عيد جميع القديسين

تقرأ الكنيسة، حسب الطقس اللاتيني، كلمة الله حسب الترتيب التالي:

رؤيا 7، 2-14: 2ورَأَيتُ مَلاكًا آخَرَ يَطلُعُ مِنَ المَشرِقِ ومعَه خَتمُ اللهِ الحَيّ، فنادى بِصَوتٍ جَهيرٍ المَلائِكَةَ الأَربَعَةَ الَّذينَ وُكِلَ إِلَيهم أَن يُنزِلوا الضَّرَرَ بِالبَرِّ والبَحر، قال: 3 “لا تُنزِلوا الضَّرَرَ بِالبَرِّ ولا بِالبَحرِ ولا بالشَّجَر، إِلى أَن نَختُمَ عَبيدَ إِلهِنا على جِباهِهم”. 4 وسَمِعتُ أَنَّ عَدَدَ المَخْتومينَ مائةٌ وأَربَعَةٌ وأَربَعونَ أَلفًا مِن جَميعِ أَسْباطِ بَني إِسْرائيل..... 9 ورَأَيتُ بَعدَ ذلِكَ جَمعًا كَثيرًا لا يَستَطيعُ أَحَدٌ أَن يُحصِيَه، مِن كُلِّ أُمَّةٍ وقَبيلَةٍ وشَعبٍ ولِسان، وكانوا قائمينَ أَمامَ العَرشِ وأَمامَ الحَمَل، لابِسينَ حُلَلاً بَيضاء، بِأَيديهم سَعَفُ النَّخلِ، 10وهم يَصيحونَ بِأَعلى أَصْواتِهم فيَقولون: “الخَلاصُ لإِِلهِنا الجالِسِ على العَرشِ ولِلحَمَل!” 11وكانَ جَميعُ المَلائِكَةِ قائِمينَ حَولَ العَرشِ والشُّيوخِ والأَحْياءِ الأَربَعَة، فسَقَطوا على وُجوهِهم أَمامَ العَرشِ وسَجَدوا لِلّهِ 12 قائِلين: “آمين! لإِِلهِنا التَّسْبيحُ والمَجدُ والحِكمَةُ والشُّكرُ والإِكْرامُ والقُدرَةُ والقُوَّةُ أَبَدَ الدُّهور آمين!”. 13 فخاطَبَني أَحَدُ الشُّيوخِ قال: "هؤُلاءِ اللاَّبِسونَ الحُلَلَ البَيضاء، مَن هم ومِن أَينَ أَتَوا؟” 14 فقُلتُ لَه: “يا سَيِّدي، أَنتَ أَعلَم”.فقالَ لي: “هؤُلاءِ هُمُ الَّذينَ أَتَوا مِنَ الشَدَّةِ الكُبْرى، وقَد غَسَلوا حُلَلَهم وبَيَّضوها بِدَمِ الحَمَل.

ملاحظات لقراءة النص: 144000 هذا الرقم  يرمز الى الكنيسة التي تجمع العهدين، القديم والجديد، وتشمل جميع الشعوب، من كل أمة ولسان... ودعوة الكنيسة وجميع الشعوب هي واحدة: تمجيد الله، ولكن لا أحد يمكنه أن يمجّد الله من دون أن يتنقّى بدم المسيح القائم من بين الأموات...

المزمور 23:

رسالة يوحنا الأولى 3، 1-3: 1 أُنظُروا أَيَّ مَحبَّةٍ خَصَّنا بِها الآب  لِنُدعَى أَبناءَ الله  وإِنَّنا نَحْنُ كذلِك.  إِذا كانَ العالَمُ لا يَعرِفُنا  فلأَنَّه لم يَعرِفْه. 2 أَيُّها الأَحِبَّاء  نَحنُ مُنذُ الآنَ أَبناءُ الله  ولَم يُظهَرْ حتَّى الآن ما سَنَصيرُ إِليه.  نَحنُ نَعلَمُ  أَنَّنا نُصبِحُ عِندَ ظُهورِه أَشباهَه لأَنَّنا سَنَراه كما هو. 3 كُلُّ من كانَ لَه هذا الرَّجاءُ فيه طَهَّرَ نَفْسَه كما أَنَّه هو طاهر.

