الأب مبارك الكرمل

Benedetto Portieri

ذكريات سجين

الحرب العالمية الأولى 1914-1918

 

الأب مبارك

مقدمة

بعد أن عاد الأب يوسف أربينو Giuseppe d’Arpino  الى لبنان بعيد الحرب العالمية الأولى، وزار الأديار الكر ملية في لبنان حيث كان رئيساً في تلك الحقبة، لكي يعيد تنظيم الرسالة ونشاطاتها، فرح للقائه من جديد بالأب مبارك للقديسة مريم (الأب مبارك بورتييري Benedetto Portieri) الذي قدّم نفسه حارساً للرسالة في القبيات خلال فترة الحرب العالمية، حيث اعتقل بصفته خائناً للسلطنة العثمانية وأودع سجن السلطنة في تركيا.

ومن خلال اللقاءات والأحاديث الفردية اضطلع الأب جوزيف على اختبار السجن المرير الذي عاشه الأب مبارك، والذي تخللته فترات مرّة وأليمة، لكن أيضاً صلابة الراهب الكرملي وقوة الشباب في قلبه واتكاله على الله والعذراء شفيعته سمحت له بالاستمرارية والتغلب على اليأس الذي يزرعه السجن في قلب السجين.

وعندما كوّن الأب أربينو فكرة شامله عن الاختبار الرهيب الذي تخطاه الأب مبارك من آلام، وكيف قاومه بايمان وصبر، قرر أن يضع اختباره أمام الأصدقاء والرهبان، لكي يكون مثلاً صالحاً لهم.

هكذا نشرت مجلة الكرمل والرسالات الكرملية في روما على عدة حلقات نص ذكريات السجن للأب مبارك الكرملي ابتداءاً من سنة 1925. وقام الأب مبارك بكتابة هذه المذكرات نزولاً عند رغبة الرئيس الأب جوزف أربينو. وتبدأ الأحداث التي يتكلّم عنها، سنة 1914 في 20 كانون الأول، في القبيات.

علامات ودواعي الألم

القبيات في 20 كانون الأول 1914

كان العمل وكثرة الهموم تتراكم في قلبي ذلك اليوم، وعلى عكس عادتي، كان مزاجي رديئاً. فمنذ عدة أيام، وبأمرٍ سرّي من قبل رئيس الرسالة الأب جوزيف أربينو، الذي كان لحسن الحظ، منذ أكثر من شهر في ايطاليا، أخذنا التدابير بإرسال أخواتنا الراهبات الكرمليات للقديسة تريزا الى طرابلس، ومنها الى ايطاليا. والأمر هذا لم يكن فقط يتعلق بالراهبات في القبيات، بل أيضاً الأخريات في الأديار الأخرى، فلم تبق راهبة في اسكندرون، في حيفا أو في بشرّي، وبقيت جميع مدارس البنات في عهدة الآباء، ويزداد العبء. لكن هذه الأوامر والأحداث كانت تزيد مخاوفي وقلقي.

كذلك الاثني عشر من تلامذة الاكليريكية الصغرى التاربعة للارسالية، ذوي الجنسية الايطاليّة، أُرسلوا الى طرابلس، ومنها في سفينة مليئة بالركاب الطليان الهاربين من منطقة الشرق، الى إيطاليا. فأخبار الحرب التي كانت نادراً تصلنا، كانت غير مؤكّدة ولكنها غير مشجعة؛ وظهور العسكر التركي الذي أتى لتجنيد الرجال ومصادرة الممتلكات، زرع في نفوس أبناء البلدة والمنطقة، هلعاً وخيبة أمل.

