحبّه للحقيقة

        لكنّنا نجد وراء ذاك الشخص العالم والفقيه... إنساناً قلقاً غير مطئن لِما يُعلم أو يُفتي، نجد إنساناً غير راضٍ عن حياة منغمسة في العلائق. لذلك أخذ يُفنّد آراء الفرق الأخرى، متمسِّكاً بأشعريته: "مذهب الأشعريّة[26] اختاره إمام الحرمين الجوينيّ والغزاليّ وفخر الدين الرازي"[27]. فأكبّ على دراسة المذاهب المختلفة؛ ثمّ التفت إلى مصنفات الفلاسفة في كتاب "مقاصد الفلاسفة"، فبان له ما في الفلاسفة "من خداع وتلبيس"، فوضع، في الردّ عليهم وتفنيد آرائهم، كتاب "تهافت الفلاسفة". وكأنّه، بعدما تحقَّق من تهافت الفلاسفة في آرائهم، وعدم جدوى الجدالات الكلاميّة في الوصول إلى الحقيقة، استفاقت في نفسه النزعة الصوفيّة التي كان قد ربيَ عليها، وتاكّد أن لا طمع له: "في سعادة الآخر إلا بالتقوى وكفّ النفس عن الهوى"[28]. ثمّ أصغى إلى صوت ضميره، فإذا به يسمع: "الرحيل الرحيل! فلم يبق  من العمر إلا قليل ... فإن لم تستعد الآن للآخرة فمتى تستعد ؟ ... وينجز العزم على الهرب والفرار"[29].

        تعاظمت الأزمة النفسيّة عند الغزاليّ، وكانت تتصاعد يوماً بعد يوم، حتّى اضطربت حاله، وعجر عن إلقاء الدروس، فخرج من بغداد سنة 1095م متنكّراً بزيّ الفقراء، متظاهراً بالذهاب إلى مكّة لأداء فريضة الحجّ: " ثم ترك جميع ما كان عليه في ذي القعدة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة وسلك طريق الزهد والانقطاع وقصد الحجّ وناب عنه أخوه أحمد في التدريس فلما رجع توجه الى الشام فأقام بمدينة دمشق مدة يذكر الدروس في زاوية الجامع في الجانب الغربي منه وانتقل منها إلى البيت المقدس واجتهد في العبادة وزيارة المشاهد والمواضع المعظمة ثمّ قصد مصر وأقام بالإسكندرية مدة ويقال إنه قصد منها الركوب في البحر إلى بلاد المغرب على عزم الاجتماع بالأمير يوسف بن تاشفين صاحب مراكش"[30].

        واستمر تجواله هذا عشر سنوات، وجد أثناءَها الحقيقة في التصوّف، وأصلح نفسه بالمجاهدات، ثمّ رجع، بأمرٍ من السلطان وبداعٍ من نفسه، إلى التعليم والإرشاد في نيسابور سنة 1105، محاولاً إصلاح غيره بعدما أصلح نفسه؛ ولكنّه غادرها بعد عامين إلى طوس، حيث انقطع إلى العبادة. وقد أنشأ هنالك زاوية للمتصوّفين ومدرسة لطلاب الفقه، واستمر في الإرشاد والعبادة إلى أن توفّي سنة 505هـ/ 1111م[31]. وقد أصبح قبره مزاراً.

 

       3- مدح الغزاليّ وذمّه

        مدح كثيرون الغزاليّ، إذ لقّبه الكثيرون بالإمام وحجّة الإسلام... " إحياء علوم الدين  للإمام حجّة الإسلام أبي حامد محمّد بن محمّد الغزاليّ الشافعيّ المتوفى بطوس سنة 505 خمس وخمسمائة، وهو من أجلّ كتب المواعظ وأعظمها حتّى قيل فيه انّه لو ذهبت كتب الإسلام وبقي الاحياء أغنى عما ذهب"[32]. ورثاه الكثير من الشعراء، منهم الأديب أبو المظفر محمد الأبيوردي الشاعر المشهور بأبيات فائية من جملتها:

مضى واعظم مفقود فجعت به      من لا نظير له في الناس يخلفه[33]

          وقال جمال الدين الأسنوي (ت772هـ) في طبقاته: "الغزاليّ، إمام باسمه تنشرح الصدور وتحيا النفوس، وبرسمه تفتخر المحابر وتهتز الطروس[34]، وبسماعه تخشع الأصوات"[35].

ويذكر ابنُ العبري الغزاليّ ويصفه بالزاهد الذي يُقرّع ابناء ملّته على اهتمامهم بالجسد، وإهمالهم الروح: "وطالما قرّع في تصانيفه العرب بسبب اهتمامهم بالغسل وتطهير الجسد فقط واغماضهم عن تنقية القلب من حيث تنفجر الخطايا. فكان يحثّهم على الزهد والعفاف ويورد لهم البراهين الجمّة من سير الآباء السيّاح في مؤلَّفه الضخم (إحياء علوم الدين) ولذا ذكرناه"[36].

        وذمّه البعض لموقفه من المتصوّفة ومن أبرز الذين ذمّوه ابن الجوزيّ، الذي قال: "وجاء أبو حامد الغزاليّ، فصنَّف لهم كتاب الاحياء على طريقة القوم (المتصوّفة) وملأه بالأحاديث الباطله، وهو لا يعلم بطلانها، وتكلّم في علم المكاشفة وخرج عن قانون الفقه. وقال: إنّ المراد بالكوكب والشمس والقمر اللواتي رآهن إبراهيم صلوات الله عليه أنوار، هي حجب الله عزّ وجلّ، ولم يرد هذه المعروفات. وهذا من جنس كلام الباطنية. وقال في كتابه المفصح بالأحوال: إنّ الصوفيّة في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتاً، ويقتبسون منهم فوائد؛ ثمّ يترقّى الحال من مشاهدة الصورة إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق ..."[37].

 

       4- بعض من مؤلّفاته

        لا شكّ في أنّ الغزاليّ هو واحد من أغزر المفكّرين مادّة وأطول