ملاحظات لقراءة النص: القداسة الحقيقية هي عندما نتحد مع المسيح ونصبح مثله: أبناء حقيقيين لله الآب. هذه القداسة تبدأ في حالة الايمان والرجاء وتتحقق في السماء. والمعرفة المسيحية (نحن نعلم؛ العالم لا يعرفنا) ليست للعالم، بل فقط للذين يفتحون أذهانهم وقلوبهم في الايمان والرجاء والمحبة...

 

الانجيل حسب القديس متى 5، 1-12: 1فلمَّا رأَى الجُموع، صَعِدَ الجَبَلَ وَجَلَسَ، فدَنا إِلَيه تَلاميذُه 2فشَرَعَ يُعَلِّمُهم قال:3  “طوبى لِفُقراءِ الرُّوح فإِنَّ لَهم مَلكوتَ السَّمَوات. 4طوبى لِلوُدَعاء فإِنَّهم يرِثونَ الأَرض. 5طوبى لِلْمَحزُونين، فإِنَّهم يُعَزَّون. 6طوبى لِلْجياعِ والعِطاشِ إِلى البِرّ فإِنَّهم يُشبَعون. 7طوبى لِلرُّحَماء، فإِنَّهم يُرْحَمون. 8طوبى لأَطهارِ القُلوب فإِنَّهم يُشاهِدونَ الله. 9طوبى لِلسَّاعينَ إِلى السَّلام فإِنَّهم أَبناءَ اللهِ يُدعَون. 10طوبى لِلمُضطَهَدينَ على البِرّ فإِنَّ لَهم مَلكوتَ السَّمَوات.11طوبى لكم، إِذا شَتَموكم واضْطَهدوكم وافْتَرَوْا علَيكم كُلَّ كَذِبٍ مِن أَجلي، 12اِفَرحوا وابْتَهِجوا: إِنَّ أَجرَكم في السَّمَواتِ عظيم، فهكذا اضْطَهدوا الأَنبِياءَ مِن قَبْلِكم.

ملاحظات لقراءة النص:   هذه هي شخصية المسيح الذي عاش ومن ثم علّم.  رفض يسوع أن يقاوم العالم الذي كان من حوله مستعملاً المنطق القديم. رفض العنف، رفض الكذب، رفض الكبرياء الذي أوقع آدم في الخطيئة الأولى، رفض التخمة الحرب... وتحمّل كل ألم واضطهاد... هذا هو يسوع! لماذا؟ يجب أن نسأل أنفسنا دوماً لماذا؟ وهذا السؤال نتعلّم أن نسأله فقط في الاختبار، في الحياة. لا يمكننا أن نسأل ولا أن نفهم إذا رفضنا الألم حباً، إذا رفضنا الفقر والحاجة. لا يمكننا أن نفهم إذا كنا نسعى دوماً الى السلطة والعنف والمال والرغبات الجامحة، لا يمكننا أن نفهم إذا هربنا من الضعف وبحثنا عن القوة والظلم (ولو في أصغر الأمور)، لن يمكننا أن نفهم إذا ما فقدنا معنى التعب والألم حباً، وإذا أردنا أن ننتقم ضد الذين أهانونا وظلمونا وافتروا علينا...

فقط عندما نتجرأ على الصمت، والموت، والضعف، والبراءة، والرحمة، والبساطة. فقط عندما نتجرأ ونقول دوماً الحقيقة، وفقط الحقيقة حتى ولو كلفنا ذلك مراكز ومال والاعتبار والمصلحة الشخصية، ... الحقيقة ولو كلفنا ذلك حياتنا...

عندما نقتنع في داخلنا، وفي التجربة الفعلية، بهذه الحقيقة، عندها تكون الطوبى: السلام والهدوء والمحبة والسيطرة على الانفعالات الداخلية، وأن نواجه العالم والغضب بدون تزمر أو حقد، هذه هي السعادة!. هذا هو الدرس الذي يعطينا إياه القديس فرنسيس عندما يتكلم عن الفرح والطوبى.