حتى هذه الأيام كان المسيحيون يدفعون ضريبة سنوية محدّدة بموجبها كانوا معفيين من الخدمة العسكرية؛ أما الآن فحتّى الرجال المسنّين لا يتركونهم بسلام، وكذلك ذوي العائلات والأطفال. ولكي يتخلّصوا من بحث العسكر وتعقبهم، هناك عدد كبير من الشبان الذين غادروا الى الأحراج والغابات القريبة؛ وأهاليهم يصيبهم الغم والخوف على مصير أبنائهم. فكانوا إذا اعتقلوهم يعدمون  فوراً. هذه الحالة كانت سائدة في كل المناطق، من بيروت الى الشام وأورشليم، فالجواسيس والهربين أو الذين كانوا يدينون بالعاطفة تجاه فرنسا، كانوا يعتقلونهم ويعدمونهم في الساحات العامة: أثنين، خمسة، ثمانية كل مرّة، وكانوا يُلبسونهم قميصاً أبيضاً ذات شكلٍ غريب، ولائحة كبيرة مكتوب عليها سبب الاعدام.

كان ديرنا يغص بالناس: الجميع يريدون أن يروا المرسل لكي يحصلوا على أخبار جديدة، لكي يسمعوا بعض التطمينات، أو يطلبوا نصيحة أو مساعدة.

-أبوا! لن تتركونا ! صحيح!

-لا طبعاً ، كنت أجيب، خاصة كان هناك من يقترب مني أكثر من الآخرين ويشدّ على يدي مصافحاً، كأنه لا يريد أن يتركني أهرب، - لكن إذا أمرنوا أن أغادر؟

-لا أبتي، لن نسمح بذلك أبداً، بدونك نحن هنا نعتبر منتهيين.

- أبتي ألن تدخل إيطاليا الحرب -سأل زعيم البلدة- ولن يزعجكم أحد.

- فإذن لماذا أرسلت الرااهبات الى إيطاليا؟ سأل أحد الشباب، الذكي الفكر والمظهر. وكان الجميع يحدّق إلي لكي يقرأوا الجواب في وجهي.

-لا، لا، كونوا هادئين (لاينشغل بالكن)؛ إيطاليا لا تريد الحرب، وعلى كل حال الحرب ستنتهي بسرعة -أجبت متألماً أي ألم، إذ كنت أعلم أن الحرب لغز رهيب.

-انشالله أبونا، انشالله! ردد الجميع سوية.

لم ينتهي صوت الترداد: انشالله، حتى وصل صوت عويلٌ محزن في أرجاء الدير، وإذ بامرأة صبية، ذات الشعر غير مربوط، ويملأ عيناها الدمع، تحمل طفلاً ويتبعها اثنان يمسكان بثيابها، تقدمت وارتمت عند قدمي تبكي.

-دخيلَك ! دخيلك! ابتك لم تعد تملك شيئاً في الدنيا. ويمتزج بصوت الأم بكاء الأطفال الحافية أقدامهم، يرجفون من البرد.

-يالله ارتاحي! بهدوء! أخبريني ما الذي يجري؟

-أتى العسكر وأخذوا أب الأطفال! لن يعود أبداً! خلصوا! خلّصوا! - وتسترسل بالبكاء والعويل. وتضع طفلها على الأرض وتتمسك برجلي. أنا انحنيت، وأخذت الطفل وأعطيته من جديد الى أمه، وقلت لها: -هيّا ثقي بالله، إن زوجك لن يذهب الى الحرب... -انشالله- ردد الجميع، انشالله!

- إن زوجك قوي وشجاع وذكي ومحتال؛ سيعزيك جيداً على بغتة، حين لا تنتظرين منه ذلك.

وفي الحقيقة بعد ستة أيام فقط تمكن الشاب مخول من أن يعود ويعانق زوجته، التي خسرت نصف وزنها في هذه المرحلة القصيرة، بسبب البكاء والحزن. وهل كان ذلك غير متوقع؟ هل كان ينقص الشاب مخول الشجاعة والجرأة لكي يهرب من معتقليه الأتراك؟ هو الذي ، مع ثلاثة من رفاقه، خاطروا بحياتهم، ودافعوا دفاعاً مستميتاً، أمام زمرة من المتاولة هاجمت الراهبات، عندما كنّ ينتقلن عبر الجبال هروباً من الحرب الايطالية التركية (كانوا يوكبون الراهبات من القبيات الى بشري، نسرد هذه القصة في مكان آخر). لقد اضطروا لإطلاق النار مدة أربع ساعات لكي يتمكنوا من حماية الراهبات اللواتي كنّ مكرّمات جداً لأنهنّ كنّ مثل الامهات لأبنائهم. لقد فضلوا الموت على أن يذهبوا الى عند الرهبان دون نجاة الراهبات - قال لرفاقه: الأفضل أن نتشقّف شقف ولا تنقطع شعرة وحدي منهن!- (بسبب هذه الحادثة من واجبنا أن نذكر هنا أن هذا الشاب، مع رفاقه الشجعان، حصلوا على نيشان فضة من الحكومة الايطالية وكانوا يتزينون بها خلال الاحتفالات المهمة). كذلك تشهد له شجاعته عندما التقى مرّة بقطاع الطرق الذين كانوا يريدون "تشليحه السلاح" وأطلقوا عليه النار، كيف قضى عليهم بسرعة. الآن بالنسبة لزوجته وأطفاله، المسألة أهم بكثير ولن يوفّر جهداً، ولو خاطر بحياته التي يريد أن ينهيها الأتراك في ساحة المعارك.

كل هذه الأمور شرحها أحد الحاضرين بذكاء إلى زوجته التي بدأت بالهدوء تمسح الدموع، وتوجهت للعودة الى بيتها مكرّرة: أبونا صلّي منشينوه!

كنت متأثراً جداً، كما قلت سابقاً، ومزاجي معكّر. دقات قلبي كانت قوية؛ وكنت أحتاج للهواء والراحة. حملت العصا، وتوجّهت الى مرتمورة برفقة أحد الشبان (مرتمورة تبعد عن مركز القبيات حوالي خمسة وأربعين دقيقة مشي) هناك زرت بعض المرضى، وهذا سبب لي الارتياح.

لقد حملت بركة السماء والسلام والتعزية الى مرضاي الأحبّاء. لقد استقبلوني بالترحيب والاجلال كالعادة، ولكني عدت الى الدير على عجَل.

لقد غابت الشمس، وأشعتها الأخيرة تعكس لونا دموياً على الغيمات الغربية، منظر يضفي نوعا من الحزن على الحلقة الأخيرة من النهار الذي يبيت. الطريق حجرة ومتعرّجة، وموحلة أيضاً، وأنا أتقدم مع رفيقي بصمت، أقيس الطريق على إيقاع العصا المحبوب.

-لماذا لا يردني أية علامة حياة من آبائنا في طرابلس؟ - أتكلم مع ذاتي.

-لماذا هذه اللائحة المفصّلة لمحتويات الكنيسة والدير والغرف، والمشاغل في الدير وعند الراهبات، في المدارس ولجميع الكتب الموجودة في المكتبة، حتى  أشجار السنديان والتوت والزيتون والتفاح والليمون وجميع الأشجار المثمرة التي يملكها الدير؟ كذلك جميع الأدوية الموجودة في الفرمشية (الصيدلية) ووسائل الجراحة الطبية، المعدات، الأدوات الطبية وغرفة العمليات، حتى معمل الحرير الخاص بالطبيب الموجود في رسالتنا، ومخازن الحرير والحطب...

كم هو طويل ومزعج هذا العمل! لم نفعل شيئاً مثل ذلك في الماضي. إذا كان علينا أن نترك، من يكفل لنا أن هذه الأمور ستبقى دون سرقة؟ مع الأتراك المزح مش ممكن! وكذلك التفكير صعب! ونحن في أيام حرب.