 

بداية أنصحك أخي القارىء، بأن تقرأ في تعاليم الكنيسة، نَصَّين لهما أهمية كبرى في موضوع الدعوة الشاملة الى القداسة:

الأول في وثيقة المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني "نور الأمم"، الفصل الخامس (الفقرات 39-42) وهي مهمة جداً، وتتكلم عن الدعوة الشاملة الى القداسة.

والنص الثاني يأتينا هدية الحبر الأعظم يوحنا بولس الثاني في رسالته في مطلع الألفية (الفقرتين30 و 31)

إذا قرأنا هذين النصّين، نفهم ما يريده المسيح من الكنيسة اليوم، وما تسعى اليه الكنيسة في العالم. وكل فردٍ منا يمثل الكنيسة حيث يكون، ويحمل بذور القداسة في أفكاره، وأعماله، وحضوره، وجسده (هيكل الله) وفي كل ما يدور حوله.... لذلك يقول أحد القديسين أنه على المسيحي أن يعيَ قيمته وأهميته في العالم وأمام الله.

وقبل أن أعرض عليك بعض النصوص للتأمل، أود أشركك بتأملاتي في هذه المناسبة. أرى أن القداسة هي أجمل رسالة تقدمها الكنيسة للعالم اليوم، لذلك أعلن البابا يوحنا بولس الثاني عدداً كبيراً من القديسين والطوباويين، لكي يقول للعالم أن هذه هي الطريق الصحيح، الوحيد الذي يقود الى السعادة التي يبحث عنها العالم. وإذا كان هناك من خدمة يمكن للمسيحي أن يقوم بها اليوم، من أجل العالم، هي أن يكون قديساً، وجميعنا قادرون أن نكون قديساتٍ وقدّيسين. لذلك أدعوك لأن تثق بذاتك وتقول لنفسك أنك إذا كنتا مدعو الى القداسة، وإذا كنت معمّداً، وإذا كانت هناك رغبة لديك بالقداسة... كل هذه الأمور ليست "الصدفة"، فتقول تريزا الطفل يسوع: "أنا متأكدة إذاً، من أنّك ستستجيب لرغباتي؛ أعرف ذلك، يا إلهي ! (بقدر ما تشاء إن تعطي، بقدر ذلك تحملُ على الرغبة فيه). فأشعر برغبات هائلة في قلبي. وأطلبُ إليك بثقة أن تأتي وتمتلك نفسي". العالم من حولنا يطرح علينا مغرياته التي تتكلم مع الناحية السفلى من ذاتنا البشرية، لكن هذا لا يمكن أن يوقف مسيرة الصلاة والقداسة التي بدأها يسوع يوم المعمودية. ونحن المسيحيين،  مدعوين لأن نقول ذلك للعالم. إن خطيئتك ليست حاجزاً أمام قداستك، بل خوفك من خطيئتك، خوفك من العالم من حولك، يمنعاك من المضي قدماً في سبيل الله. لذلك أدعوك الى أن تملك الجرأة التي دفعت تريزا الطفل يسوع، وإليصابات للثالوث، وغيرهما مثل شربل ورفقا والحرديني، الى أن يدخلو في مدرسة يسوع من الباب الحقيقي.