إذا كانوا ينهبون كل شيء من بيوت أبنائنا المسيحيين، ولا يتركوا شيئاً، فما الذي سيفعلونه في هذه الارسالية الجميلة، إذا أعلنت إيطاليا الحرب، لا سمح الله، على تركيا؟

يالله! سنرى الأمور كيف ستجري.

على كل الأحوال ستفيد اللوائح التي نظمناها للمحتويات والممتلكات، لكي نتأكد من الأضرار الناتجة عن الحرب، لكي نطلب التعويضات... لكن من سيدفع؟

-أبونا مسّيك بالخير! باركني أبونا!  سمعت صوتاً من بعيد.

-ألله يباركك! أجبت وأنا ألتفت، بينما أخطىء الخطوة وأقع على قفاي.

-ألله! ألله! صاح الشاب المرافق الذي كان يسبقني بعدة خطوات، ويركض لكي يساعدني على النهوض.

-انشالله ما في شي، أبونا!

-ما في شي ! لكن وقعنا بالوحلة كما ترى.

-نشكر الله هيدا ما هو شي!

كذلك أتي اثنين من الرعاة الذي ألقوا التحية من بعيد، وأرادوا المساعدة، ويطمئنوا.

ما شي! ما شي! مسا الخير! انتبهوا على القطيع! بيعوا أو كلوا إذا كنتم لا تريدون أن يسلبه إياه العساكر الأتراك.

-ما تتشاءم يا أبونا! كيف بدنا نأكل بعدين؟ لقد أكلوا  القليل من الزبدة الذي نصنعه؛ ولقد بدؤوا هؤلاء الأشرار بالغنم وغداً سيبدءون بالماعز... بعها ... سيأكلونا نحن أيضاً. لكن ستنتهي، ستنتهي أيضاً بالنسبة لهم هذه الحالة. السماء ستحكم بالعدل. وعلينا أن نصمت من جهتنا، لا بل علينا أن نُظهر أننا فرحين بما يقومون به، إذا أردنا أن لا يحزنونا أكثر. تعتير!

على الأقل أن يقولوا شكراً. آخر هم عندن!

هم الأسياد! هذا يكفي.

هكذا كان يتكلم أحد الرعيان بينما كان يرمي حجراً نحو كلبين يزمجران بينما كنا نقترب من القطيع.

-ألله معكم! قلت للرعيان، وأسرع منطلقاً من جديد نحو الدير، لقد تأخرنا.

لقد اقتربنا من الدير، نلتقي في الطريق تلامذتنا الأحباء، وهم كثر، وهم يلقون التحيات لدى عودتهم المسائية الى البيت. إنه يوم الأحد، وبعد البركة الاحتفالية، تأخروا في ساحة الكنيسة. يأتي الجميع ليقبلوا يدي، ويتمنوا لي باحترام ليلة سعيدة (بالطلياني).

-أبونا مبارك -يقول لي الأكبر في سوية- وصل الى الدير بادري جديد.

-هل رأيتموه أنتم؟ أتعرفونه؟ سألتهم عن الخبر غير المفرح طبعاً.

-أعتقد أنه ابونا جوزيبي- ماريا، إذا ما أخطأت الظن، قال أحدهم. منذ ساعتي نزل عن الحصان أمام باب الدير.

-كتير منيح، إذهبوا أنتم الى البيت الآن، وغداً تعالوا باكرا الى المدرسة، ووجهكم وأيديكم نظيفة ومغسلة، وإلاّ سأرسلكم تغسلونه في النهر.

لقد فهمت كل شيء. هذا الأب يحمل طبعاً أمراً مهماً، مثلما حدث عندما غادرت الراهبات. علينا نحن أيضاً أن نهرب؛ ستكون الأمور على هذا النحو. دقائق قليلة وأصل الى الدير؛ وعدد من الأشخاص الحشريين أمام الدير

- أبونا ! بادري!     -أنا لم أجب. دخلت وأقفلت الباب طبعاً.  لم أخطىء التفكير

الأب بطرس (بييترو) والأب لورنسو، والاخوة الثلاثة البلديين، كانوا بدأوا بتحضير الحقائب.