واحدة مهمة أود أن أتكلم عنها اليوم في الشرق: المسيحي يجد ذاته أمام خيارات كثيرة، كأنه ينفصم في خياراته السياسية والكنسية والاجتماعية، وهو متردّد دوماً، وسبيله في النهاية الخوف والهروب. تعالى نسعى الى أن نتحقق من الرسالة الأساسية التي طلب منا يسوع أن نتممها: "كونوا قديسين"، وهذا يكفي؛ هذه هي رسالتنا لخير العالم ولخلاص أنفسنا، ولنهضة كنيستنا. أينما ذهبنا، هذه هي رسالتنا فلنبدأ. أدعوك أخيراً الى أن تنيذ التفرقة والبغض الأخوي، الذي هو نتيجة التبعية الحزبية أو السياسية، لأن روح الشيطان يفرّق، أما روح الرب فيجمع. نحن جميعنا أعضاء جسدٍ واحد في الكنيسة، لذلك فلننبذ التفرقة: إنها علامة أننا للمسيح. وكل من يعمل غير ذلك، هو ليس للمسيح، أؤكّد لك ذلك. الحب، "أحبب الرب إلهك من كل قلبك وعقلك وذهنك، وأحبب قريبك حبّك لنفسك" هذا هو النضج، وهذه هي القداسة.

أريد أن أعرض عليك نصاً ذات أهمية خاصة بالنسبة لنا نحن الكرمليين: صلاة تقدمة الذات للقديسة تريزا الطفل يسوع، وهو يتكلم عن ذاته، دون أضيف شروحات غير ذات إفادة:

ي.م.ي.ت.

يا إلهي! أيُّها الثالوث الطوباوي.

أريد أن أحبّك وأن أجعلك تُحَب، وأن أعملَ على تمجيدِ الكنيسة المُقدسة ، فأخلّصَ النفوسَ على الأرض، وأُنجيَ مَن تتعذّب من المطهر.

أرغبُ في أن أُتمّمَ مشيئتك كاملة، وأصلَ إلى مرتبة المجد الذي أعددته لي في ملكوتك.

بكلمة واحدة، أرغب في أن أكون قديسة؛ لكنّي أشعرُ بعجزي، وأطلبُ إليك، يا إلهي ‍ أن تكون أنت بذاتك قداستي.

ما دمتَ أحببتني حتى أنك جُدت عليّ بابنك الوحيد ليكون مخلّصي وعريسي، فكنوزُ استحقاقاته اللامتناهية هي لي؛ فأقدّمها لك بغبطة، متوسّلة إليك ألاّ تنظر إليّ إلاّ عبر وجه يسوع وفي قلبه المُضطرم حبّاً.

أقدّم لك أيضاً جميع استحقاقات القديسين ( الذين هم في السماء والذين هم في الأرض)، مع أفعال حبّهم وأفعال حبِّ الملائكة القديسين.

وأخيراً، أقدّمُ لك، أيّها الثالوث الطوباوي ! حُبَّ العذراء مريم، أمي الحبيبة، واستحقاقاتها، فإليها أسلّم تقدمتي متوسّلة إليها أن تُقدّمها لك.

قال لنا إبنها الإلهي، عريسي الحبيب، في أيّام حياته البشريّة :"إن سألتم الآب شيئاً باسمي أعطاكم إيّاه". وأنا متأكدة إذاً، من أنّك ستستجيب لرغباتي؛ أعرف ذلك، يا إلهي ! (بقدر ما تشاء إن تعطي، بقدر ذلك تحملُ على الرغبة فيه). فأشعر برغبات هائلة في قلبي. وأطلبُ إليك بثقة أن تأتي وتمتلك نفسي. آه ! أنا لا أستطيع قبول المناولة المقدّسة كلّما رغبتُ فيها. لكن، ألستَ كليَّ القدرة، يا رب ؟... فأمكث في نفسي، كما في بيت القربان، ولا تبتعد أبداً عن قربانتك الصغيرة.

أريد تعزيتك عن عقوق الأشرار، وأتوسّل إليك أن تسلبني الحريّة بألا أرضيك. وإن سقطتُ أحياناً بسبب ضعفي، فأرجو بنظرتك أن تُنقّي نفسي فوراً، فتتلف كلَّ نقائصي كالنار التي تُحوّل كل شيء إلى ذاتها...

أشكرك، يا إلهي ! على كل النعم التي أنعمتَ عليَّ بها، خاصةً أنك محّصتني في بوتقة الألم. وبفرح، سأتأمّلك في اليوم الأخير حاملاً صولجان الصليب؛ وما دمتَ قد تنازلتَ ومنحتني شركة هذا الصليب الثمين للغاية، فأنا آمل أن أشابهك في السماء، وأرى سمات آلامك المقدسة تسطعُ في جسدي المجيد...

وبعد منفى الأرض، أرجو الذهاب لأنعمَ بك في الوطن الأبدي؛ لكني لا أريد أن أُكدّس استحقاقاتٍ لأجل المساء، بل أريد العملَ في سبيل حُبِّك وحده، وبهدفٍ وحيد هو أن أرضيك، وأن أعزّيَ قلبك الأقدس وأخلّصَ نفوساً ستحبُّك للأبد.

في مساء هذه الحياة، سأُمثل أمامك ويداي فارغتان، لأنني لا أطلب إليك، يا رب، أن تُحصيَ أعمالي. برُّنا كلُّه ملطّخٌ أمام عينيك. أريد إذاً أن ألبِسَ برَّكَ وأنالَ من حبّك امتلاكَكَ الأبدي. لا أريدُ على الإطلاق عرشاً آخر ولا إكليلاً آخر، سواك يا حبيبي !...

الزمن لا شيء في عينيك، ويومٌ واحد كألف سنة، فأنتَ قادرٌ إذاً على أن تُعدّني في لحظة، لأمثُل أمامَك...

ولكي أحيا في فعل حبٍّ كامل، أقدّم ذاتي ذبيحةً مُحرقةً لحبِّكَ الرحيم، متوسّلةً إليك إن تُتلفني بلا انقطاع، دافقاً في نفسي مياهَ الحنان اللامتناهي الكامنة فيك، فأصبح هكذا شهيدة حبّك، يا إلهي !...

وليَجعلني هذا الإستشهاد أموت أخيراً، بعد أن يُعدّني للمثول أمامك، ولتنطلق نفسي، من دون تأخر، لتعانق للأبد حبّك الرحيم...

أريد، يا حبيبي، أن أجدّد هذه التقدمة مرّات لا تُحصى، عند كلِّ نبضةٍ من نبضات قلبي، حتى أستطيع إذا ما زالت الظلال، أن أردّد لك حبي وجهاً لوجه إلى الأبد !...

ماري، فرانسوز، تريز الطفل يسوع والوجه الأقدس. (ر. ك. غ. م.

9 حزيران /يونيو من سنة النعمة 1895

وأريد أن أتمم المشهد الكرملي الرائع وأدعوك أن تصلي معي اليوم صلاة الطكوباوية إليصابات للثالوث، التي أحبّت تريز، ونسجت مثلها بيت قداسة في الكرمل، ونحن نحتفل هذه السنة بالمئوية الأولى لموتها:

 

صلاة الطوباوية أليصابات للثالوث الأقدس – كرملية

إلهي،  أيُّها الثالوثُ الذي أعبد، ساعدني على نسيانِ ذاتي كلياً لأستقرَّ فيك في سكون وهدوء، كما لو كانت نفسي منذ الآن في الأبدية! يا من لا يخضع للتغيّر، لا تدعْ شيئاً يعكّرُ سلامي او يُخرِجُني منكَ، بل لِتَحْمِلْني كلُّ دقيقةٍ بعيداً جداً في أعماق سرّك.

أحلَّ السلامَ في نفسي، واجعلْ منها سماءَك، مسكنَك المحبوب ومقرَّ راحتِك؛ هبْني أن لا أدعَك فيها وحدك، بل أن أكون هناك بكل كياني، متيقظةً في إيماني، ساجدةً ومستسلمةً كلياً لعملك الخلاّق.

يا مسيحي المحبوب المصلوبَ حباً، أودّ أن أكون عروساً لقلبك. أودّ أن أغمرَك بالمجد، وأن أحبَّكَ حتى الموت من الحب! ولكنّي أشعرُ بعجزي، فأسألك أن تُلبسَني ذاتَك، أن تُماثِلَ نفسي جميعَ حركاتِ نفسِكَ، أن تغمرَني، أن تتغلغل فيَّ، أن تنوبَ عني حتى لا تكونَ حياتي سوى إشعاعاً لحياتكَ. تعالَ إليَّ متعبّداً وكفَّارةً ومخلِّصاً.