في الصباح الباكر، في حال أمطرت، أثلجت أو عصفت، كان من الواجب علينا أن نترك جميعاً مهما كلف الأمر. كانت هذه أوامر الرؤساء، وعلينا نحن أنطيع. أسرع ما يمكن "ضبضبت أموري" المتواضعة، وتقدمت لمساعدة أبونا بطرس الذي من الواجب أن يتفحص الأرشيف جيداً، والأوراق الخاصة، إذ كان يجب أن يضعها في أمان. هذه مسألة مهمة وضرورية. نحن لم نكن نملك ماا قد يثير المخاوف، لكن من الضروري التنبه في هذه المسألة. فنحن في زمن حرب مع الأتراك، وكل شيء مكتوب، ولو ببراءة وبدون سوء نية، بامكانهم تفسيره بشكل سيّء مما قد يحمل أضراراً خطيرة ضد أشخاص آخرين. لو كانوا فعلو كذلك في القنصلية العامة الفرنسية في بيروت، لما انتهى عدد من آباء العاءلات على درج المشنقة!

الطلبة الثلاثة الذين كانوا معي في الدير، وهم من القبيات. لقد سيموا كهنة بعد الحرب

 

-حبيب! طلب الأب بطرس من العامل في الدير، بعد أن أكل ما يمكنه أن يأكل في هكذا مناسبات، -حبيب، في الصباح الباكر جداً يجب أن

 أجد أمام باب الدير تسعة أحصنة، حمير، جمال... ما يمكنك أن تجده في السوق... هل فهمت؟

-أبونا!... ويفته فاه وعينيه من الوهم.

- لا تضيّع الوقت، إذهب، وقبل أن تنام يجب أن تنهي ما قلته لك.

-أبونا! أبونا!... -واستمر بالتأتأة، الشاب ذات الهامة الرياضية والعينين اللتين تلمعان قوة، اليقظ، الخدوم حتى التضحية بحياته.

لقد فهم أنها ليست مسألة مشوار أو رحلة عمل، بل إنها مغادرة ستضع البلدة بكاملها في حالة حزن، بل جميع البلدات المجاورة. يريد الكلام لكنه يعجز. كأنه يريد أن يقول لنا: -لماذا تريدون أن تتخلوا عنا في ساعة حزينة كالساعة؟ تخافون من الأتراك؟ أبقوا: أنا جاهز -ومعي ستة آلاف مسيحي، أولادكم- سنعطي درساً لمن يتجرأ، كما فعلنا مع المتاولة في الجبل. (ملاحظة: هذا الشاب حبيب هو الشخص الثاني من الأربعة الذي دافعوا عن الراهبات في رحلتهم الصعبة من القبيات الى بشري). إن بنادقنا تطلق جيداً...

-حبيب، حسم الأب بطرس، إذهب وافعل ما قلته لك. أنت سترافقنا غداً الى حلبا.

يده على صدره، ثم على على رأسه، ينحني الشاب الوسيم وهو يقول: تحت أمرَك! وخطوة الى الوراء، يجدد التحية، ويختفي.

 

ليلة الأرق

- خرج الشاب -همس الأب جوزيببي (يوسف)، عندما سمع باب الدير الخارجي ينغلق وتوضع الساقوطة.

- والآن هلا قصّيت علينا أخبار الحرب -قال الأب لورنسو  مقترباً منه.

في الحقيقة لم تكن هناك رغبة بالكلام؛ والحشرية غلبت على التعب ، فقص علينا الأب جوزيبّي (يوسف) أخبار الحرب والجبهات، وقد قاطعناه عدة مرات بتعجباتنا وأسئلتنا.

-أصبحت الساعة العاشرة وأكثر، صاح الأب بيترو (بطرس)، فلنذهب الى زيارة يسوع في بيت القربان، وبعدها الى النوم. ما تبقى من الأخبار يقصّها علينا غداً الأب استنسلاوس في طرابلس.

********

ذهب كلٌ منا منا الى غرفته. في الخارج كان الصمت وعتمة ليالي الشتاء  حيث يخفي السماء تحت غشاوة من الغيوم الأنوار القليلة التي تبعثها النجوم؛ بين حين وآخر عواء الكلاب: من المحتمل أنهم يزعجون حبيب الذي يبحث عن وسائل النقل التي ستحملنا غداً الى طرابلس...

أترك كالعادة النافذة مفتوحة، وبعد أن أنهيت اهتماماتي المتفرقة قبل النوم، قلت صلواتي وأرتميت على سريري، كما أنا، دون أن أنزع ثوبي، وكلّي ثقة أنه لن يغلق لي جفن.

-لماذا لم يتكلم الأب جوزيبي عن سبب انسحابنا السريع هذا؟ كنت أتساءل مع نفسي.

-من المحتمل أنه هو لا يعرف. هكذا كان الأب استنسلاوس: عندما كان يريد أن تنجح الأمور كما يجب، يعطي أوامر دقيقة وحصرية. لا يعطي شروحات ولا يقبل أسئلة.

من المحتمل أن تكون هناك غيوم عاصفة فوق سماء إيطاليا: لا يمكن أن تكون عكس ذلك. فالأب جوزيبي داربينو، الرئيس العام للارسالية، في روما، يجب أن يعرف الكثير من الأمور. فهو يعلم نوع المشاكل التي ستقع علينا في حال اصطفت إيطاليا في الحرب ضد الألمان، وبالتالي ضد الأتراك، فأعطى التعليمات الى الأب استنسلاوس، نائبه في لبنان، أن يرسلنا بعد الراهبات والاكليريكيين الى إيطاليا.

تعتير، يا حرام هذه الارسالية! بعد مغادرتنا -ولا نعرف لكم من الوقت- ما الذي سوف يحل بها؟ ما الذي سيحل بالبيوت، والكنائس والمدارس والفرمشيات (الصيدليات) المستشفيات، المياتم؟ ما الذي سيصيب تلامذتنا، الأخويات، بنات مريم، الرهبانية الكرملية العلمانية، الجمعيات الخيرية التي تعنى بالمرضى؟ ما الذي سيحل بالكهنة أبناء المنطقة الذي سيبقون بدون معونة، بدون رعاية مادية وروحية وارشاد لكي يتمكنوا من القيام بواجباتهم الكهنوتية المقدسة بتجرد وعدالة.

ما الذي سيحل بمعامل الحرير الخمسة ممتلكات الدكتور كازيني؟ والأربعماية عاملة اللواتي يعملن فيها، سيكونون على موعد قريباً مع الجوع، هذا الوحش الذي يسميه فيرجيليو (أحد الأدباء) المستشار السيئ.

وهذا الشعب المسيحي سيعود يحتمل جيرانه الأتراك المزعجين؛ سيعيشون الرعب الذي كان في الماضي. ما الذي لم يعانوه، هؤلاء المساكين، حتى السنوات الأخيرة من الآن، من أولئك المتعصبين أتباع محمد؟ لأي سبب تافه كانوا يهجمون ويخربون البلدة والأراضي الزراعية، التوت، الشجرية، الكروم، البيوت. كان تبّاع البكوات يسرحون ويمرحون في البلدة مسلّحين بالبنادق، ينهبون القطعان، البقر والحمير، ويتعدون على من يشاؤون عندما كانوا يسمعون احتجاجاً.