أيُّها الكلمةُ الأزلي، كلمةُ إلهي، أريد أن أقضيَ حياتي في الإصغاء إليكَ. أريد أن أكون منفتحةً على تعاليمك حتى أتلقّن منكَ كلَّ شيء؛ وبعد ذلك، وعبر الظلامِ والفراغِ والعجز، أريد أن أحدّق دوماً إليكَ وأمكُثََ في ظلِّ نورِكَ الساطع. يا كوكبي المحبوب،شُدَّني إليك حتّى لا أقوى على الخروج من إشعاعك.

هلّم إليّ أيُّها النارُ المُحرقة، يا روحَ المحبّة، لكي يحدُثَ في نفسي مثل تجسّدٍ للكلمة، فأصيرَ لبشريّته امتداداً يُجدّدُ فيَّ كلّ سرّه.

وأنت أيُّها الآب، إنحنِ نحو مخلوقتك الفقيرة والصغيرة ، ظلِّلها ولا ترَ فيها سوى الحبيبَ الذي وضعتَ فيه كلَّ رضاك!

يا ثالوثي، يا كلَّ ما لي، يا غبطتي، يا وحدةً لا حدَّ لها، يا سَعَة رحبةً أتيه فيها. رحباً أتيهُ فيه. إنّي أستسلم لك كفريسة؛ فادفِنْ ذاتَك فيّ لأَدفِنَ ذاتي فيك، بانتظار أن أذهبَ وأتأملَ في نوركَ غورَ أعماقِ عظائمِكَ!

كرمل ديجون، في 21 تشرين الثاني 1904

 

****

 

أقدّم لك بعض تأملات الطوباوية إليصابات للثالوث، علّها تساعدنا على سلوك خطاها:

(من كتاب "السماء في الايمان"، فقرة 24...)

- كونوا قديسين لأنّي أنا قدوس (1بطرس1/16). قائل هذا الكلام هو الرّب. فعلى كلٍّ منا أن يكونَ قدوسَ الله مهما كان نمطُ حياتنا والثوبُ الذي يغطّينا. من هو، إذاً  أكثرُنا قداسةً؟ هو أكثرُنا شخوصاً إلى الله وأشملُنا إرضاءً لحاجاتِ نظره. وكيف نرضي حاجات نظر الله سوى بأن نتوجَّه إليه ببساطةٍ وحبّ، لكي يستطيعَ أن يعكسَ فينا صورتَه الذاتية كما تنعكسُ الشمس من خلال بلّورٍ صافٍ؟ "لنصنع الإنسان على صورتنا ومثالنا" (تكوين1/26). تلك كانت إرادةُ قلب إلهنا العظمى. بدون المثال الذي يأتي من النعمة، فالهلاك الأبدي ينتظرنا. ما إن يرانا الله مُؤَهَّلين لتقبُّل نعمته، حتى يكونَ صلاحُه الحرّ مستعداً لإعطائنا الهبة التي تعطينا مثاله. وتتعلّق جدارتنا لتلقّي نعمته بالاستقامة الباطنية التي نتحرّك بها نحوه. والله، بحمله إلينا هباته، يستطيع عندها أن يعطي ذاته وأن يطبع فينا مثاله ويَحُلَّنا ويخلِّصنا.

25- يقول مؤلِّفٌ ورع: " الكمالُ الأسمى في هذه الحياة يقوم على البقاء مُتَّحدين بالله، غلى حدٍّ أنَّ النفسَ تختلي  في الله بكلِّ قدراتها وقواها، وأنَّ عواطفَها المتّحدة في فرح الحبّ، لا تجد الراحةَ إلا في امتلاك الخالق. في الواقع، تتكوّن صورة الله المطبوعةُ في النفس من العقل والذاكرة والإرادة. وطالما أن هذه القوى لا تحمل صورةَ الله الكاملة، فهي لا تشابهه كما في يوم الخلق. إنَّ صورة النفس هي الله الذي لا بدَّ أن ينطبع فيها كالختم في الشمع، وكالعلامة على موضوعها. ولايتحقَّق ذلك بملئه إلا إذا كان العقل بكامله مستنيراً بمعرفة الله، وكانت الارداة مُقيَّدةً بحبِّ الخير الأسمى، وكانت الذاكرة مستغرقةً كُلياً في تطلّع السعادة الأبدية والتنعّم بها. وكما أن مجد الطوباويين ليس إلا الامتلاك الكامل لهذه الحالة، فمن الواضح أنَّ امتلاك هذه الخيرات، يشكّل الكمال في هذه الحياة. ومن أجل تحقيق هذا المثال، لا بدّ من الاختلاء داخل الذات والقيام بصمت في حضرة الله، في حين أن النفس تستغرق فيه، وتتمدَّد، وتتأجَّجُ وتذوب فيه، بملءٍ لا حدودَ له.

 

32- ها هو معيار قداسة ابناء الله: أن يكونوا قدّيسين مثل الله، قدّيسين من قداسة الله (1 يوحنا 3/3)، ويتمّ هذا بالعيش في الاتّصال به في قاعِ الغمر الذي لا قاعَ له، أي في الداخل. وتبدو النفس عندئذٍ أنها تنعمُ ببعض الشبه بالله، الذي وإن وجد نعيمه في كلِّ الأشياء، فهو، مع ذلك، لا يجد نعيمه فيها بقدر ما يجده في ذاته، لأنّه يملك في ذاته خيراً سامياً فوق كلِّ سموّ تختفي أمامه كلُّ الخيرات الأخرى. هكذا فإن كلَّ الأفراح التي تطرأ على النفس، هي بالنسبة إليها كتنبيهاتٍ مقابلة تدعوها إلى أن تتذوّقَ، بالأحرى، الخيرَ الذي تمتلكه في ذاتها، والذي لا يمكن لأيِّ خيرٍ آخر أن يُقارَن به. أبانا الذي في السموات (متى 6/9). ففي هذه السماء الصغيرة التي كوَّنها في مركز نفسِنا يجب أن نبحثَ عنه، وعلى الأخصّ، أن نثبتَ فيه.

 

42- كلّ نفس في السماء هي تسبحةُ مجدٍ للآب والابن والروح القدس، لأن كلَّ نفسٍ ثابتة في الحب الخالص لا تحيا بحياتها الذاتية على الإطلاق، بل تحيا بحياة الله. يقول القديس بولس: عندئذ تعرفه هي كما يعرفُها هو (1قورنتس 13/12). وبعبارات أخرى، يكون إدراكها هو إدراك الله، وإرادتها هي إرادة الله، وحبُّها ذاتَ حبِّ الله. إنّما في الحقيقة يحوِّلُ روحُ الحبِّ والقوة النفسَ كونه كان قد أُعطي لها كي يُكمِل ما هو ناقصٌ فيها، كما يقول القديس بولس أيضاً (رومية 8/26)، فهو يُتمُّ فيها هذا التحوُّلَ المجيد . ويؤكد يوحنا الصليب "أنَّ النفسَ المُستسلمة إلى الحبّ، هيهاتِ ألاَّ ترتفعَ، بقوة الروح القدس، إلى الدرجة التي تكلّمنا عليها، منذ هذه الحياة ! هذا ما أسميه تسبحة المجد الكاملة !

43- تسبحة المجد هي نفسٌ تقيم في الله، وتحبّه حباً خالصاً ومجرَّداً، من دون أن تبحث عن ذاتها وسط عذوبة هذا الحبّ؛ وتحبّه فوق عطاياه كلِّها، حتى ولو لم تكن قد نالت منه شيئاً، وترغب في خيرِ مَن تكنّ له مثل هذا الحبّ. فكيف ترغب النفس في خيرٍ لله وتريده والحالة هذه، إن لم يكن بإتمام إرادته، كون هذه الإرادة تنظِّمُ جميعَ الأشياء من أجل مجده الأعظم؟ فعلى هذه النفس، إذاً، أن تستسلمَ إلى هذه الإرادة، بملءِ الاستسلام والولع، إلى حدٍّ لا تعود معه تريد شيئاً آخر غيرَ ما يريده الله.