الزعماء شخصياً كانوا يقودون حملات مماثلة وكانوا يمارسون السلطة في البلدات المسيحية. كانوا لا يسمحون بأن يتزوج أحد بدون إذنهم وموافقتهم، وهذا لكي تدفع لهم الجزية. كانوا يطلقون على المسيحيين اسم "كلاب" غير قادرين لا على العض ولا على اللهث! هل كان يُسمح للمسيحي بأن يعبر بلدتهم بدون أن ينزع حذاءه؟ الويل لمن كان يجرؤ على ذلك! كان يعذّب ويعرّى ويرسل مذلولا.

كل هذه الاهانات انتهت بسبب المرسلين الذين عرفوا كيف يفرضون احترامهم ومحبتهم أيضاً على أبناء النبي، وعلى البدو أيضاً، الذي يزورون حالياً الإرسالية، لكي يعالجوا أمراضهم، وتضميد جراحاتهم خلال العمل أو الحروب القبلية. فالمسيحي اليوم حر، يمكنه الذهاب الى حيث يشاء وكيفما يشاء، وبدون صعوبة يحصل على العدالة في تم التعدي عليه. كذلك تعلّم المسيحيون استعمال السلاح خاصة البندقية، والويل لمن كان يتجرأ على  الدخول الى بيته لأغراض غير شريفة!

بذهابنا طبعاً هذه الهيبة ستنتهي هذه الطمأنينة التي سهّلت الدور الذي لعبه المرسلون لحفظ النظام والعدالة وعلاقات حسن الجوار مع المسلمين. من الذي سيجرؤ على استيعان الاجرام والحقد العسكري الاسلامي، عندما سيغيب عن الساحة مصدر السلام، علمنا؟ كم هم كُثُر هؤلاء الذين يضمرون السوء والثأر، في القرى المجاورة، والذي سيأتون هنا لفشة كربتهم والتعدي! لا سمح الله! لكني أخاف على هذا الشعب من التجارب الصعبة. يا رب! حافظ على إيمان هذا الشعب! على الأقل. وإذا كان بمقدوري أن أقوم بشيء لهذا الشعب، مر يا رب؛ أنا خادمك غير المستحق، مستعد، بنعمتك، لكل تضحية؛ حياتي بين يديك، وقواي القليلة لخدمتك كما تشاء...

بينما كنت أقدم ذاتي، كان قلبي يدق قوياً، كأني تحت وطأة الحمّى القوية، وفي دقاته المتتالية كان كلأنه يردد لي: ستذهب، ستعود! ستبتعد لقليل، ستعود الى قطيعك- ستبتعد باكياً، ستعود فرحاً. نزلت عن السرير كأني أبحث عن الهواء البارد وصدري مليء بالحرارة، ذهبت الى النافذة. أخرجت رأسي عبر النافذة، وواجهة الكنيسة البيضاء تبدو لي أكثر بهاءً وجمالاً في الليل، تدعوني للصلاة. وشفتاي كانتا ترددان تقدمة ذاتي : يا رب خلص شعبك الذي أوكلته الي. يا رب إذا شئت، ها حياتي!

*******

في تلك اللحظة كنت أشعر بكامل عظمة الكهنوت وكرامة الحياة بالنسبة الى كاهن، بالنسبة الى مُرسَل؛ فهي لن تكون هكذا ثمينة وجميلة كما تكون عندما نستهلكها من أجل خير الآخرين، عندما تبلى لكي تريح من الآلام، البؤس، جراح القلب؛ انه الحب الصافي كتقدمة الذي يعطي كل سيء ولا يطلب البدل.

انفصال مؤلم

القبيات في 21 كانون الأول 1914

-أمرَك! كان قد تمتم الشاب حبيب وهو ينطلق؛ وهذا كان يعني أنه عليه أن يلبّي فوراً لأن المسألة لا تحتمل سؤال وجواب. مهما كلّفه الأمر كان عليه أن يجد المواشي التسع عند الصباح وأن يكونوا صباحاً أمام باب الدير.

-الساعة متأخرة والجميع في البلدة في بيةتهم نائمين، لكن على حبيب أن يوقظ الرجال. وبالفعل عندما يسمعون بأن المسألة تخص الرهبان، فهم مستعدون دوماً وحالاً.

-هاي ! مخول في البيت، يصرخ حبيب، وهو يقرع على باب البيت؟

-أنا هون، يجيب، في هذه الساعة! شوفي جديد يا حبيب؟

-صباحاً نحتاج الحمير الساعة الرابعة، في دير مار ضومط، مفهوم؟

- إلى أين سنذهب في هذا الوقت؟ أجاب مخول وهو يفتح الباب وهو ينظر الى السماء التي كانت تنذر بيوم سيء.

-حتى ولو نزلت صاعقة وأمطرت، عليك الذهاب مع الحمير، مفهوم؟ لا بل أطعمهم الآن وتعال معي.

-لمح البصر، قام مخول وعلف الحيوانات وذهب مع حبيب:

-شو في يا حبيب؟ لست على حالك؟ هل تأتي من الدير الآن؟ هل هناك أخبار سيئة من طرابلس؟ أخبرني، هيّا!

- أخبار عاطلة، يا صديقي مخول! أخبار عاطلة!... ألله يلعن الحرب! ألله يلعن الدول والحكام! ألله يلعن الطموحين! ويللي ما بيتركوا الناس الفقرا تعيش... لو كان فيي كنت بإيدي بعصرهنّ!...

- شو عم بتقول يا حبيب؟ صرخ مخول وأخذه بيده وأوقفه في مكانه. - خوفتني يا حبيب، لوين رايحين؟

- لا تخاف يا مخول، لا تخاف. رايحين ننبش عا سبع  دواب حتى نرافق بكرا الرهبان المرسلين الى طرابلس.

-الآباء، يا حبيب، الآباء؟ لا ، لن يذهبوا: اليوم أكد لنا ذلك الأبونا.

-ولكن إذا أتتهم الأوامر بان يتركوا؟ وبعد ذهابهم، ألله يرحم القبيات! العسكر التركي رح يطحن عضامنا. والمتاولي! شو رح يصير؟ والبيرة والمشته... رح يرجع كل شي متل ما كان قبل... وبعد الآباء رح يروح الدكتور كاسينا (كازيني) ورح يغلقوا معامل الحرير، والشغل رح يوقف... وجيب أكل! - أنا شليف الجوع جايي وفاتح تمّو ! يا رب!

-أخ! أخ! يقول مخول وهو متألم

لقد فهم مخول كل شيء وبسرعة... وبسبب الكلام استفاق بعض الأهالي وخرجوا يسألون شوفي؟ حبيب ومخول تخلصوا منهم بإجابات غامضة واكملوا البحث عن الدواب. ولكنهم لا يمكنهم أن يخفوا الحقيقة المؤلمة على الجميع. وهكذا قبل الصباح كان انتشر الخبر وزرع معه الحزن والغم في قلب أهل البلدة بكاملها.

*******

بقيت تائه الأفكار على النافذة ونظري ثابت في واجهة الكنيسة البيضاء. فهواء الليل البارد، واستسلامي الروحي، أعادا الي هدوئي المعتاد واستعدت قواي. أقترب من الطاولة وأسبّح الرب -تبارك الله! وأشعل الشمعة.

-الساعة الرابعة. يجب أن أوقظ الرهبان وأن أنزل الى الكنيسة لكي أحتفل بالقداس. كنت سأفتح الباب إذ أسمع ضجيج خطوات غير منتظمة وأشخاص يقتربون... -إنه حبيب أعتقد أقول لنفسي- مع رفاقه والدواب.. وذهبت الى الشباك. أرفع الشمعة لكي أرى، وعندما ظهر النور سمعت مئة صوت يصرخون: - أبونا، فتحولنا الكنيسة. - تلك الكلمات قالت لي كل شيء. إن خبر مغادرتنا دف