تسبحةُ المجد، هي نفسٌ تحبّ الصمت، وتكون مثل كنّارةٍ تحت لمسة الروح القدس السرِّية لكيّ تُخرِجَ منها نغماتٍ إلهية؛ وتعرف أن الألم وترٌ يُصدِر أصواتاً أكثر جمالاً؛ فتحبّ أن ترى هذا [الوتر] في آلتها لكي تحرّك بمزيدٍ من العذوبة قلبَ إلهها.

تسبحةُ المجد هي نفسٌ تشخَصُ إلى الله في الإيمان والبساطة؛ إنها مرآةٌ تعكس كلَّ ما هو عليه؛ إنها شبهُ لجّةٍ بدون قعرٍ، يمكنه أن ينسكب فيها ويتدفَّق؛ وإنّها، كذلك، مثلُ بلورةٍ يمكنه أن يشعَّ من خلاله وأن يتأمل كمالاتِه الخاصّة وبهاءه الخاص. وهي نفسٌ تتيح، هكذا، للكائن الإلهي أن يُشبع فيها حاجته إلى إيصال كلِّ ما هو وكلِّ ما لديه. وهي، في الحقيقة، تسبحةُ مجدٍ لكلِّ عطاياه.

وأخيراً، تسبحةُ المجد هي كائنٌ دائمُ القيام بأفعال الشكر. وكلُّ واحدِ من أفعال هذا الكائن وحركاته، وكلُّ واحد من أفكاره وطموحاته، هو شبهُ صدًى لترنيمة قدوس السرمديّة، بينما في الوقت عينه، تعمّق جذور هذا الكائن في الحبّ.

 

 "كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي هو كامل" (متى 5/48). حينما يُسمعني معلمي الإلهي هذه الكلمة في أعماق نفسي، أخاله يطلب إلي أن أعيش مثل الآب في "حاضر ابدي"، دون قبل وبعد، بل بكليتي في وحدة كياني في هذا "الآن" الابدي.

وما عساه أن يكون هذا الحاضر؟ هوذا داود يجيبني: "يسجدون من أجل ذاته" (مز 71/15). وكأني به يطلعني على هذا الحاضر الأبدي الذي يجب على تسبحة المجد ان تحيا فيه. ولكي تكون صادقة في موقفها هذا، فيتاح لها أن تنشد: "كي أوقظ الأسحار" (مز 56/9) يجب أن يكون بوسعها أن تقول مع القديس بولس: "من أجله خسرتُ كلَّ شيء" (فيلبي 3/8)، أي من أجله، ولكي استطيع السجود له دائما، قد انعزلت وتجردت وانفصلت عن ذاتي وعن الأشياء كلها في النظام الطبيعي، وحتى عن مواهب الله في النظام الفائق الطبيعة. فإن النفس التي لا تكون متلاشية ومعتقة من ذاتها، ستكون حتماً تافهة وطبيعية أحيانا، وهذا ما لا يليق بابنة الآب وعروس المسيح وهيكل الروح القدس.

ففي سبيل تلاقي هذه الحياة الطبيعية، على النفس أن تكون مستيقظة في إيمانها وشاخصة بنظراتها الرقيقة إلى معلمها الإلهي. وإذ ذاك يمكنها أن تسير "على براءة وجدانها في داخل بيتها"، كما ينشد المزمور (مز 100/2)، وتسجد أبدا لإلهها لأجل ذاته، فتعيش بذلك على صورته في الحاضر الأبدي الذي يحيا فيه.

"كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي هو كامل". ويقول القديس ديونيسيوس إن الله هو "المتوحد الاكبر". ويطلب إلي معلمي أن اقتدي بهذا الكمال، وأن أكرمه بكوني منعزلة كبيرة. فالكائن الإلهي يعيش في